في توقيت بالغ الدلالة، أعلنت الحكومة الإسرائيلية إخراجها الجناح الشمالي لـ"الحركة الإسلامية" عن القانون، واعتباره تنظيماً غير مسموح الانتماء إليه، أو العمل في إطاره، أو التعاون معه. وأعلن وزير الأمن الداخلي الإسرائيلي، جلعاد أردان، أنَّ الجناح الشمالي هو "داعش" إسرائيل بعدما وقَّع وزير الجيش موشي يعلون على أمر إخراج هذا الجناح بموجب قوانين الطوارئ التي كان الانتداب البريطاني أدخلها.
ومن الجلي أنَّ لتوقيت إعلان القرار أهمية كبيرة كونه جاء بعد أيام قليلة فقط من تفجيرات باريس الإرهابية، واحتشاد العالم الغربي لمحاربة "داعش" والتطرف الجهادي الإسلامي. فإسرائيل تعلن بذلك صراحة أنَّ هذه هي حصتي، أو أن هذا جانب منها، في الحرب العالمية ضد "داعش" الذي يرى أنَّ الجناح الشمالي برئاسة الشيخ رائد صلاح جزء منه.
ولكن كل ما حاولت إسرائيل الإيحاء به، تبدَّد في لحظة واحدة عندما تبيّن أنَّ المجلس الوزاري الإسرائيلي المصغّر كان قد اتّخذ القرار بإخراج الجناح الشمالي عن القانــون مطــلع الشــهر الحالي. وقد اتّخذ القرار بعد مداولات مكــثّفة وتصريحات علنــية قال فيها رئيس الحكومة، بنيامين نتنياهو، إنَّه سيسعى لإخراج هــذا الجناح عن القانون بسبب تحريضه ضدّ إسرائيل بشأن اعتداءاتها على المسجد الأقصى.
وبرغم أنَّ جهاز "الشاباك" الذي يعمل تحت إمرة رئيس الحكومة كان يرحب بإخراج الجناح عن القانون نظراً لارتباطاته الإســلامية المتــنوعة ودوره في حماية المسجد الأقصى، إلَّا أنَّه عجز عن توفــير قرائن الإدانة التي تسمح بإخراجه عن القانون. فالجــناح الشمالي في "الحركة الإسلامية" في مناطق 48 كان شــوكة في خاصرة إسرائيل، لكنّه لم يضبط بشكل جدّي في أيّ فعل يمكن اعتباره تشجيعاً لـ"الإرهاب" أو مشاركة في أعماله. وهذا ما تبدّى أكثر من مرة في تقارير عن موقف المستشار القضائي للحكومة الذي كان في الغالب يرى في أقوال قادة الجناح، حتى أشدها عداءً لإسرائيل، نوعاً من حرية التعبير.
والواقع أنَّ الحملة على الجناح الشمالي لـ"الحركة الإسلامية" في مناطق 48، تعاظمت بشكل واسع في أعقاب الحملة التي شُنّت ضدّ "الإخوان المسلمين" في عدد من الدول العربية. وصار العديد من السياسيين والمعلّقين الإسرائيليين يستسهلون الحديث عن اتخاذ إجراءات عقابية وصولاً إلى إخراج هذا الجناح عن القانون، بعدما رأوا أنَّ هذا سلوك مقبول في الدول العربية المجاورة. لكن الحملة وصلت حدّ الجنون عندما وقعت الهَبَّةُ الأخيرةُ وبدا فيها واضحاً دور الجناح الشمالي في إثارة موضوع الأقصى، وفي تنظيم حملات التضامن الشعبي معه داخل مناطق 48، وحتى في ترتيب ظاهرة المرابطين والمرابطات هناك. وعندما تمّ إعلان أنَّ جماعات المرابطين والمرابطات أخرجت عن القانون، كان واضحاً أنَّ قرار إخراج الجناح الشمالي عن القانون كان مسألة وقت.
وفي كل حال، فإن المجلس الوزاري المصغّر للشؤون الأمنية أعلن، صباح أمس، أن الجناح الشمالي اتحاد غير مشروع. وأصدر وزير الجيشبموجب صلاحياته، وفــق أنظــمة الطــوارئ، أمراً مفصلاً في هذا الشأن. وبحسب الأمر، فإنَّ كــل جــهة أو شخــص يتبع هذا التنظيم من الآن فصاعداً، وكل من ينتــمي إليــه أو يعمل في إطاره، يرتكب بذلك مخــالفة جنائية عقوبتــها السجن. كــما تضـمّن الأمر معطيات تظهر أنَّ في الوسع مصادرة كل أملاك تعــود إلى هذا التنظيم.
