" مستعد لاطلاق مفاوضات سلام مباشرة مع الرئيس محمود عباس فورا" ودون شروط مسبقة " هذا ما جاء به ونقله وزير خارجية الولايات المتحدة جون كيري ؛ على لسان رئيس الوزراء الاسرائيلي بنيامين نتنياهو ؛ ولذلك هو يعقد الآمال على امكانية في تحريك مفاوضات السلام بين الجانبين الاسرائيلي والفلسطيني ؛ رغم استدراك نتنياهو بالقول" شرط اعتراف فلسطيني باسرائيل دولة يهودية " .
جون كيري لم تلن له قناة ؛ ولم تنل منه مرارة الفشل الدبلوماسي اثناء مساعيه في التقريب بين موقفي الجانبين الاسرائيلي والفلسطيني ؛ اتجاه الحلول المطروحة ؛ ودون نتيجة ؛ جرّاء تعنت الموقف الاسرائيلي ؛ وبالذات من تجميد او وقف او ازالة المستوطنات الاسرائيلية الجاثمة فوق اراضي الضفة الغربية .
الربط بين قاعدة دون شروط وشرط " دولة يهودية " ؛لا يحتاج الى ادنى جهد ؛ حتى يظهر مدى استخفاف القيادة الاسرائيلية بعقول هواة السياسة او دهاة الدبلوماسية ، الّا ان كيري لا يرى في ذلك أحباطا" جديدا" لمساعيه ، بل تشكّل املا" بوجود سبيل لاحراز تقدم ، لا ينبغي تضييع فرصة يبحث عنها ؛ حتى لا تنسيه بتاتا" تلك المسألة .
الدبلوماسية بلا حدود عند كيري لا شك انها تدّخر في جعبتها ؛ كيف أن رئيس الوزراء الاسرائيلي يخوض غمار حرب معلنة في عدة جبهات سياسية وامنية وعسكرية . . .ابتداء" من مواجهة أطفال الحجارة والزجاجات الحارقة في القدس ؛ مرورا" بالمطاردة الساخنة للمقاومين وهدم البيوت على شبهة وجود مطلوبين في مخيم جنين ؛ وانتهاء" بمواجهة رئيس الولايات المتحدة الامريكية أوباما .
نتنياهو يعلم علم اليقين الحقائق التالية :
أن معاركه المتدحرجة لم تحقق له امل القدرة على مواجهة العالم كله ، ويدرك كذلك ان عناصر قوة المناورة المتوفرة بين يديه قد تراجعت بشكل ملحوظ ؛ وباتت محدودة ، يعلم ان اوباما قد حصل على دعم كاف في مجلس الشيوخ للاتفاق النووي مع ايران ؛ وهذا ما كان يراهن نتنياهو على افشاله ؛ رغم التحريض المتواصل للنيل من اصرار اوباما على انجاز ملف الاتفاق ، ورغم مخاطرته بتجنيد اللوبي اليهودي في امريكا للصراع ضد رئيسهم .
الصراع العربي الاسرائيلي مكبّل اليدين وتحت السيطرة ، والاحتراب المفتعل في الساحة العربية في حركة وتفاعل لا يستقرّ كما لم تستقر حالة التستّر على فساد الفئة الحاكمة والرضوخ الشعبي لها ، اضف الى ذلك المواجهة الشرسة بين الفئات الطائفية والمذهبية على الساحة الاسلامية التي لم تستبعد الحضورالاسرائيلي واثره على المشهد الكارثي المتصاعد .
الانتفاضة الفلسطينية الصامتة في القدس وغيرها من المواقع ، هي عنصر مهم من عناصر الاشتعال المتوقّد في الساحتين العربية والاسلامية ؛ وهي صورة من صور الرفض الفلسطيني للاحتلال الاسرائيلي ؛ ببعديه القومي و الديني ؛ منذ تسبب الاحتلال بتشريد الفلسطينيين من بيوتهم في فلسطين وهو سبب بالآثار المترتبة على ذلك . لم يستطع نتنياهو ولا القيادات السابقة من اطفاء حرائق الرفض والغضب الفلسطيني ؛ رغم استنساخ المتعاونين معه في السرّاء والضرّاء في الليل والنهار .
الثورة الشعبية تتشكّل بين صمت المقهورين المتيقّظ وتمرّد اطفال الحجارة وجرأة أطفال الزجاجات الحارقة وعنفوان اطفال الآر بي جي واقدام الشبّان في المواجهات المسلحة ، علاوة على تسخير كل الطاقات السياسية والاعلامية والاقتصادية .
ربما يحاول اطفاء نار المقاومة من خلال حشرها في مرجل يغلي والسيطرة عليها ؛ لكنه على يقين ان قدرته على السيطرة تبقى محدودة ؛ بمحدودية دعم المقاومة من الرموز المتسلطة عليها ؛ وتبقى قابلية الانفجار واردة .
حماس التنظيم الفلسطيني الاسلامي الوسطي ؛ خاضت حروبا" شرسة في مواجهة الآلة العسكرية الاسرائيلية ؛ ونتنياهو رغم محاولاته المستميتة لافشال الاتفاق النووي مع ايران ؛ الا انه يحاول استراق السمع ؛ على مداولات فريق اوباما ؛ حول تجربة تكبيل الأيادي الايرانية واستدراجها حتى وقعت على الاتفاق .
أخذته العزة بالاثم ؛ يحاول مغازلة حماس اللدودة ؛ لاستدراجها الى شرك التوقيع على اتفاق هدنة طويلة الامد ؛ في الوقت الذي يتحسّب الى نسيج التفاهمات الحمساوية والاستدراكات التي تنسجها على صفيح ساخن بين انقاض البيوت المهدمة وعلى فوهة بركان المدفعية الاسرائيلة المدمرة .
استحدث نتنياهو بابا" للمفاوضات مع ابو مازن ؛ ليس كمثله باب ؛ ألا وانه اسرائيل " دولة يهودية " كشرط لا يعني بتاتا" نسف شرط آخر " اسئناف المفاوضات بلا شروط |" يعني ذلك أن الشروط مباحة له ؛ محظورة على رجل سلميته لا متناهية ومحررة من كل قيد ؛ وتغلق الأبواب كلها في وجهه حين يطالب بتطبيق قرار اممي ، علمانيته غير مقبولة ، ووسطية حماس الاسلامية مرفوضة ، اعتقادي ان رئيس الوزراء الاسرائيلي لا يبحث الا عن ساحة حرب دينية مذهبية ؛ الانتصارات فيها تختلف عن الانتصارات الاسرائيلية في نكبة عام ألف وتسعمئة وثمانية واربعين وعن انتصارات النكسة عام ألف وتسعمئة وسبعة وستين ؛ له ان يفتش عن انتصار في حرب يخوضها مع رجال اولي بأس شديد .
وله كذلك أن يتذكر لقاءه ؛ حين كان رئيسا" للوزراء مع بيل كلينتون أثناء رئاسته في البيت الابيض ، وكانت النتيجة ان كلينتون أبدى تعجبه ولم يجد فيه شخصا" قابلا" للتفاوض وغير راغب في السلام ومبالغ في ثقته بنفسه ، بل وقال لاحد اصدقائه في اسرائيل : أنه خرج من اجتماعه مع نتنياهو غير متاكّد " من منهما بالضبط هو زعيم القوة الاكبر في العالم " .
...........................................................................................
بقلم : بديع عويس
