الشعوب حصيد الحروب السادية

بقلم: بديع عويس

في زمن مضى ؛ تغلبت النزعة السادية على كثير من ذوي النفوذ والسطوة ؛ تحت ذرائع العقاب والاستنطاق والتخويف والترويع والهواية والمتعة والتعبير عن ضغائن وعداوات شخصية ؛ ولذلك سخّروا ذوي المواهب الفنية في صناعة المرشّة الحديدية ؛ لرش الرصاص المنصهر والزيت المغلي على ظهور الضحايا ، وصناعة كاسر الاصابع والايادي والاقدام والرقاب والاكواع ؛ لمشاهدة تفتت اللحوم وسماع تهشم العظام .
اليوم تبث وسائل الاعلام مشاهد مرئية ومسموعة ؛ تقصف فيها الولايات المتحدة مشفى اطباء بلا حدود في قندوز الافغانية ؛ لمدة تزيد على ساعة ؛وعلى مراحل ؛ في كل مرحلة خمس عشرة دقيقة ، اتصالات محمومة يجريها موظفو المشفى مع القوات الامريكية وحلف الناتو والمسئولين الافغان ، القصف لم يتوقف ؛ والمرضى يحترقون في اسرتهم ؛ في وحدة العناية الحثيثة . كل ذلك تحت ذريعة توفير السلامة للأمريكيين ؛ والقضاء على أعداء الولايات المتحدة .
وفي سوريا يستأسد الرئيس على شعبه ؛ حتى اذا ما احس بدنو اجله ؛ استنجد بايران لتدير آلةالحرب المدمّرة بالوكالة عنه ؛ وتدفع بميليشيات شيعية من لبنان وسوريا والعراق وايران وافغانستان وباكستان ؛ الى دمشق وحلب وحماة ودرعا ؛ ترفع شعار الدفاع عن حرم زينب ، حتى اذا ما شعر الاسد مرة اخرى بخيبة الامل من ايران ؛ سواء كانت من الهيمنة الايرانية على القرار السيادي السوري ؛ أو من الفشل الايراني في المواجهة الشرسة مع التنظيمات المسلحة المعارضة للنظام السوري ، توجه الى روسيا وطلب تدخلا روسيا مباشرا ؛ في حين ان روسيا لم تتوانى عن اقتناص الفرصة المتاحة ؛ فسارعت الى شن هجمات جوية بدون هوادة على قوى المعارضة ؛ لا تفرق بين معتدلة او متطرفة ، أو بين مدنيين أو مسلحين .
المعارضة السورية ؛ اختلط فيها الحابل بالنابل ؛ اختلط فيها الثوار وخاطفون للاسلام والعروبة ؛ الخاطفون يذبحون الاسلام والعروبة بساطور اجذم ؛ بلا شفقة ولا رحمة ؛ ظنا منهم انهم خلفاء الله في الارض ، يتجاهلون أن الرسول محمد _ صلى الله عليه وسلم _ لو كان فظا غليظ القلب لانفضوا من حوله ؛ أتباعه ومن كان في قلبه ذرة من ايمان .
مجازر ( الحرب هي الحرب ) تتواصل فوق ارض فلسطين بايد اسرائيلية ؛ أدواتها قتالية مادية ملموسه ؛محفوفة بحرص عالمي على حداثتها وتفوقها ؛ تستهدف التائهين في وطنهم . وادواتها كذلك معنوية استخبارية ؛ تختطف الاطفال المقاومين بهتاف الله اكبر او بحجر أو بسكين ، ثم تزج بهم الى اقبية التحقيق المرعبة ؛ رعب اسرائيلي مباشر ؛ مصدره رجال أمن متخصصون ، أو رعب اسرائيلي بالوكالة ينفذه ضحايا الاحتلال الاسرائيلي ؛وقد أسقطهم في شرك العمالة والتجسس في وقت مضى ؛ يستخدمون اساليب الخداع حينا ؛ واساليب العنف والترهيب احيانا ؛ حتى يبرعون باسلوب الاسقاط الاخلاقي بالاكراه والاغتصاب ؛ وتصوير جرائمهم ؛ فتكون وسيلة ضاغطة لاكراه بعض الاطفال على العمالة واغتصاب شرف انتمائهم الوطني .
