عقيدة آيزنكوت العسكرية: أعطونا وقتاً

اختلفت الآراء داخل الدولة العبرية حول معنى نشر "استراتيجية الجيش الإسرائيلي" في هذا الوقت بالذات. وفيما اعتبر البعض أن نشر هذه الوثيقة يشكل نوعاً من الإعلان السياسي من جانب الجيش للجمهور والحلبة السياسية على حد سواء تبين موقع الجيش والقيود المفروضة عليه رأى آخرون أن الوثيقة ما كانت لتنشر من دون موافقة سياسية. ومع ذلك رأى البعض أن ليس من مهمة الجيش الإسرائيلي صياغة نظرية أمنية واستراتيجية عمل لأن هذا أصلاً من واجب القيادة السياسية التي تخلت عن دورها. ولاحظ كثيرون أن نشر الوثيقة جاء في ظل الصراع داخل الجيش وخارجه على تنفيذ توصيات تقرير لوكر. كما أن الوثيقة جاءت في ظل خلاف حول ميزانية الدفاع وبعد امتناع وزير الجيش الجنرال موشي يعلون عن التصويت على الميزانية العامة في الحكومة. وهناك اعتقاد بأن تقرير لوكر يمثل رأي رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو الذي يعيش تحت ضغوط مختلفة من جانب اللوبي العسكري واللوبي الاجتماعي في الحلبة الإسرائيلية.

ولكن أياً يكن الحال فإن أغلب المعلقين السياسيين والعسكريين في إسرائيل رأوا في نشر الوثيقة لأول مرة في تاريخ إسرائيل عملاً جريئاً من جانب كل من رئيس الأركان ووزير الجيش. وركز هؤلاء على ما يميز الوثيقة الجديدة عما هو معروف حتى اليوم عن نظرية الأمن القومي التي كان أول رئيس حكومة لإسرائيل، دافيد بن غوريون، واضعها وعن نظريات القتال الإسرائيلية التي كثيراً ما وردت في ثنايا مذكرات القادة العسكريين. وكانت أول ملاحظة لدى المراقبين على الوثيقة أنها تحتوي ولأول مرة على مبدأ الدفاع إلى جانب المبادئ الرئيسية التي كانت قائمة أصلاً والتي تتلخّص في الردع والإنذار والحسم.

بديهي أن إدراج مقوّم الدفاع جاء ليعبر عن تطور المفاهيم الأمنية الإسرائيلية في ظل اختلاف الظروف. فنظرية الأمن القومي الإسرائيلية الأصلية كانت تقوم على مبادئ الهجوم والحرب الوقائية انطلاقاً من أن ظروف إسرائيل لا تسمح لها بالاعتماد على مبدأ الدفاع. وتقريباً تعدلت نظرية الأمن هذه بعد احتلال إسرائيل لكل أرض فلسطين وشبه جزيرة سيناء والجولان السوري. حينها صارت القيادة العسكرية الإسرائيلية تأخذ عملياً بمنطق الدفاع خصوصاً في سيناء حيث بُني خط بارليف. بعد ذلك ترسّخت نظرية الدفاع بإقدام إسرائيل على إنشاء السياج الحدودي الأمني والذي يسمح لإسرائيل بهامش إنذار. ولكن مع مرور الوقت وبعد تطوير منظومات الدفاع ضد الصواريخ من حيتس إلى القبة الحديدية ثم إلى منظومات الدفاع الفعّال في المدرعات والآليات، صار الدفاع مبدأ معترفاً به.
لكن إقرار وترسيخ هذا المبدأ ما كان ليحدث لولا تغييرات جوهرية في الواقع الإقليمي: اتفاقيات سلام مع دول عربية عدة وتفكّك الخطر التقليدي بانهيار بنية جيوش عربية هامة مثل الجيش العراقي وبعده الجيش السوري. وخلق هذا واقعاً استراتيجياً جديداً صار الخطر الأكبر على إسرائيل فيه يتلخص بعاملين مركزيين: الخطر النووي الإيراني وهو ما تسمّيه الوثيقة خطر دولة لا حدود مشتركة لها مع إسرائيل وخطر التنظيمات التي لم تتحول إلى دول ومنها حزب الله وحماس أساساً وبعد ذلك تنظيم داعش.

ويعتقد كثيرون في إسرائيل أن جانباً من دوافع نشر الوثيقة على الملأ هو إقناع الجمهور بأن هناك ثمناً لما ينتظره منه. وأن النتيجة تتحدّد أصلاً بما يتوفر له من موارد. وأن الجيش ليس من يقرر النتيجة وإنما القيادة السياسية. وفي هذا السياق أعاد توضيح مفهوم الانتصار الذي يفهمه الجيش بمعنى نسبي وتبعاً للأهداف التي تضعها القيادة السياسية للحرب.

وعلى صعيد بناء القوة تحاول الوثيقة التأكيد على تطلع الجيش للنجاعة من خلال تحديد المهمات والمناصب وعدم إبقاء أحد خارج هذه السياقات. وهناك تركيز واضح على القوات الخاصة والمناورة البرية والتفوق الجوي والبحري والاستخباري. وتركّز القوة العسكرية على السرعة والمرونة والاستعداد الكامل للعمل في كل الجبهات دفعة واحدة مع تأكيد أن المخاطر التقليدية تراجعت بشكل كبير.

وفي سياق آخر ورغم التأكيد على الجمع بين الدفاع والهجوم تركّز الوثيقة على وجوب أن يسمح "بناء القوة بضربة نار عظيمة الحجم ودقيقة في زمن قصير قدر الإمكان وفي نطاق أهداف واسع". وتشرح بشكل مفصل حجم الأهداف: "هدف بناء القوة في الساحة الشمالية – عشرات آلاف الأهداف: هدف بناء القوة في ساحة غزة – آلاف الأهداف".

ولاحظ مراقبون تقليل الوثيقة العلنية من الحديث عن الخطر النووي الإيراني وتركيزها على الخطرين الأساسيين: غزة ولبنان مع إشارة إلى أن ليس هدف إسرائيل احتلال أراضٍ ولا إسقاط أنظمة وإنما توفير أمن أكبر للإسرائيليين.

عموماً رأى المعلق العسكري لـ "يديعوت أحرونوت" أليكس فيشمان أن رئيس الأركان غادي آيزنكوت "فرض على الحكومة مفهوم الأمن كما يراه الجيش والمخاطر والردّ على المخاطر". وأشار إلى أن في الوثيقة فكراً عملياتياً على أساس فرص الهدوء التي تسمح بإعادة بناء الجيش. وحسب رأيه فإن "الجيش السوري لا يشكل تهديداً في السنوات الـ 5 – 10 التالية، يوجد تعاون استراتيجي مع الاردن ومصر، حماس قد تهاجم في كل لحظة ولكنها توحي برغبتها في التهدئة، تعالوا نستغل الوقت لبناء الجيش – ولا سيما الجيش البري – بشكل مرتّب. نافذة الفرص هذه تسمح للجيش بأخذ مخاطر محسوبة حتى في الانتقال بين وسائل القتال من جيل واحد الى جيل آخر".

المصدر: القدس المحتلة - وكالة قدس نت للأنباء -