سوريا على يقين : الغزاة يترنحون على بقايا وطن

بقلم: بديع عويس

شارف وقود النار المشتعلة في سوريا على النفاذ ؛ بعد ان قذف الرعب الدموي بالملايين من السوريين الى خارج الوطن ؛ أوشرّد هم من قراهم ومدنهم الى مناطق أخرى داخل الوطن ، وتسبب بقتل او جرح مئات الالوف .
لم يغنم اثرياء الوقود بخيرات البلاد بعد ان اشعلوا نار حرب ضروس ؛ وقودها الناس والحجارة ، على مدار اربع سنين عجاف ؛ ولذلك كان لزاما على الاطراف الاقليمية والدولية للأزمة السورية أن تتجه الى فينا وتعقد اجتماعها الموسع علها تتفق على وسيلة تنهي مسببات الحرب ؛ وتتخلص من تبعاتها المكلفة .
سبع عشرة دولة شاركت في الاجتماع ، اضافة الى الامم المتحدة والاتحاد الاوروبي ، ولأول مرة يجري التوافق على شكل سياسي موحد ؛ للحل في سوريا ؛ على الرغم من اقرار الامين العام للامم المتحدة بان كي مون بفشل الاجتماع ؛ لعدم الاتفاق على مصير الاسد .
اتفقت الدول على تسع نقاط ؛ شكلت مبادئ عامة للحل السياسي في سوريا : وحدة سوريا واستقلالها وهويتها العلمانية وبقاء مؤسسات الدولة وتشكيل حكومة ذات مصداقية وشاملة ووضع دستور جديد واجراء انتخابات جديدة وتنفيذ وقف اطلاق النار في كل انحاء البلاد .
الجديد في الاجتماع ؛ أن التفاهم بين اطراف الأزمة السورية ؛ الاقليمية والدولية ؛ انتقل الى المضامين السياسية والآليات التي يجب اتباعها ؛ بعد ان كان عبارة عن مبادئ عامة فضفاضة ؛ في الاجتماعات السابقة .
فقد تجاوز البيان الختامي لاجتماع فينا وثيقة جنيف ؛ لجهة شكل هيئة الحكم ؛ فجنيف تنص على تشكيل هيئة حكم انتقالية ذات صلاحيات تنفيذية كاملة ؛ يشارك فيها النظام والمعارضة مناصفة ، فيما دعا البيان الى تشكيل حكومة ذات مصداقية وشاملة وغير طائفية ؛ ذات صلاحيات معقولة ؛ يجعل منها حكومة ذات ثقة ؛ بينما الحكومة ذات الصلاحيات التنفيذية ؛ تنتزع صلاحيات الرئاسة ، وتعطي صلاحية الاشراف على المؤسستين ؛ العسكرية والأمنية .
اما عملية فرز فصائل المعارضة السياسية والعسكرية ؛ فهي في دائرة التوافق الجزئي بين الاطراف الاقليمية والدولية للأزمة السورية ؛ رغم ان وزير الخارجية الامريكي جون كيري اوضح في قوله ( أن السوريين يستحقون خيارا آخر بين الأسد والمنظمات الارهابية ) وهذا يشير الى منظمات المعارضة المعتدلة ؛ المدعومة من أمريكا ووكلائها في المنطقة ؛ ويبقي الباب مفتوحا امام كل الاحتمالات فيقول: ( لا يمكن ان نسمح بان يقف هذا الخلاف في الطريق ؛ امام امكانية ان تعمل الدبلوماسية لانهاء القتال ) .
لا يبتعد موقف جون كيري الدبلوماسي ازاء طرق الحل للازمة عن موقف رئيس مجلس الامن ماثيو رايكروفت ازاء موقفه من رحيل الاسد حين يقول : ( على الاسد ان يذهب .. . أما متى سيذهب ؟ فهذا امر متعلق بالمفاوضات ؛ والتي يجب ان تأتي كجزء من عملية الحل السياسي ) .
لكن روسيا اختارت الوقت المناسب ؛ لتسجيل نقاط التميز وربما الجدية والتفوّق على الدورالايراني العاجز عن هزيمة المعارضة السورية ، وكذلك على الدور الأمريكي الذي راوح مكانه ؛ في مسعاه للقضاء على تنظيم الدولة الاسلامية ( داعش ) ؛ فصعدت الى رفع مستوى المساعدة التي تقدمها الى النظام السوري ؛ استجابة لطلبه ؛ الى درجة الهيمنة والوصاية على الجزء الغربي من سوريا ؛ بما فيها العاصمة السورية دمشق . من خلال قصف الطيران الحربي الروسي لمواقع المعارضة ؛ وتقديم الاستشارة العسكرية والامنية على الأرض .
التصعيد الروسي المفاجئ دفع بالقيادة الامريكية الى التحرك العسكري على الارض ؛ علاوة على قصف طيران التحالف لمواقع الدولة الاسلامية ( داعش ) للسيطرة على بقية المناطق السورية ؛ قبل ان تسبقهم اليها روسيا ، أو تتغول فيها ايران وحزب الله ؛ الامر الذي يترك أثره على المجتمعين الذين سينقسمون الى فريقين في اجتماعات فينا المقبلة ، فريق يتمحور حول روسيا ؛ تماشيا مع ادعائها ؛ أنها تحمي نظاما شرعيا ، وفريق يلتف حول امريكا لانها تدعي محاربتها الارهاب .
