ضحك ولعب وأفكار مبتكرة في غمرة المواجهة مع الاحتلال

لا يمكن إلا أن يوصف الفلسطينيون بأنهم شعب محب للحياة ما استطاعوا إليها سبيلا. وبدا هذا واضحاً جليا عبر تصرفاتهم وممارساتهم خلال المواجهات في الهبة الشعبية الحالية، مع جيش الاحتلال الإسرائيلي المدجج بالسلاح. وما يقال او يردد بأنهم يلقون بإنفسهم إلى التهلكة ويعرضونها للموت غير صحيح. وما يصدر عنهم من تصرفات خلال المواجهات يؤكد أنهم شعب يحب العيش ولكن بكرامة ومن دون احتلال.
من تحت أسفل البرج العسكري المقام في محيط مسجد بلال بن رباح على المدخل الشمالي لمدينة بيت لحم والمعروف إسرائيلياً باسم "قبر راحيل"، حيث يحتمي الصحافيون الفلسطينيون خلال تغطيتهم للمواجهات بين المنتفضين وقوات الاحتلال، رصدت صحيفة "القدس العربي" اللندنية الكثير من الممارسات خلال المواجهات في بيت لحم.
ومساء يوم الجمعة، وعندما هدأت المواجهات قليلاً ارتأى الشبان أخذ قسط من الراحة. لكن ذلك لا يعني الجلوس على الأرض أو مغادرة المكان، فوجدوا كرة قدم في المكان وبدأوا يعرضون مواهبهم في لعب الكرة وكأن شيئاً لا يحدث من حولهم. وعلت الصرخات لمن يريد ركل الكرة وكانت الضحكات تسمع من بعيد.
ومع عودة المواجهات التي شارك فيها قرابة المئة والخمسين فلسطينياً ومع تجدد إطلاق قنابل الغاز السام والمسيل للدموع باتجاه الشبان وجد أحدهم "دلواً" في المكان. وما أن وصلت قنبلة الغاز إلى الأرض حيث يقف حتى استخدم الدلو لتغطيتها وجلس عليه واضعا رجلا على رجله وكأنه في انتظار صورة تلتقط له وسط ضحكات وصرخات زملائه.
وفي منطقة البالوع شمال البيرة/ رام الله التي يوجد فيها قيادة الجيش الاحتلالي ومستوطنة، وتعتبر من المحاور الساخنة في الهبة الشعبية وتشهد مواجهات يومية بين الفلسطينيين وقوات الاحتلال، ظهرت الكثير من الابتكارات الفلسطينية خلال المواجهات مع جيش الاحتلال.ففي إحدى المرات وقبيل انطلاق المواجهات، وبينما يُجهز الشبان أنفسهم من حيث غطاء الرأس "اللثام" في إحدى زوايا المنطقة، فوجئوا بأن ذاك اليوم كان يوم ميلاد أحدهم، فارتأى أصدقاؤه أن لا يفوتوا فرصة الاحتفال به، فأحضروا "كعكة" جاهزة ووضعوا الشموع وغنوا له وهم ملثمون وتقاسموا الكعكة، قبل أن يأخذ كل منهم موقعه في ساحة المواجهة مع الاحتلال الإسرائيلي.
ويتفنن الشبان باستخدام المقاليع لقذف جنود الاحتلال خلال المواجهات، لكن أحد "الفنانين" في استخدامه اتضح أنه فنان في أمر آخر، فبينما كان يقوم بتجهيز مقلاعه ولفه أكثر من مرة في الهواء لقذف الحجر على جنود الاحتلال، ارتأى أن يمارس هوايته الرئيسية وهي "الدبكة" الفلسطينية ليظهر أنه يقاوم ويرقص في ذات الوقت حتى في أحلك ظروف المواجهة.
وبعيدا عن الفن، يذكر أن هذه الهبة تشهد حضورا كبيرا للشابات والنساء بشكل عام، مما يذكر بانتفاضة الحجارة الأولى لعام 1987، حيث كانت الفتاة الفلسطينية تتقدم الصفوف. وتتنوع مشاركة الفتيات في المساعدة في جلب الحجارة للشبان، ومنهن من يتفنن في استخدام "النقافة" لقذف "الجلول" أو الكرات الزجاجية على جنود الاحتلال الإسرائيلي خلال المواجهات أو استخدام المقلاع اليدوي لقذف الحجارة بعيداً.
كما برز مشهد آخر يؤكد أن الفلسطينيين على قلب رجل واحد. ولأن الشبان يقضون ساعات طويلة في مواجهة جيش الاحتلال، فقد ارتأت عدة مطاعم في مدينة رام الله أن تزودهم ببعض الوجبات الخفيفة والشراب ليواصلوا الصمود، في لفتة لاقت ترحيباً واسعاً في الشارع الفلسطيني.
ولم تختلف القدس المحتلة عن نظيراتها بيت لحم ورام الله رغم الألم الكبير الذي تعيشه المدينة في ظل الحصار العسكري غير المسبوق والإعدامات المتواصلة التي يمارسها المتطرفون اليهود وجيش الاحتلال بحق أبناء المدينة المقدسة. وتحت شعار "مش خايفين" وبرسم الابتسامات على الوجوه يمارس الفلسطينيون هناك الكثير من مشاهد التحدي في وجه آلة البطش الإسرائيلية. فقد اختارت مجموعة من أهالي القدس أسلوبا جديدا للتحدي وإثبات الوجود الفلسطيني الا وهو الجلوس على الدرج المؤدي إلى مدخل باب العامود أحد أشهر بوابات القدس العتيقة يشربون القهوة وهم يتبادلون أطراف الحديث والضحك بينما جنود الاحتلال يفحصون بطاقات هويتهم.
مجموعة أخرى من الأطفال المقدسيين وعندما وضعت قوات الاحتلال المكعبات الإسمنتية على الطرقات في الأحياء الفلسطينية من المدينة، قاموا بممارسة هوية القفز والجمباز على هذه المكعبات وسط حالة من الذهول أصابت جنود الاحتلال الذين تمركزوا بالقرب منها وكأنهم لا يفهمون طريقة حياة الفلسطينيين الذين يتعرضون لكل أشكال القمع والبطش ويواصلون حياتهم وكأن شيئاً لم يكن.

 

المصدر: فادي أبو سعدى -