دخل مسار وقف إطلاق النار في قطاع غزة منعطفاً بالغ الخطورة، الأحد 9 أغسطس/آب 2026، بعدما خرج رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو عن أيام من الصمت ليعلن بنفسه رفض إسرائيل لوثيقة «النقاط الـ15» التي طرحها «مجلس السلام» ضمن خارطة الطريق الخاصة باستكمال المرحلة الثانية من اتفاق غزة، مشترطاً نزع سلاح حركة «حماس» بصورة كاملة قبل تنفيذ أي انسحاب إسرائيلي جديد من القطاع.
وبهذا الموقف، نقل نتنياهو الخلاف من دائرة التحفظات والملاحظات الإسرائيلية إلى رفض سياسي معلن لأحد المسارات الأساسية المطروحة لتنفيذ الاتفاق، فاتحاً الباب أمام مواجهة جديدة، ليس فقط مع الجانب الفلسطيني، وإنما أيضاً مع الوسطاء والإدارة الأميركية التي تقف خلف خطة المرحلة الثانية. وأكد نتنياهو خلال الاجتماع الأسبوعي للحكومة الإسرائيلية أن الجيش لن ينسحب قبل نزع جميع أسلحة «حماس»، الثقيلة والخفيفة، وقال إن بلاده تناقش الأفكار الأميركية لكنها لن تقبل ما تعتبره مخالفاً لمصالحها الأمنية.
دحلان: نتنياهو يخدع حتى حليفه الأميركي
وفي أول رد فلسطيني سياسي بارز على إعلان نتنياهو، شن القيادي الفلسطيني محمد دحلان هجوماً حاداً على رئيس الوزراء الإسرائيلي، معتبراً أن رفضه خارطة الطريق يشكل امتداداً لسياسة «القتل الجماعي والتدمير المنظم» في قطاع غزة، إلى جانب استمرار الاستباحة الإسرائيلية في الضفة الغربية والقدس.
وقال دحلان، في منشور على صفحته الرسمية، إن ما أعلنه نتنياهو يمثل «تحدياً واستخفافاً وخداعاً للإدارة الأميركية وطاقم الرئيس ترامب»، ولا سيما بعد ما وصفه بالتقدم الكبير الذي أبداه الطرف الفلسطيني من خلال تبني مواقف واضحة وافق عليها الوسطاء، وفي مقدمتهم الجانب الأميركي.
وأضاف أن التطورات باتت، من وجهة نظره، تكشف للإدارة الأميركية بصورة أكبر أن نتنياهو أصبح «عقبة في تحقيق الأمن والاستقرار»، معتبراً أن الحكومة الإسرائيلية تواصل التنكر للحقوق الفلسطينية وللالتزامات والمواثيق الدولية، بل وتمضي، وفق تعبيره، إلى حد «خداع حليفها الوحيد».
وأكد دحلان أن رفض نتنياهو لن يكسر إرادة الفلسطينيين أو تمسكهم بحقوقهم الوطنية، مختتماً موقفه بالقول: «فعلى أرضنا ما يستحق الحياة». وقد تناولت وسائل إعلام إسرائيلية موقف دحلان بوصفه اتهاماً مباشراً لنتنياهو بتحدي إدارة ترامب والاستخفاف بالجهود الأميركية.
حماس تتمسك بخارطة الطريق وتطالب بجدول زمني
وفي الاتجاه المقابل تماماً للموقف الإسرائيلي، أعلنت حركة «حماس» تمسكها بما جرى التوافق عليه مع الوسطاء و«مجلس السلام» بشأن خارطة الطريق الخاصة باستكمال تنفيذ المرحلة الثانية من اتفاق وقف إطلاق النار.
وأكدت الحركة جديتها في «الانخراط المسؤول» بتنفيذ البنود الخمسة عشر، وطالبت بوضع جدول زمني واضح ومُلزم لتنفيذها، معتبرة أن الأولوية في المرحلة الحالية يجب أن تكون لضمان تطبيق جميع الاستحقاقات المتفق عليها وصولاً إلى وقف كامل لإطلاق النار وإنهاء الهجمات، واستكمال الانسحاب الإسرائيلي، وفتح المعابر، وضمان تدفق المساعدات ومستلزمات الإيواء، ثم إطلاق مسار التعافي وإعادة الإعمار وتمكين اللجنة الوطنية من مباشرة مهامها.
