بدعوة من تكتل الجمعيات والهيئات الأهلية في لبنان والملتقى الثقافي الجامعي، افتتح المؤتمر السنوي الثالث تحت عنوان " ثقافة المقاومة" في قصر الأونيسكو – بيروت برعاية وزير الثقافة ريمون عريجي، وذلك ضمن فاعليات يوم العودة في 15 أيار 2015.
وقد تضمنت جلسات المؤتمر محاضرات حول المقاومة مجتمعاً وحقوقاً، والمقاومة في مواجهة الحرب الناعمة، والرواية المقاومة، والقصة المقاومة، والشعر المقاوم، والمقاومة وقضايا الفكر، ومحاضرة عنوانها المقاومة وأدبها تضمنت شهادات للشاعر د. محمد علي شمس الدين، ود. لؤي زيتوني، والأديب مروان عبد العال.
وقدّم د. سماح ادريس الأديب مروان عبدالعال وقال: هو من مخيم نهر البارد عضو اللجنة المركزية العامة في الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين ومسؤول فرع لبنان في هذا التنظيم الوطني والقومي واليساري العريق، تنظيم الكبار العظام كجورج حبش وغسان كنفاني ووديع حداد وأبي ماهر اليماني.
وأضاف، من رواياته سفر أيوب، زهرة الطين، جفرا، حاسّة هاربة، إيفان الفلسطيني، وشيريديل الثاني، إذن هو مناضل وروائي وفنان تشكيلي، يشبه في هذه التوليفة غسان كنفاني، الذي كان ينتمي إلى التنظيم السياسي نفسه، وعبدالعال يمارس السياسة كسياسي ومثقف، ويمارس الثقافة أيضاً بأخلاق المثقف، وواقعية السياسي النبيل.
وقدّم الأديب مروان عبدالعال شهادته في المقاومة وأدبها تحت عنوان " تأملات خارج الذكريات الممنوعة" وقال: نزهو بالمكان ببيروت ويزهو بكم وبالجهة الداعية. في الذكرى التي هي ليست مجرد ذكرى، تحية لكم وإلى الوطن في يوم " النكبة "، إلى "فلسطين" هذا الحلم النقيض للوهم، والذكرى التي لم تكن يوما ذاكرة مستعارة، لأنها عصيّة على النسيان، ولأن صورتها الناصعة تظل غير قابلة للتشويه، وحدودها حلم يتجاوز التسويات الجزئية المنقوصة، بل إنها رحم الصراع في المنطقة بأسرها، والمكان ذاته لنهاية هذا الصراع التاريخي، صراع بين رواية مزيفة، ولكنها تمتلك قوة "الباطل " إلى حد الاستباحة، وأخرى، رواية مقابلة وتمتلك قوة "الحق" إلى حد الحقيقة. لها هوية عربية ووضوحها لا يعني انتصارها إنما استمرارها، ولا يزال سر بقاء القضية الفلسطينية في مداها الفسيح في الوجدان العربي والإنساني، والراسخة كحق مقدس، يأخذ شكل الحلم ويرسم صورة الحرية الحقيقية، أردتها مجرد تأملات في ثلاثية روائية متداخلة من سرديات واقعية عندما تقرأها على مدى شعاع معاناتها وقضيتها، مشاهد من يوميات منفية تشعر فيها أنك أمام رواية شتات فلسطين في الشتات العربي، أو أنك تتذوق طعم النكبة العربية في النكهة الفلسطينية المُرّة، تبتلعها دون أن تراها، وتقتفي أثرها العميق في غربة النفس بمنفاها الخارجي أو الداخلي عبر خيط يربط الحضور الملحمي المثيولوجي من جهة بالحضور الواقعي التراجيدي من جهة أخرى، ترتقي بها إلى مصافي الحرية الإنسانية.
