للفلسطينيين أيضاً يوجد حقل غاز. صحيح انه ليس بحجم الحقل العملاق الذي اكتشف قبالة سواحل مصر، ولا حتى بحجم حقول الغاز التابعة لإسرائيل؛ لكن من ناحية الاقتصاد الفلسطيني الصغير والمتجمد، فإن استغلال الغاز الموجود قبالة سواحل غزة قد يعطي الاقتصاد الفلسطيني دفعة قوية.
هنالك بئران تبعدان نحو 30 كيلومتراً عن سواحل غزة وقد بدأ تطويرهما في عام 1999 بموافقة من حكومة ايهود باراك للسلطة الفلسطينية برئاسة ياسر عرفات آنذاك.
الأجواء السياسية بين إسرائيل والسلطة الفلسطينية في تلك الفترة كانت مريحة وتسمح بتطوير مشاريع اقتصادية. في تلك الفترة، اكتشف حقل غاز بالقرب من إسرائيل، مقابل سواحل مدينة أشكلون (اسم الحقل كان "بحر تاطيس" أو "ماري بي")، والترخيص للتنقيب في الحقل في غزة منحه ياسر عرفات لشركة "بريتيش غاز". بعد مرور عام (في خريف 2000)، اكتشف حقل غاز بمناطق سميت "مارين 1" و "مارين 2" قبال شاطئ غزة.
في تلك الفترة، أبحر عرفات مع مجموعة من رجال الأعمال من رام الله الى موقع التنقيب، وبمراسم احتفالية أشعل عرفات شعلة نار من أنبوب التنقيب. شركة "بريتيش غاز" أدخلت صندوق الاستثمارات التابع للسلطة الفلسطينية كشريك في المشروع، بالإضافة الى شركة مقاولة خاصة ذات ملكية فلسطينية ويونانية. على ضوء هذا الأمر بدء أيضاً العمل على انشاء محطة طاقة في قطاع غزة وتم التخطيط لإقامة محطتين في الضفة الغربية. كل ذلك على اعتبار أن الغاز من غزة سيستخدم لتوليد الكهرباء وسيخفف التعلق الفلسطيني بالكهرباء الإسرائيلي.
لكن في أيام الكشف عن الغاز تلك بالضبط (أيلول أكتوبر 2000) تغيرت الاجواء السياسية في البلاد. قبلها بعدة أشهر، في تموز/يوليو من عام 2000، فشلت محادثات قمة "كامب ديفيد" بين ايهود براك وياسر عرفات بمشاركة الرئيس الأمريكي بيل كلينتون. وتدهورت الأحوال في البلاد الى مواجهات وأعمال عنف وسكب دماء في الانتفاضة الثانية.
على خلفية الصراع الدامي والعمليات الانتحارية، لم يتطرق أي شخص لإمكانية تطوير حقل الغاز الفلسطيني في غزة. في إسرائيل في المقابل، تم في عام 2004 الانتهاء من تطوير حقل الغاز قبالة سواحل اشكلون (عسقلان) والغاز الذي استخرج منه استخدمته شركة الكهرباء الإسرائيلية الى ان نضب الحقل بعد 8 سنوات.
حقل الغاز الإسرائيلي "بحر تاطيس"، و"مارين" الفلسطيني صغار نسبياً وفيهم نحو 30 مليار متر مكعب من الغاز وهو –من أجل المقارنة - نحو 10% من حجم كمية الغاز في حقل "تمار" الإسرائيلي الذي تم اكتشافه قبالة سواحل حيفا بعد فترة، ونحو 5% من حجم الغاز الموجود في حقل "ليفيتان"؛ وفقط 3% من حجم الغاز الموجود في الحقل الذي اكتشف مؤخراً قبالة سواحل مصر. لكن يجب عدم الاستهتار بالحقول الصغيرة. كل واحد منها يمكنه ان يوفر حاجيات الغاز لدولة إسرائيل لمدة 3-4 سنوات.