ودعت «حماس» الوسطاء والضامنين و«مجلس السلام» إلى تحمل مسؤولياتهم وضمان التزام جميع الأطراف بما جرى الاتفاق عليه ومنع أي خروقات من شأنها تعطيل التنفيذ أو تقويض وقف إطلاق النار، مشددة على استمرارها في التعاطي بإيجابية مع جهود استكمال الاتفاق.
ويضع هذا الموقف الكرة بصورة أكبر في ملعب الوسطاء، إذ باتت المعضلة الجوهرية تتعلق بترتيب خطوات التنفيذ وضمان التبادلية بينها؛ فنتنياهو يصر على نزع كامل للسلاح قبل أي انسحاب، في حين يتمسك الفلسطينيون بتنفيذ خارطة الطريق وفق الالتزامات والضمانات المتفق عليها، بما يمنع تحويل بند واحد إلى شرط مسبق يسمح بتجميد بقية الاتفاق.
الجبهة الشعبية: لا تسمحوا بتحويل الاتفاق إلى غطاء لتقسيم غزة
بدورها، صعّدت الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين لهجتها، معتبرة أن رفض نتنياهو لخارطة الطريق يؤكد، من وجهة نظرها، استمرار الحكومة الإسرائيلية في المناورة لتعطيل الاتفاق والتنصل من استحقاقاته.
وطالبت الجبهة الوسطاء بتحمل مسؤولياتهم والإيفاء بتعهداتهم وممارسة ضغط فعلي لضمان تنفيذ الاتفاق كاملاً، محذرة بصورة خاصة من خطوات جزئية أو شكلية يجري تقديمها باعتبارها تنفيذاً للمرحلة الثانية، بينما تؤدي عملياً إلى الالتفاف على جوهر الاتفاق.
ورأت الجبهة أن الخطر يتمثل في احتمال تكريس واقع تقسيم قطاع غزة وإبقاء مساحات واسعة تحت السيطرة العسكرية الإسرائيلية، مؤكدة أن المرونة التي أبدتها القوى الفلسطينية بهدف وقف الحرب ومعاناة السكان لا ينبغي أن تتحول، بحسب موقفها، إلى مدخل لفرض تنازلات إضافية.
كما انتقدت الجبهة دور الممثل الأعلى لـ«مجلس السلام» نيكولاي ملادينوف، محذرة مما وصفته بالتماهي مع المواقف الإسرائيلية، وطالبت في الوقت ذاته بموقف عربي وإسلامي أكثر فاعلية لمنع فرض وقائع سياسية وجغرافية جديدة في القطاع.
القاهرة تدخل على الخط: الانسحاب وتنفيذ الاتفاق ليسا بنداً اختيارياً
وبالتزامن مع تصاعد السجال، تحركت مصر دبلوماسياً، حيث بحث وزير الخارجية بدر عبد العاطي هاتفياً مع نيكولاي ملادينوف تطورات قطاع غزة والجهود المتعلقة باستكمال تنفيذ خطة الرئيس الأميركي دونالد ترامب.
وشدد عبد العاطي على ضرورة تنفيذ جميع الاستحقاقات المتفق عليها، بما يشمل ضمان النفاذ الكامل والآمن والمستدام للمساعدات الإنسانية إلى غزة، واستكمال الانسحاب الإسرائيلي من القطاع وتمكين اللجنة الوطنية المعنية بإدارة غزة من أداء مهامها، بما يمهد للمرحلة التالية من التعافي المبكر وإعادة الإعمار.
ويكتسب الموقف المصري أهمية خاصة باعتبار القاهرة أحد الوسطاء الأساسيين في ملف غزة، إلى جانب قطر وتركيا والولايات المتحدة، وفي ظل انتقال الأزمة الحالية من مرحلة التفاوض حول الصياغات إلى معركة حول إلزام الأطراف بالتنفيذ الفعلي.
نتنياهو يتحدى ترامب علناً: نستطيع الوقوف حتى أمام أفضل أصدقائنا
الأكثر دلالة في تصريحات نتنياهو أنها لم تكتف برفض وثيقة النقاط الـ15، بل حملت رسالة مباشرة إلى واشنطن، عندما أعلن أن إسرائيل تستطيع الوقوف في وجه الأفكار الأميركية حتى عندما تأتي من «أفضل أصدقائها».
ووصف نتنياهو الرئيس دونالد ترامب بأنه من أكبر أصدقاء إسرائيل في البيت الأبيض، لكنه قال في الوقت نفسه إن الحكومة الإسرائيلية لن تتراجع عندما ترى أن أمن إسرائيل موضع تهديد.