قد يكون الروائي عربيا يعيش المنفى لأنه في حلبة صراع أصلا أو يعيش البيئة الثقافية الفلسطينية المنفية مثل عبدالرحمن المنيف، أو روائي يقتسم الروح والسفر والحلم مثل رضوى عاشور، أو الروائي الفلسطيني الأصل "جبرا ابراهيم جبرا" يعيش في المنفى العربي بآلامه وآماله، سواء كان في بلد بعيد أو قريب في مدينة أو مخيم، لكنه أخيرا في بلاد وإن كانت عزيزة لكنها ليست وطنه ، ويعمل فيها، وهو نتاج ثقافتها، موضوع روايته مهما تميزت فإنها لن تبتعد عن موضوع الرواية العربية نفسها، والفرق أنه يقرأ الشخصية الفلسطينية من داخلها، لذلك فإن علاقة الرواية العربية بالقضية الفلسطينية ترتبط بدرجة إسهام المثقّف الفلسطيني في عملية الإبداع العربي، وجبرا جسّد هذا التفاعل العضوي والإنساني عبر سرد ممتع ليوميات سراب الفلسطينية أي شتات في منفاها العربي في روايته "يوميات سراب عفان" تلامس تفاصيل الغربة في مدن غريبة، ويوميات المنفى تترك آثارها الدامغة في حياته. يكتب: "إننا بعض من الكوميديا الإلهيه، حيث الجحيم أكبر مساحة ألف مرة من الفردوس، ولو أننا نلمح الفردوس احيانا، بل قد ندخله مرة لنعود فنخرج منه ليلقى بنا في الجحيم .... وهذه هي الغربة الأبدية: وجودنا دوما خارج الزمان وخارج المكان"، وثم يخرج الخطاب من الدائرة العربية نحو المدى الكوني الشامل إلى إمبراطورية الغربة أو أممية القهر، فجاءت إشارة "جبرا" في اليوميات وبلسان البطل: "مع كل احترامي للإمبراطور، فإن مستقبل العالم يقلقني، يقلقني جداً، أكثر مما يقلقني مستقبل حقل الدواجن.
لحقل الدواجن من يقلق عليه - رب العمل، زوجته شركاؤه، والربح فيه مضمون لهم جميعاً. أما العالم، فإذا لم نقلق نحن عليه ، إذا لم أقلق أنا عليه، فمن يقلق ؟ أما الربح فليس مضموناً لأحد" أما المنفى الإيجابي يبان من خلال تحدي الغربة وبرمزية المخيم ، بوصفه وجه الغربة القاتلة، حين يعطي صورة الإنسان اللاجئ كي يثير الشفقة كرمزية إنسانية قبل أن يصير قضية سياسية بامتياز عبر التحول من حالة لأخرى ، صورة الخيمة وكرت الأعاشة وكيس الطحين والكوبون والكرتونة.....إلخ ، كرمزيات للذل والمهانة وعقدة النقص والذنب، إلى صورة الفدائي والثائر والبطل "المخلص" كرمز الكرامة والشاهد على جريمة النكبة، وفي كل الحالات ظل المخيم كومونة اجتماعية ومنشطاً حيوياً للذاكرة في رحلة الانتقال من رواية الأنروا إلى رواية الثورة، من المشرد الذي يختنق تحت الخيام إلى الكائن الاجتماعي الحيوي الذي يتنفس برئتي الحكاية وبروحها، سيما أنه يحفظ الهوية والمجتمع ويصنع ويفترض ويتخيل ذاكرته المنفى الآخر النقيض ، يوضح لنا وظيفة الصهيونية منذ تأسيسها كحركة عنصرية هدفت إلى تجميع ذاكرة يهودية واختلاق رواية لجماعة غير موحدة في إقليم، معتبرا أن العودة إلى ما يسمى بأرض الميعاد يجب أن يسير مع عودة هذه الأرض إلى التاريخ أي التاريخ "اليهودي" ، أي اختراع هوية ، وفي الوقت نفسه التعامل على أساس طمس التاريخ الفلسطيني وتشتيت الهوية الجمعية، وتحويلها مع الوقت إلى ذكريات ممنوعة.
هنا أرى أن أهمية استخدام فكرة المنفى في ظل العولمة لتجعل من أدب المنفى ليس استثناء سلبياً بل كأداة نقدية تسهم في حفظ الهوية والخصوصية، والأهم حماية الذاكرة كي تبقى حيّة، أن تظل جارية لا تأسن ولا تتعفن، كما حولت فكرة النكبة الذاكرة التراجيدية إلى ذاكرة فاعلة، فصار الحنين إلى بياراتُ حيفا وبرتقال يافا وحجارة القدس وعنب الخليل، وزيتون جبل النار ليس مجرد بكائيات على الأطلال، إنمّا إلى حركةٍ عقلية تنويرية، ومن ثم إلى فعلٍ مقاوم، وبذلك نقل الأدبُ المقاومُ من ذاكرة الإنسانَ الفلسطيني غير المنفصلة عن ذاكرة العربي، والانتقال من شكلها السلبي إلى الإيجابي لتصل بين ذاكرتين، كي تطلق عناصر فنية جديدة ورموز إيجابية في قلب الحكاية العربية.
