هبّة فلسطين وفقاعة الأمن الإسرائيلي

صدمت العمليات الفدائية التي وقعت أمس الأول في إطار الهبّة الفلسطينية الجارية، السلطات الإسرائيلية التي كانت تمني النفس بأن الهبّة تضمحل وتتآكل وفي طريقها إلى الانتهاء.
وتزامن ارتفاع عدد القتلى في صفوف الإسرائيليين جراء عمليات فلسطينية، مع محاولة حكومة بنيامين نتنياهو تقديم النصح للأسرة الدولية عموماً ولفرنسا خصوصاً حول سبل "مكافحة الإرهاب". ولكن فيما ترى فرنسا وكل الدول الأوروبية، تقريباً، ما وراء العمليات التفجيرية، وتحاول البحث عن أسبابها الحقيقية بما فيها وجود الاحتلال الإسرائيلي، تصر تل أبيب على أن دوافع المقاومة الفلسطينية هي الكراهية والتحريض.
وطوال حوالي شهري الهبّة الشعبية، بدا الخميس بوصفه الأشد وقعاً على الإسرائيليين، جراء الطعن والدهس، ما فاقم مخاوفهم من اتجاه الوضع نحو تصعيد أكبر. وزاد الطين بلة إكثار الصحافة الإسرائيلية من الحديث عن انضمام فلسطينيين، خصوصاً من مناطق 48، لتنظيم "داعش"، وتشديدها على أن هذا طريق في اتجاهين: ليس فقط للقتال في سوريا وإنما لتنفيذ عمليات ضد إسرائيل. وكان واضحاً في الأسبوعين الأخيرين، خصوصاً في الضفة الغربية، أن تراجع عمليات الطعن والدهس، جراء سوء حالة الطقس، ترافق مع تزايد عمليات إطلاق النار على الجيش والمستوطنين.
ومن المؤكد أن عمليات أمس الأول أعادت إلى الصدارة النقاش الذي كان بدأ مع بداية الهبّة الشعبية حول نوعية الحلول الواجب انتهاجها. وظهر جلياً أن الأوساط الأمنية، خصوصاً الجيش و "الشاباك"، كانت طوال الوقت تشدد على أن القوة العسكرية والضغط الأمني كفيلان بتقليص حدة المواجهة ورفع تكلفتها على الفلسطينيين، لكنها لا توفر الحل. وكانت هذه الجهات تصر على وجوب السعي لتلطيف الأجواء مع السلطة الفلسطينية وفتح أفق سياسي. لكن اليمين الحاكم في إسرائيل كان لديه تفكير مغاير، وربما أن قرارات الحكومة الإسرائيلية، بشأن توسيع الاستيطان وإخراج الجناح الشمالي للحركة الإسلامية عن القانون، عبرت أكثر من أي شيء آخر عن الوجهة.
وكتب المعلق العسكري لصحيفة "إسرائيل اليوم" يوآف ليمور أنه "بعد بضعة أيام من الهدوء النسبي، تحطم أمس (الأول) وهم الهدوء المتوتر بصخب كبير: عمليتان، خمسة قتلى وتخوف من أننا نقف على شفا انعطافة خطيرة في موجة الإرهاب الحالية". وبعد أن حلل ظروف العمليتين، أشار إلى أنهما أيضاً خرجتا من منطقة الخليل التي برغم جهود الجيش فإن نجاحاته جزئية فقط. وخلص إلى أن التقديرات تشير إلى أن "العمليات ستستمر، ما يستدعي الإبقاء على حجم كبير من القوات في الضفة عامة، وفي الخليل خاصة، في الأشهر القريبة أيضاً". وألمح إلى أن إسرائيل غير معنية بالتصعيد قريباً، ليس فقط بسبب زيارة وزير الخارجية الأميركي جون كيري، ولا حتى من التخوف من انضمام قوات السلطة الفلسطينية إلى دائرة العنف، وإنما أيضاً من الرغبة في عدم توجه الأنظار نحو الضفة فيما يركز العالم على الحرب ضد "داعش".
واعتبر المعلق السياسي لصحيفة "معاريف" بن كسبيت أن إسرائيل في ما يتعلق بالفلسطينيين كانت تعيش في فقاعة وتدير حياتها بهدوء وأمن نسبيين، برغم عدم وجود عملية سياسية أو شريك، ولا ما نتحدث فيه معهم، و "كان جلياً أن هذه الفقاعة ستنفجر في وقت ما، وها هي تنفجر".