واستعاد في خطابه سوابق الخلاف مع الإدارات الأميركية، مستشهداً بقرارات حكومته العسكرية السابقة في رفح ومحور فيلادلفيا، ليقدم موقفه الحالي باعتباره امتداداً لسياسة تقوم على عدم قبول الضغوط الخارجية حتى عندما تصدر عن واشنطن.
كما ذهب نتنياهو إلى أبعد من ملف غزة، مجدداً رفضه الصريح إقامة دولة فلسطينية سواء في غزة أو الضفة الغربية، وهو ما يرفع سقف الأزمة من خلاف إجرائي بشأن تنفيذ المرحلة الثانية إلى خلاف سياسي أعمق حول الشكل النهائي لأي تسوية فلسطينية – إسرائيلية.
معركة «مَن يبدأ أولاً» تهدد الاتفاق
وتكشف المواقف المتقابلة أن المرحلة المقبلة قد تتمحور حول سؤال بالغ الحساسية: هل يبدأ الانسحاب الإسرائيلي بالتوازي مع ترتيبات السلاح والأمن، أم يتحول نزع سلاح «حماس» بالكامل إلى شرط إسرائيلي مسبق لكل خطوة أخرى؟
نتنياهو حسم موقفه لصالح الخيار الثاني، معلناً أنه لن يسمح بانسحاب الجيش قبل نزع السلاح بصورة يعتبرها «حقيقية وليست صورية»، بينما تتمسك «حماس» والفصائل الفلسطينية بتنفيذ الخريطة باعتبارها حزمة متكاملة من الالتزامات المتبادلة، لا قائمة شروط أحادية الجانب.
وهنا تكمن العقدة التي قد تحدد مصير الاتفاق: فإذا نجحت إسرائيل في إعادة ترتيب بنوده بحيث يصبح تنفيذ التزامات الطرف الفلسطيني سابقاً على أي انسحاب أو فتح للمعابر أو انتقال سياسي، فإن المسار قد يتحول عملياً إلى اتفاق مختلف عن ذلك الذي وافقت عليه الأطراف والوسطاء.
أما إذا نجح الوسطاء، ولا سيما الولايات المتحدة، في فرض آلية زمنية متدرجة ومتبادلة للتنفيذ، فقد يكون بالإمكان إنقاذ المرحلة الثانية ومنع العودة إلى دائرة التصعيد الواسع.
الوسطاء أمام امتحان النفوذ لا الوساطة
ولذلك، فإن الأزمة التي فجرها نتنياهو لم تعد أزمة نصوص فحسب؛ بل باتت اختباراً لقدرة الولايات المتحدة والوسطاء على تحويل التعهدات السياسية إلى التزامات قابلة للتنفيذ.
فحماس أعلنت قبول خارطة الطريق، ودحلان اعتبر أن الجانب الفلسطيني قدم المواقف المطلوبة لإنجاحها، والجبهة الشعبية طالبت بمنع الالتفاف عليها، فيما شددت مصر على ضرورة استكمال الانسحاب وتنفيذ كامل الاستحقاقات.
في المقابل، يعلن نتنياهو رفض الوثيقة، ويتمسك بنزع السلاح أولاً، ويجاهر في الوقت نفسه باستعداده لمواجهة الموقف الأميركي نفسه إذا تعارض مع رؤيته.
وهكذا، يبدو أن السؤال المركزي بعد إعلان الأحد لم يعد: هل توجد خارطة طريق لإنهاء أزمة غزة؟ بل أصبح: من يملك القدرة السياسية على إلزام إسرائيل بها؟
وإذا لم يُحسم هذا السؤال سريعاً بضمانات وآليات تنفيذ واضحة ومتزامنة، فإن وثيقة النقاط الـ15 قد تجد نفسها أمام المصير ذاته الذي واجهته تفاهمات سابقة: اتفاق قائم على الورق، بينما تُعاد صياغة الوقائع بالقوة على الأرض.
وفي هذه اللحظة تحديداً، يصبح رفض نتنياهو أكثر من مجرد تحفظ إسرائيلي على بعض البنود؛ فهو يهدد بتحويل المرحلة الثانية من فرصة لإنهاء الحرب وإطلاق الإعمار إلى ساحة جديدة للصراع على شروط ما بعد الحرب، وحدود الانسحاب، ومستقبل الحكم والسلاح والسيادة في قطاع غزة.
