في كل مكان تلتفت إليه ترى الجدران في مدينة غزة يغطيها طلاء وشعارات ملونة بألوان زاهية، وصور لشخصيات سياسية كان لها بالغ الأثر في مسار القضية الفلسطينية، وآخري تعبر عن أحداث هامة عايشها الغزيين في حقب مختلفة.
الكتابة على الجدران بالنسبة للشباب في القطاع، هذا الشريط الضيق الصغير على البحر والمحاصر من إسرائيل والمحمل بـ 1.8 مليون شخص، هو أداة مهمة للتعبير عن الذات حتى في المناسبات الاجتماعية للفلسطينيين.
كثيرون من المواطنين يشعرون بانعدام الأمل بسبب الخناق الإسرائيلي المتزايد لهذا الشريط الواقع بين مصر وإسرائيل والمطل على البحر الأبيض المتوسط، والذي لا تتجاوز مساحته 360 كم2، فهم في حيرة مستمرة وأسئلتهم دائماً ما تحمل استفسارات عن المجهول.
في جنوب القطاع بالقرب من الحدود المصرية حيث البوابة التي باتت مغلقة باستمرار "معبر رفح البري"، خط على الجدران شعارات تطالب بفتح المعبر لأن الوضع الإنساني بات صعب جداً.
يوجد إحساس سائد بين المواطنين بالإحباط في ظل صراع لا ينتهي مع إسرائيل، يرافقه جنازات لا تنقطع منذ أكثر من 67 عاماً منذ حدوث الاحتلال، وحروب متتالية وتدمير مستمر.
قطاع غزة، دفع ثمن باهظ في السنوات السبع الماضية، ثلاث حروب متتالية راح ضحيتها ما يقارب (4000) شهيد، وآلاف الجرحى ودمار هائل متراكم، وحتى الآن لم يتغير شيء.
كل هذا الإذلال والقهر المتراكم منذ احتلال فلسطين، يعبر عنه برسومات وشعارات على الجدران في كل المناطق وحتى في الأزقة، كداخل مخيم الشاطئ للاجئين الفلسطينيين، حيث جدارية "عائدون" وفي مخيم جباليا للاجئين جدارية عن "الثورة الفلسطينية" وأخرى عن "المقاومة وصمودها " وأخرى عن "الحرية" وليس ببعيد عنها شعارات على الجدران تنعي احد الشهداء.
يقول الشاب محمود لبد، وهو ملتح عمره 26 عاما، معلقاً على الجداريات المنتشرة في كل المناطق "ما يريده الشعب من كل هذه الجداريات هو إنهاء الاحتلال، فهي تعبر عن تطلعات شعبنا وتضحياته المستمرة".
ويضيف في حديث لـ "وكالة قدس نت للأنباء"، "الرسم على الجدران ثقافة متعارف عليها ببين الفلسطينيين، حتى في المناسبات تجد الناس تهنئ بعضها بالخط على الجدران".
يظهر في شوارع المدينة جداريات بكثرة للرئيس الراحل ياسر عرفات (أبو عمار)، لكن تلك الجدارية التي رسمت على حائط ضخم بالقرب من جامعة الأزهر بغزة، جمعت بين الزعيمين الفلسطينيان "ياسر عرفات " مؤسس حركة فتح و"أحمد ياسين" مؤسس حركة حماس.
على اختلاف نهج الحركتين في العمل الفلسطيني، إلا أن أنصار كل فريق منهما يكنون إلى هذين الزعيمان الاحترام والتقدير، لأنهم أرباب الوحدة الوطنية ففي عهدهما على اقل تقدير لم يكن انقسام داخلي كالذي حدث مطلع 2007م.
ليس ببعيد عن هذا المكان، رسم فنان آخر، صورة "M75"، صاروخ مصنوع بغزة لكتائب القسام، يبلغ مداه حوالي 75 كيلومتر أطلق من القطاع إلى تل أبيب خلال الحرب الأخيرة التي استمرت (51) يوما.
استخدام رذاذ الطلاء كأداة سياسية ليست جديدة في غزة، ويقول المواطن فايز المدهون (40) عاماً في حديث لـ "وكالة قدس نت للأنباء"، "الكتابة على الجدران هو شكل من أشكال الفن الذي لا يكلف كثيرا، ويتيح لك الوصول إلى الناس بسهولة".
منذ عام 1987، عندما بدأت الانتفاضة الفلسطينية الأولى، كان يخط على الجدران تفاصيل المظاهرات والاحتجاجات ضد الاحتلال، وأخرى كتابات تدعو إلى الإضراب، كان القطاع يخضع بشكل كامل للاحتلال، قبل ان تنفذ الحكومة الإسرائيلية برئاسة أرئيل شارون خطة فك الارتباط (الانسحاب من جانب واحد من القطاع) 2005م.
دائما وباستمرار يكتب الفلسطينيين على الجدران دون انقطاع، ربما تبقى تلك الكتابات والرسومات برهة أو فترة من الزمن ثم تمحى إما بفعل عوامل التعرية أو بفعل مواطن آخر جاء يخط جدارية جديدة أو يريد مشاهدة حائط منزله بدون رذاذ طلاء.
