الويل للضعيف ؛ اذا طالب بشرعية الاحتلال

بقلم: بديع عويس

تنشط القيادة الاسرائيلية ؛ انّى حلّقت بها التطلعات الى مستقبل واعد ؛ مصحوبة بمشاعر الغلبة على الضعفاء ؛فالقوة تفعل افاعيلها في فلسطين ؛ كما فعل الجبابرة افاعيلهم في الازمنة الغابر ؛ وكما يشاركهم الفعل أعداء الشعوب المقهورة ، سواء عليهم ؛ تحدثت الشعوب بلغاتهم أم بلغات غيرهم .
يعقدون الجلسات ؛ لبحث مسألة اليهود ؛ بالصلاة في الحرم القدسي الشريف ، ويدعون الحكومة والشرطة الى مساواة اليهود والمسلمين في الحرم الشريف ، ولا يابهون باندلاع انتفاضة فلسطينية ؛ على اعتبار ؛ أن الانتفاضة ستكون درسا" يلقّن الفلسطينيين بطش الآلة العسكرية الاسرائيلية ؛ حتى لا يكون لهم ملاذ لنسيانه .
كما اثبتت وقائع التاريخ أن المتجبرين ؛ كانت لهم في حقبة من الزمن صولات وجولات ، فان الاسرائيليين ينتزعون حق القوة باستنبات بشائر غدهم ؛ كامر واقع مفروض على من استكان او تواطأ او قاوم بكفه مخرز الاحتلال .
لا يكتفون بأطماعهم التي تشمل السماح لليهود بالصلاة في المسجدالاقصى مستقبلا" ؛ بل يصرون على رفع العلم الاسرائيلي على الحرم ؛ ف ( جبل الهيكل جزء من السيادة الاسرائيلية ؛ التي يتوجّب احترامها، علاوة على انه المكان الاكثر قدسية لليهود ؛ ولاحق للمسلمين فيه ) في حساباتهم .
ولذلك يرون أنه يتوجب عليهم الدفع باكبر عدد منهم للتوجه الى الحرم ؛ فوصول عشرات الآلاف للحرم ؛ سيفرض واقعا ؛ يمكنهم من ترجمة الاتفاق الاردني الاسرائيلي بأنه يعطي الحق ( الشرعي ) لليهود في التواجد في اكثر الاماكن المقدسة بالنسبة لهم ، وان ما يعزز قيمة الاتفاق بمنظورهم ؛ انه يأتي في ظل مباركة عربية .
كتابة التاريخ ملهاة في خيال الهواة والطغاة ؛ لهم ان يدونوا ( أن القدس عاصمة لليهود منذ 3000 عام ؛ عندما كان آباء العرب يشربون الخمر ويعبدون اللاة والعزة ، ولهم ان ينكروا ( سبحان الذي اسرى بعبده ليلامن المسجد الحرام الى المسجد الاقصى الذي باركنا حوله لنريه من آياتنا انه هو السميع البصير ) انها آية من آيات القرآن الكريم ؛ وأنه لا يوجد ذكر للقدس في القرآن ولا مرة واحدة ؛ فالقدس لليهود ، نقطة .
حلم الفلسطينيين المشردين من عكا وحيفا ويافا بالعودة اليها ؛ حلم ارهابي ؛ بعيون اسرائيلية ، اما رئيس الوزراء الاسرائيلي ؛ فله ان يتخذ الاجراءات الصارمة ؛ وبصورة منفردة ؛ لتخفيض حدة الاحتكاك بين الغاضبين من القدس وبيت لحم والخليل وبين المستوطنين وجيش الاحتلال ، وتقريب عملية التصالح وتحقيق التطوير الاقتصادي ، وله أن يحقق للاسرائيليين حلما متوحشا بعيون فلسطينية ؛ لا ينتظر تعاونا منهم ولا يكترث لتعدد الوانهم .
