في فلسطين . . . بالنزف تداوى الجراح

بقلم: بديع عويس

الضفة الغربية لنهر الأردن ؛ رقعة مزّقها الاحتلال الاسرائيلي ؛ كما مزّق ما تبقى من اديم الأرض الفلسطينية ، يعيش فوق ثراها ما يزيد على مليونين ونصف المليون من الفلسطينيين ، المشردون من بينهم يشكلون نسبة 39 % ؛ أرضهم استولت عليها اسرائيل عام 1948وأقامت فوقها دولة تفاخر بها أمريكا ؛ الدولة الاعظم في العالم .
يطيب للصحافة الاسرائيلية ان تسمي الفلسطينيين في الضفة الغربية لنهر الأردن بقاطني الضفة الغربية او بسكان يهودا والسامرة ؛ لتحيد بالتسمية عن حقيقة كونهم مواطنين وأنهم اصحاب الأرض المسلوبة مرتين ؛ ومرات في هزات امنية ارتدادية .
أثبتت الوقائع ان الفلسطينيين في الضفة الغربية ؛ ليسوا معزولين عن غيرهم من الفلسطينيين ؛ في الأراضي المحتلة عام 1948 أو في قطاع غزة او في بقاع البلدان العربية او الأجنبية ؛ ولذلك تبدو عليهم علامات التاثر المختزن في مشاعرهم ؛ حين يتعرض الفلسطينيون - أينما تواجدوا – الى النيل من كرامتهم الانسانية بالاهانة ، أو الاعتداء على اعراضهم ، أو استهداف حياتهم بالقتل ؛ رميا" بالرصاص أو بالتجويع ، أو بهدم البيوت على من فيها .
يتجرّعون الم الشعور بالظلم والهوان ؛ حتى يطفح الكيل ؛ يتبارى الاطفال والشيوخ والنساء قبل الشبان والشابات ؛ لردّ الاهانةبالاهانة ، واللطمة باللطمة والرصاصة بالسكين والقنبلة بأجساد تتحوّل الى بركان متفجّر ؛ في أي موقع يقتضي الردّ والمواجهة ؛ يتشكل بصور متعددة في مقاومة المستكبرين على آلام تشردهم وقلة حيلتهم ؛ فكيف بهم اذا حوصروا في عقر دارهم ؟ وبشتى أصناف القهر والاستخفاف برايات السلام المرفوعة ، والعزوف تماما" عن اية مقاومة ؛ محددة الاهداف ؛ واثقة الخطوات ؛ ومتوفر لها الامن والامان من اختراقات الاعداء وادعياء الوفاء ؟ .
عندئذ تشتعل الاحداث ؛ وتتعرّى آلة الاعلام الاسرائيلية ، وتبدو آلة البطش على حقيقتها ؛ خاصة عندما تتصاعد اقتحامات المستوطنين للمسجد الاقصى ؛ يرافقها ملاطفة الشرطة الاسرائيلية والجنود المدججين بالسلاح لفتيان المستوطنين وتوفير الحماية للحاقدين من كهولهم ووزرائهم ؛ في حالة اندفاعهم المرعوب للاعتداء على نساء مسلمات في اروقة المسجد ؛ وعلى شيوخ وشبان مسلمين ؛ يرابطون في المسجد الاقصى لحمايته من العابثين بقداسته .
من اجل توفير الامن والملاطفة للمستوطنين ؛ يتداعى كل من رئيس الوزراء ووزير الدفاع ووزير الامن الداخلي ورئيس الاركان والمفتش العام للشرطة ؛ الى المؤتمر الصحفي ؛ ليطلّ نتنياهو على الاسرائيليين بخطاب قصير ؛ تدور في فلك لغته مفردات وعبارات : الكمائن ،و المستعربين ، والاعتقالات ، ومداهمة الأحياء في شرقي القدس ، وهدم المنازل ، والأمر بفتح النار ، وباقي الاجراءات التي يقوم بها الجيش والشرطة ، اما بارقة الامل في خطابه ؛ فتمثلت بقوله : ( لا حاجة الى شرارات تشعل الحرم ) ؛ اذا قورنت بواقع الحال فهي لا تعدو عن كونها سحابة صيف ؛ سرعان ما انقشعت .
ربما لم تكن هذه اللغة مستحدثة على الاجراءات الاسرائيلية في مواجهة الاحداث ؛ في جولات سابقة ؛ الاجراءات لم تتغير ؛ بل استخدمت في مواجهة التظاهرات الاعلامية او التظاهرات الجماهيرية السلمية او القاء الحجارة والزجاجات الحارقة والاكواع والرصاص والعبوات الناسفة والسيارات المفخخة .
خطابات التهديد والوعيد ؛ تضاف الى سلسلة الاجراءات الاسرائيلية في المواجهة ؛ في محاولة لتحقيق هدف السيطرة على ارض الاجداد ؛ فيتبعها استئناف آلات القمع في بطشها ، وتتوقف جوقة السلام المنشود عن العزف المملّ ، وتعود مصطلحات التخريب والارهاب من جهة ؛ ومن جهة اخرى يعود مصطلح العداء العالمي لحمامات السلام المتوحشة .