وقبل إعلان القرار صباح أمس، شنَّت قوات من الشرطة و "الشاباك" ليلاً أوسع حملة لوضع اليد على مكاتب وممتلكات الجناح، وصدرت أوامر بإغلاق 17 جمعية خيرية تتبعه في العديد من المدن والقرى العربية في مناطق 48. وطالت الحملة مكاتب وجمعيات للجناح من رهط في النقب، إلى يافا في الوسط، وصولاً إلى أم الفحم والناصرة في الشمال. كما جمّد "الشاباك" كل الحسابات المصرفية المعروفة للجناح والجمعيات المرتبطة به.
واعترف مسؤول رفيع المستوى في ديوان رئاسة الحكومة الإسرائيلية، أنَّ قرار المجلس الوزاري متخذ منذ أسبوعين، وأنَّ الوزراء تركوا لرئيس الحكومة ووزير الجيش تحديد موعد التنفيذ وفق تقديرات الأمن. واعترف أيضاً أنَّ الشرطة و "الشاباك" طلبا تأجيل الإعلان رسمياً لأسبوعين لإتمام الاستعدادات العملانية، ويوم الأحد الماضي، اتّخذ نتنياهو ويعلون القرار بشأن موعد التنفيذ.
وكتبت "هآرتس" أنَّ رئيس "الشاباك"، يورام كوهين، عارض في اجتماع المجلس الوزاري إخراج الجناح الشمالي عن القانون، مؤكداً أنَّ جهازه لا يملك معلومات استخبارية ولا قرائن تربط الجناح الشمالي بأيّ أعمال إرهابية. وأشارت الصحيفة إلى أنَّ المجلس المصغر بحث في الأسابيع الأخيرة خمس مرات، أمر الجناح الشمالي على أرضية ما اعتبره تحريضاً ضدّ إسرائيل بشأن الحرم القدسي. ونقلت عن أحد الوزراء قولهم إن كوهين قال في جلســات النقاش إنَّه ينتمي إلى الجناح الشمالي أكثر من عشرة آلاف شــخص، وإنه ليس من الحكمة إعلان أنَّ كل هؤلاء فجأة تحولوا إلى مخالفين للقــانون، وأنَّ خطوة كهذه تعزّز قوة الجناح. وطالب كوهين بتركيز الجهد على قادة الجناح بتهم التحريض على العنف والتضييق على مصادر تمويل الجناح.
وقالت رئاسة الحكومة الإسرائيلية إنَّ إخراج الجناح عن القانون، يشكّل خطوة حيوية للحفاظ على الأمن العام ومنع المساس بالأرواح، وإنّها موجهة ضدّ الجهات التي تحرّك وتدعم عمليات التحريض والعنصرية وتزعزع الاستقرار وهي ليست موجهة "ضد الجمهور العربي والمسلم في إسرائيل". وأضافت أنَّ "الجناح الشمالي للحركة الإسلامية يقود منذ سنوات حملة تحريض كاذبة بعنوان (الأقصى في خطر)، التي تتّهم إسرائيل زوراً بنيَّتها المس بالمسجد الأقصى، وانتهاك الوضع القائم. وفي إطار ذلك، أنشأ الجناح الشمالي منظومة نشطاء بالأجر (مرابطون/ مرابطات) بغرض تنفيذ استفزازات في الحرم. وهذه النشاطات قادت إلى زيادة جوهــرية في التــوتر في الحرم. وقسم كبير من العمليات مؤخراً تمّت على خلفــية هذا التحــريض والدعاية". وشدّدت رئاسة الحكومة الإسرائيلية على أنَّ الجناح الشمالي هو حركة شقيقة لحركة "حماس" وتقيم معها تعاوناً وثيقاً وسرياً.
وفيما لاقى قرار الحكومة الإسرائيلية تأييداً من المعارضة الصهيونية داخل وخارج الكنيست، اتّحد الفلسطينيون في مناطق 48 في مواجهة هذه الخطوة التي نُظر إليها على أنَّها خطوة موجهة ضدّ كل الجمهور الفلسطيني هناك. وكانت أولى الخطوات ضدّ القرار الإسرائيلي، إعلان الإضراب الشامل يوم الخميس المقبل تنديداً بقرار حظر الجناح الشمالي. وأعتبرت لجنة المتابعة العليا للجماهير العربية في الداخل نفسها في حالة انعقاد دائم، وأنَّها قــررت تنظــيم تظاهرة واسعة في أم الفحم يوم السبت المقبل. وليس مستــبعداً أن يمنح القرار الإسرائيلي فرصة لفلسطينيي الداخل بأن ينضموا بقوة أكبر إلى الهبة الشعبية القائمة في القدس وباقي المناطق المحتلة. وعموماً، من المؤكد أنَّ عواقب هذه الخطوة، لن تكون بسيطة ولن تتضح معالمها خلال وقت قصير.