رئيس الوزراء اطلق يد المستوطنين والجنود الاسرائيليين في مواجهة فتية ارهقتهم الاجراءات الاسرائيلية في الاعتداءات المتكررة على ساحات المسجد الاقصى ، واستهداف المرابطات والمرابطين ؛ بكل وسائل القمع ؛ الى درجة تشريع الاحكام الجنونية على المعتقلين والاعدامات الميدانية بدون مبرر .
كانت النتيجة على غير ما أرادت لها القيادة الاسرائيلية ، لم تلق الرعب في قلوب الثائرين ؛ بل دفعت بهم الى التصعيد بدون حساب لنتائج الربح والخسارة الذاتية ، فلم تخف عليهم أفلام الأمن الاسرائيلي المفبركة ؛ بالقاء اداة حادة الى جانب فتاة سقطت مضرجة بدم ؛ نزف طويلا ؛ جراء استهدافها بوابل من الرصاص الاسرائيلي ؛ بدعوى محاولتها طعن جندي او مستوطن ، ولم يدر في خلد رجال الامن ؛ ان كاميرات الفيديو لم تعد ملكية خاصة لجهاز الامن ؛ ولم تعد محظورة على نشطاء كشف الحقائق لعامة الناس ؛ بل ربما تكون سباقة في كثير من الاحيان لالتقاط الصورة قبل احتوائها على اداة حادة ملقى بها الى جوار الضحية ؛و قبل الفبركة الامنية التي غدت مكشوفة ؛ لا تنجز الا مردودا عكسيا على الامن المنشود .
يجتهد الاسرائيليون ؛ وفي أغلب الاحيان ؛ ترتد عليهم امكاناتهم الهائلة ؛ سحابات صيف لا يكتب لها الثبات ؛ ولا تنهمر ماء غدقا لتربة خصبة ؛ بل سرعان ما تنقشع ؛ ولا اثر لها على تربة تفتقر الى ابسط عناصر الغذاء والنماء والحياة .
في رسالة بعثها بلفور الى اللورد روتشلد ؛ أشار فيها الى تأييد الحكومة البريطانية لانشاء وطن قومي لليهود في فلسطين ، ارسلت الرسالة قبل ان يحتل الجيش البريطاني فلسطين ، وقد جمع بين القومية والديانة في سخاء انجليزي منقطع النظير لسواد عيون اسرائيلية ، وعلى ضوئها بنى الاسرائيليون حلم دولة اسرائيل على ( وعد من لا يملك لمن لا يستحق ) .
يتصاعد التأييد العالمي لوجود اسرائيل قوية في محيط منهك بالفتن والنزاعات العرقية والطائفية والعشائرية ؛ أو يتدرج في هبوطه ؛ تبعا لمدى التزامها بحدود هيمنتها الممنوحة لها من دول ذات نفوذ عالمي ؛ ولذلك فهي مسكونة في حالة من الاضطراب الدائم والاحداث المتفجرة ؛ تعوم في بحر من العداء الاقليمي ؛ نتيجة تنكرها لحقوق الفلسطينيين ؛ الذين اسست دولتها على خيرات أرضهم
؛ و على انقاض مدنهم وآثار قراهم التي شردوا منها .
كل المصالح الرأسمالية المتبادلة بين قيادات يهودية واخرى عالمية او حتى عربية لم تسعف اسرائيل من محاصرة الحق الفلسطيني لعدوانها واحتلالها للارض العربية ، واللقاءات المتبادلة والاتفاقيات بلا عدد ؛ لم تلغ حتى الآن تذبذب المواقف اتجاه القضية الفلسطينية ، تصريحات تصدر من الوليد بن طلال ؛ يتقرب فيها من اسرائيل على حساب ايران ، وتتجاهل قضية الفلسطينيين ، وتصريحات منه تنفي ما ورد جملة وتفصيلا .
مواقف لقيادات عربية اعتلت دفة الحكم لعقود من الزمن ؛ كانت تقول بملء فيها : ان وجودها مرهون بتحرير ارض فلسطين العربية من الاسرائيليين ؛ لكنها اندثرت ولم تترك اثرا ؛ سوى شعوب اخلصت في نهضتها ؛ فسارعت الى احياء الحروب العشائرية البائدة من جديد .