في اجواء السادية التي يمارسها الجيش الذي لا يقهر؛ في التشفي او التلذّذ او الاستقراء لحالة الفتى الذي كان هدفا" لرصاصهم الاعمى ؛ وأصابوه بجراح بليغة ؛ حالت دون قدرته على النهوض والهرب والتوجه الى سيارة اسعاف كانت قريبة منه ؛ وتركوه ينزف رعاف د مه الزكي ؛ يحاول النهوض مرات ومرات ؛ يتوجّع يستصرخ المتحلقين حوله من الجنود ورجال الاسعاف والمارة ؛ والجيش والشرطة الاسرائيلية يمنعون اي شخص من الوصول اليه لاسعافه . المشهد الحي يوثقه شريط فيديو ؛ وتسدل الستارة ويترك الفتى على هذا النحو . . الى تحقيق أهدا ف هستيرية ؛ لا تقود الا الى اللحاق بركب الحروب الطائفية المسعورة في منطقة الشرق الاوسط .
نتنياهو متى يلقي السمع الى صديقه اللدود ؛ وزير الخارجية الامريكي ؛ الذي حذره من انتفاضة ثالثة ؛ ثم يتوصل الى ترجمة قوله : بانه لا يهدد اسرائيل ؟ هل يستطيع التأمل بما قاله اسحق هرتسوغ وتسيفي ليفني : يحذران من الانفجار ؛ ثم يدرك انهما لم يقصدا احضار داعش الى القدس ؟ متى سيصغي الى رسالة الاجهزة الامنية الاسرائيلية للجيش و( الشاباك ) ؛ التي اعتبرت أن الرئيس الفلسطيني محمود عباس ؛ هو جزء من حل الأزمة الحالية ؛ وليس جزء" من المشكلة ؟
هل كان يقصد بقوله : (لا حاجة الى شرارات تشعل الحرم ) أنه يدرك ضرورة البدء في خطوات جادة الى نزع فتيل التوتر بين الاسرائيليين والفلسطينيين ؟ أم أن قوله كان مجرد خدعة اعلامية ؟ لا تبعده لحظة عن وزير الزراعة المتطرف اوري ارئيل ؛ الذي يجلس في حكومته للمرة الثانية ؛ والذي كان سببا" في شرارة من شرارات اشعال الحرم ؛ عندما اقتحم المسجد الأقصى ؛ تحت حراسة أمنية مشددة ؛ والمصلون المسلمون يتصدون له بالتكبير ؛ والتكبير فقط ؟
بالتاكيد لم يبتعد عن أوري ارئيل ؛ كم أنه لم يبتعد عن القياديين في الجيش الاسرئيلي ؛ الذين اعتقدوا أن القبة الحديدية ؛ التي وفرت للاسرائيليين الحماية المطلقة من صواريخ المقاومة الفلسطينية ؛ في غزة هي قادرة على توفير الامن لقلب تل أبيب والعفولة ؛ من الآلات الحادة ؛ التي أقبل على استخدامها القلة من الفلسطينيين ؛ مكرهين للرد على استفزازات المستوطنين وأفراد الجيش والشرطة ؛ واهاناتهم غير المبررة ؛واستقوائهم على صمت المصلين في ساحات الأقصى ؛ أمام الاعتداءات المتكررة في أجواء خدعة السلام المنشود والمفاوضات المتعثرة والمستعصية على رؤية النور ؛ رغم العمليات القيصرية المتعددة .
الكثير من المصلين مكرهون لاطلاق العنان لحناجرهم ؛ لتهتف بقول : ( الله اكبر ) ، واعلاء اصواتهم بقول : ( الله اكبر ) ، والكثير الكثير صامتون ؛ ربما تجرفهم امواج انتفاضة ثالثة ؛ قد يقودها شهيد مضرّج بدمائه ؛ يضخ دمه الثائر في عروق الآلاف من الشبان الرابضين بين جدران القهر والضياع وفقدان الامل ؛ وينهي موجة الذعر الاسرائيلي وسادية حملة البنادق المتعطشين لدماء الابرياء .
خلايا التنظيمات الفلسطينية المتعددة ؛ نائمة ؛ عندما تصحو ؛ كانت ترهق الاسرائيليين ؛ في جولات نضالية متواترة ؛ يخبو فعلها المقاوم حينا"؛ ويشتعل أحيانا" اخرى ؛ رغم تعدد الاصابع المتضامنة في تصفية قياداتها وتحييد أمواج الفاعلين من أبنائها ؛ لكنها لاتعدم الامهات اللواتي ينجبن اجيالا" متعاقبة ؛ لا ترى نور الحياة الا والاحتلال جاثم على الصدور ؛ سبّاق لاعلاء أسوار المعتقلات للبشر والحجر والماء والهواء .
في عمر الفتوة ؛ كيف لهذه الأجيال أن تحسب حسابا" للموت ؟ أو تعتقد أن لجيوش السلاطين او لأمراء الحروب جهوزية ؛ لتداوي جراح المرابطين في بيت المقدس والمقاومين في اكناف بيت المقدس ؛ بالتأكيد ؛ وصلوا الى قناعة : انه بالنزف تداوى الجراح الناجمة عن رصاصات المطاط او المعدن ؛ وبالنار تشفى الحروق ؛ الناجمة عن القنابل الغازية المسيلة للدموع ؛ او السامة أو الحارقة .......................................................................................
بقلم : بديع عويس