انشغل المعلقون الإسرائيليون في مناقشة أسباب ما اعتبروه "غلطة" نتنياهو في نسبة فكرة إحراق اليهود إلى الزعيم الفلسطيني ومفتي القدس الحاج أمين الحسيني. وأعرب أكثرهم عن الاغتياظ من كلام نتنياهو لأنه برأ ساحة الزعيم النازي أدولف هتلر من فكرة إبادة اليهود وأظهره كمتجاوب مع أفكار الحاج الحسيني. ولم يخفِ معظم هؤلاء المعلّقين حزنهم على نتنياهو لأنه وقع في هذه الغلطة التي يراها البعض مجرد "حماسة" مفرطة لإثبات وجهة نظر هي في الأصل صحيحة.
قلة من المعلقين الإسرائيليين انطلق من محاولة تحليل كلام نتنياهو ليس على أساس أنه غلطة ولا زلة لسان وإنما وسيلة من وسائل نتنياهو لإثبات أنه محق. فنتنياهو يعرف أن العالم ينظر إلى الرئيس الفلسطيني محمود عباس على أنه آخر مَن يستطيع حل المسألة الفلسطينية على أساس حل الدولتين باعتباره آخر من تبقى من "رجال الشرعية الثورية". كما أن عباس مقبول دولياً لأنه يقولها علناً وعلى رؤوس الأشهاد بأنه لا يريد ولا يطالب إلا بما تمنحه للفلسطينيين الشرعية الدولية وفق قراراتها وهو يرفض كل أساليب المقاومة العنيفة. ونتنياهو لا يشعر بالارتياح مع شخصية فلسطينية تتقبّلها الأسرة الدولية وتحاول أن تضغط على إسرائيل، ولو قليلاً، من أجل تكريس مكانتها.
ولا يعني هذا الكلام أن المسألة شخصية لا بين نتنياهو وأبو مازن ولا بين قيادة إسرائيل والقوى الفاعلة دولياً. ولكن العالم يعرف أن قيادة أبو مازن لمنظمة التحرير تسهل إمكانية التوصل إلى اتفاق يقود إلى حل الدولتين القادر على أن يشكل في نظر العالم حلاً معقولاً. وهذا بالضبط ما لا يريده نتنياهو. فنتنياهو لا يريد التوصل إلى اتفاق مع أبو مازن ولا مع الفلسطينيين. وإن كان في لحظة ما قد قبل، وباشتراطات كبيرة، بحل الدولتين، فإنه سرعان ما عاد تحت ضغط اليمين ليعلن أن هذا حل غير قابل للتنفيذ. ومن المؤكد أن في جوهر موقف نتنياهو من رفض الحل السياسي إيمانه باستحاله قبوله بتقسيم القدس أو تفكيك المستوطنات في الضفة الغربية واستحالة قبول الفلسطينيين بحل من دون القدس وتبادل أراضٍ.
ولهذا السبب ظل نتنياهو يتعامل مع الرئيس الفلسطيني محمود عباس، وبغض النظر عن موقف الجمهور الفلسطيني وفصائله من موقفه، وكأنه مبرر للصدام. فالرئيس عباس في نظره محرّض، ورافض للتسوية ولا يقل عدائية لإسرائيل عن الرئيس الراحل ياسر عرفات. ورغم أن نتنياهو لم يقل عن عباس أنه مؤيد للنازية بشكل مباشر، وإن سبق له أن ألمح إلى أنه منكر للمحرقة، تجنب إلصاق تهمة مباشرة به كهذه. ولكن أوساط إسرائيلية كثيرة لا تزال تذكر لأبو مازن أطروحته في موسكو التي اعتبروها أن تشكك في رقم ستة ملايين ضحية يهودية في المحرقة النازية.
وفي كل حال وجد نتنياهو أن أفضل وسيلة لمحاربة أبو مازن ومطالب السلطة الفلسطينية هو الربط بينها وبين النازية بطريقة ذكية. وتقوم هذه الطريقة على رفض كل ما يُقال داخل أو خارج إسرائيل عن أن مقاومة الفلسطينيين تنبع من واقع رفضهم للاحتلال والاستيطان وبالتالي رفض تبعات السياسة الإسرائيلية. وفي نظر نتنياهو وأقرانه في اليمين، مقاومة الفلسطينيين تنبع من رفض مبدئي لوجود إسرائيل كدولة يهودية، بغض النظر عن المترتبات والوقائع السياسية. بل إن هذا الرفض سابق حتى على قيام الدولة العبرية وهو معادٍ لليهود حتى في بلدان تواجدهم في الشتات. ويدللون على ذلك بأن "أب الأمة الفلسطينية"، الحاج أمين الحسيني كان مقرباً من الزعيم النازي. وطبيعي أن نتنياهو لا يقف عند ما قاله آخرون بل يحاول التقدم خطوات إلى الأمام، فأعلن أن الحاج أمين الحسيني كان وراء فكرة إحراق اليهود.
ولا يهم، هنا والحالة هذه، إن كان نتنياهو يستند إلى مرجع موثوق أم لا. بل إن كل الوقائع التاريخية واستنتاجات المؤرخين الجديين وأنصاف الجديين تدحض هذا الادعاء. المهم أن يؤدي الإعلان غرضه حتى لو استند، وفق ديوان رئاسة الحكومة الإسرائيلية، إلى شهادة مشكوك فيها لقائد نازي. وكان الغرض المباشر وصول نتنياهو إلى العاصمة الألمانية للاجتماع إلى المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل وإلى وزير الخارجية الأميركي جون كيري ووزيرة خارجية الاتحاد الأوروبي فدريكا موجريني. وهناك قناعة بأن نتنياهو كان يعلم أنه سيتعرّض لضغوط شديدة من جانب هؤلاء لحمله على تقديم "تنازلات" للسلطة الفلسطينية والأردن بقصد تهدئة الميدان في القدس والضفة. وقاده إلهامه إلى ابتداع ذلك الربط بين الحاج الحسيني والمحرقة النازية وبين الحاج الحسيني والرئيس عباس والشعب الفلسطيني عموماً.
وفي نظر كثيرين، نتنياهو أراد أن يقول لهؤلاء: لا تضغطوا علينا، نحن نعرفهم أكثر منكم والأهم أنهم من مخلفات النازية. وهذا يعني: اسكتوا ولا تتكلموا. ولكن، انقلب السحر على الساحر، وبدا نتنياهو في أسوأ أوضاعه لجهة الصدقية. ولم تتأخر الحكومة الألمانية في استنكار إعلانه والتشديد على أن المسؤولية أولاً وأخيراً تقع على عاتق النظام النازي الألماني.
في إسرائيل ازداد شعور الكثيرين بالخيبة من نتنياهو الذي لا يبحث عن حلول، وإنما يبحث عن أزمات جديدة. ليس صدفة أن موقف نتنياهو استدعى تظاهرة يسارية في تل أبيب تطالب بالعودة إلى مسار التسوية.