صحيح ان اسرائيل ؛ بمساندة عالمية تستطيع اختراق صفوف الضعفاء ؛ حتى تصيب الرؤوس المتعفنة في مقتل ؛ بلا أسف ولا تردد ؛ لكنها تدرك ان مرتكزات قوتها في متغير دائم ؛ في المقابل تعلم ان الحق ثابت ؛ لا تغيره القوة مهما علا شانها واتسعت دائرة نفوذها ؛ وساندها التفاف اذرع الاخطبوط الاستيطاني حول رقاب القرى والمدن الفلسطينية ، وابتكار أساليب جديدة لقمع الفلسطينيين ، تتغير فيها ملامح الصورة ؛ لكن المضمون ساكن في عبقرية الاحتلال الدموي ؛ بجدوى آنية قابلة للزوال .
احمد مناصرة ابن الثلاثة عشر عاما ، طفل تعرض للاصابة برصاص جنود الاحتلال ؛ قبل تعذيبه واعتقاله ؛ أودع في سجن ( هشارون ) ، محتجز بين سجناء جنائيين ؛ أكبر منه سنا ، ينكلون به ويهددونه بالذبح ؛ بعد النيل منه باذلاله .
ليس هو الطفل الوحيد الذي تعرض للاصابة بالرصاص او للتعذيب والاعتقال ؛ سبقه العديد من الاطفال ولحق به الكثير ممن هم دون الثلاثة عشر عاما او اكثر قليلا ، منهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر ؛ وما بدلوا تبديلا .
العديد من الاسرائيليين ؛ العاملين في الاجهزة الامنية او الذين سبق لهم ان خدموا فيها ؛ يقرون أن ما يتم تطبيقه في الخليل ؛ ليس امنا لاسرائيل ؛ بل هو هيمنة استيطانية ، وهذا الامر له ثمنه . كما يصرحون ان اشعال الفتية للاحداث المشتعلة ؛ ناتج عن انسداد الافق أمام ما يطمحون اليه من العيش في استقرار وامن وطمأنينة ؛ وهذا ما لم يتوفّر لهم ؛ فدفعت بهم الاحداث الى المشاركة في التعبير عن غضب متفجر ؛ بارادة او بدونها .
طفح الكيل الاسرائيلي بتاريخ دام في فلسطين ؛ والأحداث الجارية تنكا الجراح ؛ وتعيد الذاكرة الى الدوايمة وكفر قاسم ؛ فالعقلية التي انتجت مشهد صورة الدوايمةوكفر قاسم ؛ هي ذاتها التي برعت في اخراج مشهد صورة الفتى احمد مناصرة مع لمسات تجميلية اوصلته بفنون التعذيب الى تمني الموت ؛لينجو من التعذيب المذل ، ثم لم يحققوا له ما تمنى .
يتبادل رموز الاحتلال أدوارا في اخراج مسرحيات التجميل ؛ لاعتداءات المستوطنين وبطش الآلة العسكرية الاسرئيلية ؛ اعتقال السبعة جنود ؛ بتهمة ضربهم فلسطينيين ؛ وتقديمهم الى محاكمة ؛ أصدرت بحق اثنين منهم عقوبات سجن مع وقف التنفيذ ؛ بينما أمرت بحجز الثالث في قاعدته ؛ كانت مثالا حيا على انتاجهم المسرحي الذي لاينضب .
تلك الأساليب استخدمهااليهود للتاثير على الرأي العام في اوروبا ؛ واستعطاف قادتهم ؛ حتى ان ديغول قد شرّع الاحتلال ؛ لتثبيت الوجود اليهودي في فلسطين ؛ من خلال ما ورد على لسانه : ( الاحتلال اذا اصبح واقعا ؛ فقد اصبح مشروعا ) لكن الملك فيصل عاجله بالرد : ( الويل يا فخامة الرئيس للضعيف اذا احتله القوي ؛ وراح يطالب بالقاعدة الذهبية للجنرال ديغول : أن الاحتلال اذا اصبح واقعا فقد اصبح مشروعا ) .

................................................................................................................

بقلم : بديع عويس