"نبش النفايات".. عمل شاق في سبيل توفير لقمة العيش!

ساعات طويلة تحت أشعة الشمس الحارقة ووسط الروائح الكريهة والدخان الخانق المُنبعث من إشعال النيران في النفايات الصلبة داخل مكب "صوفا" شرقي محافظة رفح جنوب قطاع غزة، يقضيها عدد من ميسوري الحال والفقراء داخل ذاك المكان بحثًا عن لقمة العيش.

ويأتي هؤلاء العمال من بلدة خزاعة الحدودية شرق مدينة خان يونس وأخرين من مناطق بعيدة، على عرباتهم التي يجرها حمار، منذ الساعة السادسة صباحًا، ويمكثون حتى الثانية عشرة مساءًا، أي حوالي "ست ساعات" عمل متواصلة، داخل تلك المكرهة الصحية، بحثًا عن الرزق، بعدما ضاقت بهم الدنيا.

مراسل "وكالة قدس نت للأنباء" وقف عن قرب على معاناة هؤلاء العمال، والحياة التي يعيشونها، رغم تشكيل هذا العمل الشاق جدًا خطرًا صحيًا على حياتهم، جراء استنشاقهم للروائح الكريهة والغازات السامة الُمنبعثة من إحراق المكب باستمرار، وملامستهم للنفايات بأيديهم، دون توفير مقومات السلامة الجسدية..!

من النار للفقر!

أحمد "37سنة" من سكان بلدة خزاعة، أتى من ليبيا لغزة قبل نحو خمس سنوات هربًا من نيران الحرب الدائرة هناك قبل الإطاحة بالنظام الحاكم، ظنًا منه أن تكون الحياة وردية وأفضل من الحال الذي كان يعيشه هناك، ليصطدم بحربين متتاليتين، وفقرٍ مُدْقِعٌ..!

وبدت على "أحمد" الذي يعيش في أسرةٍ مكونةٍ من خمسة أفراد، علامات التعب والإرهاق والكِبر جلية، وجلس في ظل عربته لينال قسطًا من الراحة، لمشقة العمل..!، وكلما سمع صوت عربة تحمل نفايات قادمة للمكب، سارع وبيده "قضيب حديد" ليقف على شرفتها وكلما سكبت ملها، نبش "بالقضيب" الأكياس البلاستيكية بحثًا عن أواني وقطع صالحة..

وهكذا الحال عند قدوم أي سيارة، يُسارع هو ومن معه، وتخص أقدامهم وأيديهم وسط أكوام النفايات الكبيرة، وبعد عناء يمكن أن يُحالفه الحظ في استخراج بعض الأواني البلاستيكية والقطع الحديدية والنحاسية والورقية، وجمعها ووضعها داخل شوالات "أكياس" ونقلها لداخل العربة التي يمتلكها..!

ويقول "أحمد" لـ مراسل "وكالة قدس نت للأنباء": "العمل شاق جدًا، والحياة أشق وأصعب، (فلم يلقينا على المر سوى الأمر منه كما يقول المثل)، فلدي خمسة أفراد، يحتاجون لمصاريف يومية، فكيف أوفرها في ظل الواقع الصعب، فهربت من حرب لفقر وحروب وحياة صعبة جدًا!، فبلدتي تعرضت مرات كثيرة للاجتياحات والقصف، ومنزلنا تضرر".

ويضيف "كل يوم أصل المكب في الصباح الباكر، ونجمع ما يمكن جمعه من مُخلفات ونفايات، ونقلها وبيعها لتحصيل ما بين  (10_30شيقل) وأحيانًا أقل من ذلك، والقليل أفضل من العدم، والعيش بكرامة أحسن بكثير من التسول، وإن كان العمل يُشكل خطرًا على حياتنا، لكن سنعمل ولن نترك أنفسنا نتسول ونجوع!".

علاج وإعالة

وعلى مقربة من "أحمد" جلس الكهل جودة "46سنة " الأب لـ "3أفراد" ونجله زهير "16سنة" مستلقين على الأرض بجانب، دراجة نارية بثلاث إطارات "تكتك" وسط المكب، لينال قسطًا من الراحة، بعدما انهِك من ثني ظهره بحثًا عن رزقه وسط أكوام النفايات، وبدا على وجهه علامات كبر من يكبرهُ سننًا، بسبب مشقة العمل..!

ويعمل "جودة" منذ نحو "15سنة" في نبش النفايات، ليوفر لقمة عيش لآسرته، ونجله أمجد"22سنة" المصاب بمرض مُزمن في صدره، ويحتاج لعقارات وأدوية طبية باهظة الثمن، ولا يقدر على توفيرها، ويبيت في المستشفى أكثر من جلوسه في المنزل "حسب قوله".

ويبين لـ مراسل "وكالة قدس نت للأنباء": "كل يوم أعمل في محاولة لتحصيل قوت اليوم وعلاج الولد، في أحيان نحرم أنفسنا من الطعام وبعض الخضروات والفواكه لتوفير العلاج، فالحياة صعبة، والعمل شاق، ونعي مخاطره، لكن لا يتوفر بديلاً، فكل يوم نأتي أنا وأولادي وبعض الأقرباء نعمل لساعات وسط النفايات، الذي تنبعث منه الروائح الكريهة"..

وشدد "جودة"_بينما ينضح من جبينه العرق ويميل بيديه يمينًا وشمالاً لطرد الذباب المُتجمع، والذي يتهافت على وجهه وملابسه_ "تحملت الروائح الكريهة سنوات طويلة، ومشقة العمل في النفايات، ومستعد أتحمل تلك الروائح، في سبيل توفير لقمة العيش، وأعلم أن ذلك العمل قد يكلفني حياتي، فخطر العمل فيه كبير، لكن لا تتوفر بدائل".

المصدر: رفح – وكالة قدس نت للأنباء -