في عام 2005، حدث تطور هام في هذا المجال. حكومة اريئيل شارون التي حلت مكان حكومة ايهود باراك قررت، بعد جدل طويل، شراء الغاز الطبيعي من مصر – وليس من الفلسطينيين. وذلك على ضوء الانتفاضة الثانية وخشية شارون من ان المدخول من الغاز سيستخدمه الفلسطينيون "لتمويل الإرهاب" ولذا فضّل المصريين.
حقل الغاز في غزة لم يتطور. مالكوه، وعلى رأسهم شركة "بريتيش غاز"، لم يعثروا على زبائن لشراء الغاز المستخرج منه. غزة تعتبر سوق صغيرة ولا يصح اقتصادياً الاستثمار بهذا الحقل أكثر من مليار دولار من أجل تطويره فقط لتلبية حاجة القطاع الضئيلة. إسرائيل لم ترد شراء الغاز من غزة، المصريون لم يكونوا بحاجة له، والقيود الأمنية والسياسية من جانب إسرائيل لم تسمح بنقل الغاز الى الضفة الغربية والأردن.
بعد عدة سنوات، في عام 2011، بدت بوادر أزمة حادة في سوق الطاقة الإسرائيلي. حقل "بحر تاطيس" نضب تقريباً، وانبوب الغاز من مصر الى إسرائيل تعرض لعدة تفجيرات متتالية قرب مدينة العريش في شبه جزيرة سيناء. وبقيت إسرائيل من دون غاز. شركة الكهرباء الإسرائيلية اضطرت للعودة الى مصادر الطاقة التقليدية، الوقود والفحم؛ التلوث الجوي ازداد، وسعر الكهرباء ارتفع ايضاً.
شركة "بريتيش غاز" وشركاؤها في الحقل الفلسطيني خسروا اموالا طائلة. على مر السنوات – وحتى اليوم في الواقع- يحاولون التفاوض مع الحكومة الإسرائيلية حول شراء الغاز، أو حتى بيع ترخيص التنقيب.
الأمر الذي أفشل تطوير حقل الغاز الفلسطيني هو الوضع السياسي في غزة. في عام 2006، فازت حركة حماس في الانتخابات البرلمانية الفلسطينية وبعدها في عام 2007، سيطرت حكومة حماس على قطاع غزة. هذا أفشل في الواقع كل فرصة لأن تسمح إسرائيل بتطوير حقل الغاز في غزة الذي قد يدخل أموالاً طائلة لحكومة حماس ولأنشطة الصواريخ.
حقيقة انه تم اكتشاف حقول غاز كبيرة في إسرائيل على مر السنين، والان في مصر، خفضت الى حد كبير إمكانيات حقل الغاز الفلسطيني الصغير، لا أحد بحاجة الى الغاز الفلسطيني. لكن ما زالت هنالك فرصة معينة. في حال سمحت إسرائيل بتطوير حقل الغاز "مارين" في غزة، ونقله بواسطة انابيب الى الضفة الغربية، ومن ثم الى الأردن – سيشكل ذلك دفعة كبيرة للاقتصاد الفلسطيني. فالحديث يدور عن طاقة رخيصة لمحطة الكهرباء في غزة، في الضفة والأردن.
الحديث يدور عن تطوير مصانع، ومدخول يقارب الثلاثة مليار دولار سنوياً للحكومة الفلسطينية نتيجة ضرائب حقل فلسطيني صغير الذي قد يصلح لمدة 10-15 سنة قد يحدث ثورة دراماتيكية في الاقتصاد الفلسطيني.
المطلوب هو طبعاً أحوال سياسية ملائمة وهي، للأسف، غير متوفرة طالماً بقيت حركة حماس تسيطر على قطاع غزة والعملية السياسية بين إسرائيل والسلطة الفلسطينية قابعة في طريق مسدود.
الكاتب: داني روبنشتاين هو محاضر في القضايا العربية في جامعة بن غوريون والجامعة العبرية، وهو كاتب حول الشؤون الاقتصادية الفلسطينية في المجلة الاقتصادية "كالكاليست".