تظل أرض المنفى أرضا خصبة للخيال وحقلا للذاكرة كما كتبها جبرا ابراهيم جبرا في مدنه البعيدة: "لماذا لا أكتب عن وقائعي هذه الأيام ؟ ولكن أية وقائع؟ ما الذي يمكن أن أكتبه؟ مما لم أكتبه حتى الآن، عن يوم بعد يوم من الوتيرة ذاتها، من السأم ذاته، من الغثيان ذاته؟ ولكن الذاكرة والخيال: ما العالم كله ان هو قورن بهما إذا اجتمعا؟" أما المنفى السلبي ذاك المُعلّق بمؤشر القضية صعودا وهبوطا يمد الرواية العربية بالطقوس والرمزيات، ينعكس في حركة الرواية من البطل الأسطوري "سوبرمان" الذي يستحق العشق في سرديات انتصاروية، وأدخلت البطل الفلسطيني في روايات عربية كرمزية لمكانة القضية أو كتعبير أو تعويض عن أزمة ذاتية وجماعية، فكان المطارد بلا مأوى، أووجد مكانا مؤقتا، لكنه ظل الشخصية الثنائية المتناقضة إلى حد الانفصام، في محاولة لتسجيل زمن الانهيار من مدخل القضية المركزية تستبق المتغيرات وتمهد لها ولو بصورة انتهازية أحيانا، فوجدنا من قام بتصوير الفلسطيني في الغربة البعيدة و يحمل في جسده جراحات الحروب الداخلية والأهلية والانقسامات، وهي كلها في ذاكرته السلبية سواءءٌ بالنظر الى نفسه او نظر الاخرين إليه، لم يتحرر من النقائض والنقائص وبقيت تعيش داخله في المنفى. والوجه الإيجابي الآخر كضحية إيجابية تعاني من ظلم وإجحاف وتنكّر القريب، عبر إسقاط مصائب وخيبات البلاد على الفلسطيني "الغريب" كما في رواية الطنطورية لرضوى عاشور:" قال إن صديقا له زار بيروت. مؤخرا والتقى بشاب رفع عينيه فجأة وقال هامسا: " أنا فلسطيني، كأنه يسر لي بالأمر أو ينقل حقيقة على استيحاء، وتستدعي الشرح أو الاعتذار. قال المجتمع غدا طاردا للفلسطينيين." قومية النكبة وقومية المعركة تحتاجها رواية عربية تسعى لنقد التاريخ والواقع أكثر من توصيفه أو تأريخه، وتدرك المغزى العيني للتاريخ عبر وظيفة تتعقب عناصره المعيقة، كإشاعة ثقافة الهزيمة أو صناعة ذهنية " الغيتو" وكشف عناصر العجز والردة والنكوص عن مقاومة العدو الصهيوني، فالنكبة عربية لذلك المقاومة عربية لا يمكن تخصيصها وإعطاء وكالة حصرية رسمية بها، والمسؤولية عربية وأسبابها أكثر من مساحة فلسطين على حد قول "بن غوريون" بعد حصول النكبة مباشرة: "إنكم لم تنتصروا بسبب قوتكم بل بسبب تفسخ وتخلف وضعف عدوكم" ولأن الفلسطينيين هم جزء من التخلف العربي يومها، والذي كان سائدا وفي مجتمع متعب بالانقسامات القبلية والعشائرية في العشرينات الذي استمر في سياق سلبي حتى فشل ثورة 1936 ووصل إلى الذروة في العام 1948و بكل حزن مازال يتكرر حتى الآن، أمة مفككة ومجتمع ""ما قبل سياسي"، فالتخلف ان لم يُقاوم عصيّ على التقدم، ولكن الهزيمة ظلت حتى اللحظة تستمد بقاءها من عناصر الجهل والرجعية، والنسق السلبي وحده يعيد إنتاج النكبة هكذا في "شرق المتوسط" كتب عبد الرحمن المنيف حكاية القمع في سجون العرب: "حلمت أول أمس أنك خرجت من السجن، لم تخرج ماشيا، خرجت على نقالة إسعاف، تصور يا أخي أني لم أستطع ان أذوق طعاما منذ أول أمس، وطول الوقت أبكي، وقد غضب حامد ووجه لي كلمات قاسية." شتات الرواية العربية الفعلي حين لا تكون نفيا حضاريا للمنفى القهري، وتظل مطاردة بفكرتها وموضوعها، ولا تستطيع حمل الأسئلة الجريئة المتعلقة بسؤال الحرية والوطن والنهضة، في التصدي للظلامية، ذاك