يؤكد هذا الانقسام ؛ التوقف المفاجئ للدعم الجوي الروسي قبيل انعقاد مؤتمر فينا ؛ مما دفع بتنظيم الدولة الاسلامية الى توسيع دائرة سيطرته ؛ فكان مبررا لسيرغي لافروف للقول : ( هذا هو بديل الاسد الوحيد ، وهو يشكل خطرا كبيرا ، يجب ان نضع أيدينا في يد نظام الاسد لقتال داعش ) .
وحتى لا يحقق لافروف مكسبا سياسيا بما قال ؛ سارع كيري للرد عليه : ( هل كثيرا ؟ اذا لاحظنا أن التدخل العسكري الروسي لم ينتج منه حتى الآن الا المزيد من التقدم على الارض لتنظيم داعش ؟ )
قارب الاحتكاك الحذربين كل من روسيا وامريكا ؛ قطبي المواجهة في سوريا على مسافة الصفر ؛ مما القى بظلاله على تراجع الدور الايراني الفعال في تلك المواجهة ؛ الا أن هذا التراجع لم يمنع المرشد علي خامنئي من التعليق على الهيمنة الامريكية الروسية في اجتماع فينا بقوله : ( ان من الحماقة أن تجتمع دول عدة وتقرر مصير نظام ورئيسه ، وأن الحل في سوريا ياتي بعد انتهاء الحرب واجراء الانتخابات ) رغم مشاركة بلاده في اجتماع فينا .
التقاء المصالح الايرانية الروسية في مساندة النظام السوري ؛ وعلى مدار اربعة اعوام من الصراع ؛ أعطت الفرصة للنظام الايراني بالتميز في طبيعة الدعم اللا محدود ؛ ابتداء من من الدعم المعلوماتي وتقديم الاستشارات المختصة والدعم المالي والعتاد العسكري مرورا باستضافة معسكرات تدريبية لعناصر ( جيش الدفاع الوطني ) والتدخل الميداني المباشر والموسع وبشكل ممنهج والدفع بحزب الله الى اتون الحرب وكذلك ارسال قوات منظمة من المليشيات العراقية الشيعية وتشكيل ميليشيات جديدة من المتطوعين الشيعة القادمين من الاحياء الفقيرة في ايران او في باكستان او في افغانستان ، وادخال بعض قادة الحرس الثوري الايراني الى توجيه المعارك ؛ مما جعل منها قوة مهيمنة حولت النظام السوري الى ميليشيا طائفية ؛ تدير اجزاء من سوريا ؛ وتعمل على تحقيق المصالح الايرانية الكبرى ؛ مما كان دافعا رئيسا في توجه بشار الاسد الى روسيا طالبا النجدة ؛ ظنا منه ان روسيا هي القادرة على تغيير معادلة الصراع على الساحة السورية ؛ وانها المنقذ الوحيد لما تبقى من ركائز لنظامه .
بالتاكيد ؛ النظام السوري ؛ لا يخفى عليه ان اسباب بقائه ؛ تكاد ان تتلاشى ، وأن تثبيت وجوده لم يعد اولوية روسية أو حتى ايرانية ، ما يهم روسيا في الدرجة الاولى هو الماء في بحر سوريا لغواصاتها والهواء لطائراتها ومساحات من الارض ؛ تبنى فوقها قواعدها العسكرية ؛ وتضمن مصالحها عند اسرائيل بضمان امنها .
اما ما يهم ايران كأولوية ؛ فهو اسباغ الشرعية والصفة القانونية على ميليشياتها الطائفية المنتشرة في سوريا . فضلا عن اولويات امريكا في زيادة عدد وكلائها في منطقة الشرق الاوسط ؛ وكيلا مستحدثا ، والمحافظة على وكلاء يرتعدون من الصعود الايراني الدموي والتمدد في تعدد الجيوب الشيعية ، اضافة الى ضمان مصالحها عند اسرائيل ؛ بضمان امنها وتفوقها .
مصالح اطراف الصراع التي لا تتقاطع في هذه المرحلة المعقدة من الصراع ؛ تدفع الى مزيد من الاهتمام الدولي بالحراك السياسي ؛ يرافقه الحراك العسكري الروسي و الامريكي والفرنسي والتركي ؛ متخطيا الحراك الاقليمي الايراني والعراقي واللبناني وغيره ؛ مما ينبئ بازدياد عدد اللاجئين السوريين المنتشرين في شتى بقاع الدنيا ، وبالتالي ازدياد القلق العالمي من التاثير الديموغرافي والاقتصادي على البلدان التي تستوعب اللاجئين .
وسوريا على احر من الجمر ؛ على موعد مع ابنائها الذين شردهم السخاء العسكري الهابط من مظلة ؛ تدعم النظام الشرعي تارة ، و تدعم قوى المعارضة للنظام تارة اخرى . مكلومة الفؤاد ؛ شاهدة على بيوتها المدمرة وشوارعها الحزينة وابنائها القتلى والجرحى والمشردين والمعتقلين الذين يتلوون من وحشية التعذيب ومائها المسلوب وهوائها الملوث وأرضها المزروعة بارودا وألغاما وقنابل .
رغم جراحها الدامية ؛ سوريا على يقين أن تكالب الغزاة على ارضها ؛ لم يسفر الا عن رسائل توحي عناوينها بأنهم بدأوا يترنحون على بقايا وطن .
.............................................................................................................
بقلم : بديع عويس