وفي تشخيص لافت، كتب بن كسبيت "ليس واضحاً ما الذي نعيش فيه. عندما بدا لنا أنها انتفاضة في القدس الشرقية، انزلقت إلى داخل إسرائيل. وعادت بعدها إلى الخليل، التي غدت المركز الروحي والمادي للعنف، ومن هناك تهب حيثما تشاء. عندما أسميناها انتفاضة الشبان، جاءت متقاعدة في السبعين من عمرها ونفذت عملية دهس. وعندما ظننا أنها انتفاضة سكاكين، وصلت خلايا إطلاق النار في الأسابيع الأخيرة. وعندما شدّدنا على أن أي عامل فلسطيني يحمل تصريح عمل لم يشارك في العمليات، جاء مخرب الأمس في تل أبيب".
وخلص بن كسبيت إلى أن لا شيء مؤكد "سوى أمر واحد: ما كان، لن يبقى بعد اليوم. ومن ظن أن بالوسع صيانة فقاعة الهدوء والأمن، داخل الفوضى الشرق أوسطية، عبر التجاهل التام لواقع وجود ملايين الناس هنا، التي ضجرت من وضعها، كان مخطئاً. ودوماً على الأخطاء تُدفع الأثمان".
من جانبه يرى المعلق العسكري لصحيفة "هآرتس" عاموس هارئيل أن المواجهة الإسرائيلية مع الهبّة الشعبية الفلسطينية تمر "بمد وجزر"، لكن ديمومة الهبّة تفرض على إسرائيل استخداماً واسعاً لكتائب قوات احتياطية. وابتداءً من كانون الثاني المقبل سيزيد الجيش من استدعاء قوات احتياطية بحوالي أربع كتائب، وذلك للسماح للقوات النظامية بمواصلة تدريباتها. وأشار إلى أن الهبّة في الضفة الغربية استمرت تقريباً المدة نفسها التي استمرت فيها الحرب الأخيرة على "حماس"، لكن الهبّة قد تستمر زمناً أطول.
وكتب هارئيل أن المؤسسة العسكرية لا تزال توصي بالابتعاد عن العقوبات الجماعية، وترفض فرض الحصار على مدن الضفة، الأمر الذي يمس تقريباً بحوالي 120 ألف عامل فلسطيني يعملون في إسرائيل. ولا ينبع هذا الرفض من حرص على رفاهية الفلسطينيين بقدر ما ينبع من تقدير للمصلحة الإسرائيلية لا يريد الزج بهؤلاء في دائرة العمل المناهض لإسرائيل ومستوطنيها.
وفي حمّى الحديث عن الهبّة والتفجيرات في باريس تزداد المخاوف الشعبية والأمنية في إسرائيل من قادم الأيام. وهناك بين المعلقين الإسرائيليين، وبينهم قادة أمنيون سابقون، يرون أن قرار إخراج "الحركة الإسلامية" عن القانون ليس حكيماً، وأنه سيدفع بشرائح أكبر من الإسلاميين نحو الانضمام إلى "داعش". وبديهي أن هذا الكلام ليس مرسلاً، خصوصاً أن إسرائيل أعلنت قبل أيام عن ضبط ما ادّعت أنه خلية لتنظيم "داعش" في قرية جلجولية داخل الخط الأخضر. وفي هذا السياق كتب المعلق العسكري لـ "يديعوت" أليكس فيشمان أن "داعش" في النقطة الأقرب لهضبة الجولان المحتلة، ممثلا بجماعة "شهداء اليرموك"، تلقّى مؤخراً ضربة شديدة. وأضاف "لم تكن لإسرائيل مشكلة مع وجود داعش في الجولان، حيث لم تطلق أي رصاصة باتجاه إسرائيل أثناء الحرب الأهلية من قبل مقاتلي الخلافة الإسلامية. إن مجرد وجودهم هناك خلق توتراً دائماً وتحذيراً دائماً لإسرائيل".
وانتقل للحديث عن "نضال صلاح، من سكان جلجولية، الذي عبر الحدود إلى سوريا بطائرة شراعية في 24 تشرين الأول، ووصل إلى هذه المجموعة، شهداء اليرموك". وبعد أن فصل أهداف تنظيم "داعش" كتب أن "الفلسطينيين لا يهمونهم، برغم أن 15 في المئة من شباب الضفة يُظهرون التعاطف مع داعش في الاستطلاعات. بالنسبة لداعش فإن السلطة الفلسطينية التي تتحدث عن دولة ديموقراطية إلى جانب إسرائيل، تبعث على الاشمئزاز. وقد أصدر داعش قبل بضعة أسابيع تسجيلاً بالعبرية يهدد إسرائيل فقط بعد أن قام (أيمن) الظواهري، زعيم التنظيم المنافس، بمهاجمة البغدادي واتهمه بإهمال القضية الفلسطينية". وخلص إلى "أنهم سيصلون إلينا ولكن ليس في هذه المرحلة، بل في المراحل الأخيرة لإقامة الخلافة".

المصدر: القدس المحتلة - وكالة قدس نت للأنباء -