الظلام الذي كتبه جبرا في روايته اليوميات ينتظر نقطة ضوء رغم الموت المؤجل : "هناك دائما موت مؤجل، وفي الظلام المستشري، تتعثر الذات في بحثها عن نقطه الضوء التي قد تؤشر إلى منفذ محتمل، حيث لا بشر، ولا أصوات سوى أصوات الزيزان في يوم حار، وربما صوت الريح الفجائيه في عشية بارد ." من المنفى إلى النفي، تلك هي دئراة الخطر في تدمير التاريخ كي نكون خارجه، نسف الذاكرة وإرجاعها إلى نقطة الصفر كأمة بلا ماض، ثم نفي العقل و لمصادرة الإرادة كلها بشواهدها المتنوعة مقدمات كي نخسر معنى فلسطين، هو قبول تاريخي طوعي للبشاعة على حساب الجمال الإنساني، ووثيقة تصادق على الكذب السياسي بدل الحقيقة التاريخية، ما قيمة الرواية مع احتلال اللغة واستباحة الشخصية ؟ وحين توضع حياتنا في قوالب الاستلاب والعجز والهوان وقبول الآخر، ونمضي بشكل مبرمج في استعارة مصطلحات الآخر وتعتبر أن الحلم مجرد وهم وأن فلسطين ليست شأنا عربيا، وزوال الكيان من سابع المستحيلات هذا إن ظل يعتبرعدوا. نحن نعرف أن فلسطين الحق تحضر اليوم بصفتها الحقيقية كذلك، كحصيلة التاريخ الدرامي للقضية الفلسطينية، هي دعوة جبرا ابراهيم جبرا إلى سراب، حتى لا تأكلها الغربة، ولتظل متمسكة بسؤال ما معنى أن تكون، كقضية وهوية، لأنه الرهان الأول والأخير"..... وتحشو عبها بأشعة شمس لم يخلق الله مثلها إلا على جبل المكبر، وهزت رأسها بعد أن حلت عنه المنديل المبلل، لتطلق شعرها وترسله على طوله حول وجهها وكتفيها، وقالت : " ولكن كلامي، لهجتي فلسطينيتي ..." فلتكوني فلسطينية، فلتكوني صخرةً من القدس، ولتكوني زيتونة من نابلس، ولكنك تبقين أنت سراب عفان. أفهمت؟" أما تجديد المنفى يمر في زمن العجز العربي يعيد إنتاج الشتات بحرا وجوا وبرا، ويهبط بمنسوب خطاب الهوية لدى الفلسطينيين في مخيمات اللجوء، الغائب هو انتلجنسيا الدياسبورا الفلسطينية. في زمن تتنكر فيها الرواية للراوي واختراق المؤلف حدود النص وعُزل عن بيئته وحاضنته، محلقاً في قضايا تلح عليها صناديق الدول المانحة، في سبيل فصل القارئ أيضا عن قضيته المتعبة والمملة والخاسرة "كي يكون مبدعا حرا "، وبقدر ما يغرق في الصمت ويلهث وراء الهامش "الايروتيكي" الملتبس حياءً ولغة كي يكون إبداع الكاتب جريئا يناسب جائزة أو منحة دولية. حين يسعى الخطاب الروائي في توصيف البؤس وتجهيل الفاعل السياسي فهو يسهم بوعي او بدونه الى حصار الكائن العادي خلف جدار السلبية وداخل بؤرة مخيفة وليصير رقما في معادلة رياضية أمنية، والأسوأ المبالغة المقصودة في تصوير الخطأ والبحث عن الآفات والأوبئة الاجتماعية في "حي التنك" ويذكر القارئ مرارا ولغاية غير بريئة في الكاتب ذاته ،أن هذا المكان خارج عن القانون، بهدف تعميم ثقافة كراهية وإنتاج بيئة سلبية نابذة لوجوده، تختلط فيه شخصية الضحية بالقاتل، والبريء بالمجرم، والمطالب بالعدالة إلى هارب من وجه العدالة، زمن تطل من خلاله معادلة الهوية السلبية والمضادة حين تعلن فيها نهاية قصة "أم سعد" وبداية قصص "الجندرة ". ذاك الفارق النوعي بين حكايتين بين الذاكرة والنسيان، بين الحق والباطل، بين المقاومة والاستلاب، وبين البطل و الشاطر. حكاية البطل أنه أيام الثورة الكبرى كان يبيع أساور نعيمة ليحمي ضفائرها، أمّا في حكاية الشاطر صارت تباع نعيمة من أجل أساورها.
