أنهى رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو زيارته المقررة للولايات المتحدة والتقى خلالها بالرئيس الأميركي باراك أوباما ووزير خارجيته جون كيري. وظاهريا انتهت الزيارة من دون مشادات كالتي سبق وحصلت علنا بينه وبين الرئيس أوباما أو من وراء الكواليس بين حكومته والإدارة الأميركية. وانطلق نتنياهو ليعلن أن الزيارة كانت موفقة وأنها كانت أفضل اللقاءات وهو طبعا يقصد لقاءاته مع الرئيس أوباما.
وقبيل وصول نتنياهو لواشنطن، كانت إدارة أوباما تصدر مواقف تعبر عن التوقعات من الزيارة. وكان واضحا أن أوباما ورجاله، وبعد كل تجربتهم مع نتنياهو ومواقفه من التسوية لم يعودوا يأملون منه شيئا. وهكذا قالوا بصريح الكلام أن أوباما لا يملك مشروعا للحل السياسي للمسألة الفلسطينية وبالتالي ليس في وارد الضغط على نتنياهو على هذا الصعيد. وهكذا تحولت المسألة الفلسطينية إلى عنوان هامشي في اللقاء بينه وبين نتنياهو. وانتقل التركيز على الشأن الفلسطيني إلى لقاء نتنياهو مع وزير الخارجية، كيري، حيث كان الكلام عموميا من ناحية الوجهة السياسية وتفصيليا في الشأن المعيشي. ولكن غياب حضور المسألة الفلسطينية جوهريا عن نقاشات نتنياهو مع مسؤولي إدارة أوباما لا يعني أن المسألة صارت في حكم المتجاهلة، وإنما صارت تحتاج إلى سبل أخرى. والمقصود بالسبل الأخرى البحث عن طرق غير التي انتهجتها إدارة أوباما في سبيل تحريك هذا الموضوع. وفهم كثيرون أن موقف أميركا يعني أن إدارة أوباما لن تفعل شيئا لكنها أيضا لا تستطيع فعل شيء لمواجهة الرغبة الأوروبية في التصدي لحل هذه المشكلة.
وهنا لا بد من الإشارة إلى أن إدارة أوباما والأوروبيين على توافق ما بشأن فهم أن حل المسألة الفلسطينية يوفر أساسا لحل العديد من المشكلات التي تعاني منها المنطقة والعالم. ومرارا كرر مسؤولون أميركيون، من بينهم جون كيري نفسه، أنه من أجل مواجهة داعش، مثلا، ينبغي العمل على تسوية المسألة الفلسطينية. ومن الجائز أنه اليوم، خصوصا بعد تفجيرات باريس الإرهابية، صارت أوروبا أشد قناعة بوجوب السعي لحل المشكلات التي تجعل من داعش وأمثالها خيارا لأفراد وجماعات متطرفة. فالحل العسكري، مهما اشتد، ليس قادرا على القضاء على هذه الظاهرة التي تنطلق من أسباب مادية وسياسية وايديولوجية. وليس صدفة، في كل حال أن الاتحاد الأوروبي أقر وجوب وسم البضائع المنتجة في المستوطنات وتمييزها عن باقي البضائع المنتجة داخل الخط الأخضر. ورغم أن القيادة الإسرائيلية ذهبت إلى حد اعتبار هذه الخطوة نوعا من اللاسامية الجديدة، إلا أن بعض الإسرائيليين رأوا فيها نوعا من إنذار لإسرائيل أكثر مما هي خطوة مقاطعة فعلية. وطبعا في الذهن الإسرائيلي تطور المواقف الأوروبية والغربية وصولا إلى المقاطعة كما جرى عالميا مع نظام التفرقة العنصرية في جنوب أفريقيا الذي كان أبرز حليف لإسرائيل.
وربما لهذا السبب كان العنوان في لقاء نتنياهو مع كيري هو وجوب السعي لاستئناف العملية السياسية مع الفلسطينيين لمنع استمرار التدهور نحو المقاطعة. ولكن نتنياهو وهو يتحدث عن التسوية يردد كلاما في الغالب لا يقصده. وقد سبق للأسرة الدولية أن ضبطته مرارا متلبسا بقول الشيء ونقيضه في كل ما يتعلق بذلك. وعموما فإن أهم ما تريده الأسرة الدولية من نتنياهو على هذا الصعيد هو استمرار الالتزام بحل الدولتين. ونتنياهو صار يعتبر اشهار التزامه بحل الدولتين نوعا من طرق الباب قبل الدخول إلى أي اجتماع مع قوة دولية. لكن التزامه هذا خال من أي معنى.
فنتنياهو يريد دولتين لشعبين ولكن دولة مسيطرة على الأخرى وتدير شؤونها، ودولة تقبل بإملاءات الأخرى من دون قيد ولا شرط. وهكذا عدا وجوب أن تعترف الدولة الفلسطينية بدولة إسرائيل كتجسيد لحق اليهود القومي ينبغي عليها أن تقبل أن تكون منزوعة السلاح ولا تملك جيشا ولا مطارات ولا حتى نقاطا حدودية. فإسرائيل هي التي ينبغي أن تشرف على كل حدود هذه الدولة، وليس فقط كذلك بل إن الدولة هذه لا صلاحية لها إلا داخل المدن، وطبعا هي صلاحيات محدودة. ومن يتذكر بنود "حق المطاردة" في اتفاقيات أوسلو يعرف أن كل ما يريده نتنياهو للدولة الفلسطينية أن تكون نوعا من إدارة غيتوات في الضفة الغربية.
وربما لهذا السبب يجدر بالكثيرين فهم مغزى الهبّة الفلسطينية الحالية التي تنطلق من واقع فهم شعبي أقرب إلى الواقع من فهم القيادات الفلسطينية نفسها التي لم ترق بعد إلى مستوى اللحظة. فالشعب الفلسطيني تحت الاحتلال يدرك أن هبّته ليست من سيحرره الآن من ربقة الاحتلال لكنه يريد أن تشكل دافعا نحو إعادة رص الصفوف لتصعيد النضال وتقريب يوم الخلاص من الاحتلال.
ومن الواضح في هذا السياق أن نتنياهو وإدارة أوباما لم يتفقا على رزمة التعويضات العسكرية التي ستنالها إسرائيل مقابل الاتفاق النووي مع إيران أو التطورات الجارية في المنطقة. ولكن عدم الاتفاق حاليا لا يعني أنهما ليسا في طريق الاتفاق. ومع ذلك هناك قناعة تامة في أوساط المعلقين الإسرائيليين بأن ما ستناله إسرائيل غدا سيكون أقل مما كان معروضا عليها في السابق. ليس مؤكدا أن هذا سيكون الحال ولكن من المؤكد أن تطورات تجري تجعل اعتماد إسرائيل التام على الولايات المتحدة أمرا ليس مضمونا بالشكل الذي كان.
فالأميركيون، مثل غيرهم، سوف يضطرون لمواجهة الحقيقة المرة وهي أن الاستثمار في المشروع الإسرائيلي، وإن كان مربحا حتى اللحظة، ليس مضمونا على طول الطريق. فالمنطقة العربية تغلي والعالم يتغير بسرعة كبيرة وإسرائيل ليست بعيدة عن هذه التغيرات.
