دخل رئيس الحكومة الإسرائيلية المكلّف، بنيامين نتنياهو، في سباق مع الزمن لتشكيل حكومة أوحى أنها ستكون سهلة التشكيل. وتنتهي، اليوم الأربعاء، المهلة القانونية الأخيرة أمامه لتشكيل هذه الحكومة، قبل أن يضطرّ الرئيس الإسرائيلي رؤوفين ريفلين للبحث في بدائل، هو ليس مستبعداً منها. لكن الوصول إلى هذه النقطة يعني، عملياً، إشهار الفشل بعد حوالي شهر ونصف الشهر من الانتخابات التي أعلنها انتصاراً ساحقاً له ولخطه السياسي.
ومن الوجهة العملية، فإنّ مستقبل حكومة نتنياهو بات بأيدي زعيم «البيت اليهودي» نفتالي بينت الذي يملك ثمانية مقاعد. وبعدما أبرمت «شاس»، أمس الأول، اتّفاق الدخول إلى الائتلاف مع «الليكود»، صار نتنياهو يتمتع بتأييد 53 نائباً، ما يجعله في حاجة قاهرة إلى الأصوات الثمانية لـ «البيت اليهودي» لامتلاك أغلبية النصف زائداً واحداً في الكنيست. ولهذا السبب، عاد «البيت اليهودي»، الذي جرت الاستهانة به طوال أسابيع المفاوضات، ليؤدّي الدور الحاسم في مواصلة نتنياهو ادّعاء النصر أو الاضطرار إلى إشهار الإخفاق.
وبعد الهزة الأرضية التي أحدثها انسحاب زعيم «إسرائيل بيتنا» أفيغدور ليبرمان من المفاوضات، وإعلانه انتقال الكتلة إلى صفوف المعارضة، لم يبق لدى نتنياهو، قبل يوم من انتهاء المهلة، سوى إشهار الفشل أو تشكيل حكومة من 61 نائباً. إذ أن خيار حكومة الوحدة لم يعد قائماً في اللحظة الراهنة، وهو في حاجة إلى وقت طويل لن يتحقّق إلّا إذا عاد الرئيس ريفلين ليكلّف رئيس حكومة آخر.
ومما لا ريب فيه أنّه إذا كان ليبرمان «خالف» الإجماع اليميني وأعلن انسحابه من المفاوضات، فإنّ مثل هذا القرار صعب على «البيت اليهودي». لذلك، وربما حتى الدقائق الأخيرة، ستتواصل المفاوضات بين «الليكود» و «البيت اليهودي» لتشكيل الائتلاف. وقد زاد «البيت اليهودي» من مطالبه، لكن شغور منصب وزير الخارجية قد يسهّل على «الليكود» إرضاء زعيم هذا الحزب بمنحه المنصب.
لكن من الواضح أنّ الاتفاق مع «البيت اليهودي» والذهاب إلى حكومة تستند إلى 61 نائباً، يعني الاقتراب، وبأسرع وقت، من لحظة إعلان فشل هكذا تشكيلة والاضطرار إلى البحث في خيارات أخرى. وبعبارة أخرى، فإنّ حكومة الـ 61 ستكون حكومة مؤقتة لا أحد يستطيع تقدير عمرها، ما يعني إمّا الاتجاه إلى توسيع هذه الحكومة لاحقاً، أو الاضطرار إلى الذهاب من جديد نحو انتخابات مبكرة أخرى.
وثمة ملاحظة لا بد من الإشارة إليها هنا، وهي أنّ ترتيب دخول الأحزاب إلى الائتلاف يقرّر أيضاً، وبشكل معاكس، ترتيب الخروج منها. فأول حزب وقّع اتفاقاً مع «الليكود» كان «كلنا» بزعامة موشي كحلون وله عشرة مقاعد. ولكن هذا الحزب يصنف خارج المعسكر اليميني القومي والحريدي. وبعد ذلك، كانت كتلة «يهدوت هتوراه» الحريدية التي تملك ستة مقاعد وهي الأبعد في اليمين عن اليمين القومي. ثم وقّعت حركة «شاس» على دخول الائتلاف بمقاعدها السبعة، ومعروف أن «شاس»، رغم قيادتها الحريدية، تمتلك قاعدة شرقيين من صلب قاعدة اليمين القومي. ولذلك يظهر تأخر انضمام «البيت اليهودي» إلى الحكومة وانسحاب ليبرمان من الائتلاف، مدى الريبة والشكوك القائمة داخل المعسكر القومي، وخصوصاً بين «الليكود» وكل من «إسرائيل بيتنا» و «البيت اليهودي». وبديهي أن هذا ينذر بانفجارات داخل الحكومة، خصوصاً بين «الليكود» و «البيت اليهودي»، إذا تمّ الاتفاق على حكومة الـ 61 نائباً.
لكن من دخل إلى الحكومة أولاً، هم في الغالب، عدا «الليكود»، الذين لا يعارضون قيام حكومة وحدة مع «حزب العمل». وإذا كانت هناك اعتراضات لأسباب ما من جانب «يهدوت هتوراه»، فإنّ بوسع «الليكود» و «المعسكر الصهيوني» و «كلنا» تشكيل ائتلاف من 66 عضو كنيست يمكن أن ينضم إليه أيضاً «هناك مستقبل» برئاسة يائير لبيد الذي نال 12 مقعداً، ما يخلق ائتلافاً علمانياً واسعاً أقل قومية وأقل تديناً. ولكن هذه الخيارات محكومة أساساً بما سيدور من صراع داخل «الليكود» نفسه خلال الأيام القليلة المقبلة، سواء تمّ تشكيل الحكومة المصغرة أم لا.
في كل حال، نالت حركة «شاس» في اتّفاقها مع «الليكود» ثلاث حقائب وزارية، بينها الاقتصاد والأديان. ومن المتوقّع أن ينال «البيت اليهودي» أيضاً ثلاث حقائب. نفتالي بينت عاد للمطالبة بوزارة الخارجية، لكن الوقت ينفد بسرعة، ويمكن أن يكتفي بوزارة التعليم، إلى جانب حقيبتين أخريين لأوري أرييل في الزراعة وأييلت شاكيد في الثقافة والرياضة. وقد عرض «الليكود» على «البيت اليهودي» أيضاً منصب نائب وزير الدفاع ومنحه المسؤولية عن الإدارة المدنية ودائرة الاستيطان، ما يعني السيطرة على قياد الأمور في الضفة الغربية المحتلة.
في كل حال ورغم أن الأنظار توجهت نحو ليبرمان والبيت اليهودي إلا أن الكثيرين ينتظرون ما سيحدث في الليكود من صراع على الكراسي. وواضح أن موشي يعلون سيبقى وزيرا للدفاع لكن حربا عالمية تدور بين أبرز قادة الليكود لتولي وزارة الخارجية. وسيبقى جلعاد أردان وزيرا للداخلية لكنه يشترط أن يضم إليها وزارة الأمن الداخلي. وهناك صراعات على وزارات المواصلات والعدل والرفاه والطاقة ووزارة شؤون الاستخبارات.
في كل حال كل ما سبق ووجهة الحكومة مرهون بالموقف الذي سيقوله نفتالي بينت الليلة وصباح الغد. فإما حكومة أقلية أو استمرار الأزمة الحكومية والخوض في متاهات طويلة.
كتب حلمي موسى لصحيفة "السفير" اللبنانية