كل ذلك لم يثن نتنياهو عن هجومه الحادعلى مسلمين يغتصب ارضهم في مدن فلسطين ؛ يقول : ( توجد حيوانات متوحشة من المسلمين في مدننا ) . أراد أن يقلب الحقائق بأن وحوشا كاسرة تنهش لحوم المسلمين في فلسطين أولا ؛ ثم مينمار ومالي ونيجيريا والنيجر وافغانستان والعراق وسوريا ... حتى اذا علا صوت مسلم من شدة العذاب ؛ اونفّذ عملية انتقامية ؛ استهدفت مدنيين او عسكريين ؛ ادين الاسلام كله بالارهاب ؛ وتم استدعاء كسرى الفرس وامبراطور الروما ن للقضاء على الارهاب الاسلامي .
الدولة الاسلامية في العراق والشام ( داعش ) لا تحارب بجيش نظامي يمكن احتواؤه والسيطرة عليه ؛ من خلال حملة عسكرية برية وبحرية وجوية ؛ وقنابل ذرية محدودة التاثير ؛ وقرار من مجلس الامن وبالاجماع ، تتحصن بين المدنيين ؛ ولا يعيق حركتها حدود جغرافية ؛ تتحرك بسهولة بين حافلات النقل والطائرات والشقق السكنية والمدن والمحافظات وبلاد الله الواسعة ؛ التي يعيش فيها مسلمون مضطهدون ؛ سلطت عليهم الدول الغربية والشرقية الطامعة في خيرات بلادهم ؛تنظيمات وملوكا ورؤساء ومحتلين لارضهم ؛ يسومونهم سوء العذاب .
فقط يمكن السيطرة على العنف الصادر من جهات اسلامية ؛ اذا لم يستغل ضعف المسلمين لتفتيت صفوفهم ( فرّق تسد ) بخلايا مجرمة تخترق صفوف التنظيمات والمؤسسات للدول المسلمة ( المستقلة ) فتهدم بنيان المجتمع المسلم المرتبط بسماحة الاسلام ( لا اكراه في الدين ) .
بيسان محمد جروين ؛ امراة فلسطينية قتلت شقيقها المنتمي الى الدولة الاسلامية ؛ بعد أن شارك في قتل ابنها في منبج ؛ ثم أقدمت على تفجير حزامها الناسف عند اكتشاف امرها ؛ والتفافهم حولها ؛ لتقتل عشرة عناصر آخرين ؛ وتسقط قتيلة في عملية امنية انغماسية في مدينة منبج كذلك .
هذا الصراع الدموي الجنوني ؛ الرجل يقتل ابن شقيقته ؛ والشقيقة تقتل شقيقها ؛ وتقتل عشرة من أبناء دينها ؛لا بل من أبناء طائفتها ، ثم تقتل نفسها ، هل هذا ارهاب ؟ هذا جنون . من الذي اوصل المسلم الى الاقبال على قتل ذاته ؛ بلا تردد ؟ أعتقد أن للساديين الذين يعيشون جنون العظمة اجابة تتناقض واجابة الشعوب التي تبحث عن حياة ؛ يسودها الامن والمحبة والاخاء .
لم يقتصر العنف على مواقف فردية في الصراعات المتنقلة على مستوى عربي او اسلامي ؛ بل تعداه الى عنف التنظيمات الاسلامية المتطرفة ؛ وقد نحّت رحمة الاسلام جانبا ؛ واعتمدت العين بالعين والسن بالسن والبادئ اظلم ؛ فتباهت بدموية المشاهد ( العقابية )واتخذتها سلاحا تحارب به اعداءها ؛استهدفت الطائرة المدنية الروسية في شرم الشيخ والضاحية الجنوبية في بيروت وعدة مواقع في باريس وفندقا في باماكو في مالي والضحايا مدنيون ، ورسول الله _ صلى الله عليه وسلم يقول _ ( لا تقطعوا شجرة ، لا تقتلوا بهيمة ، لا تقتلوا شيخا ولا امرأة ولا طفلا ) فبأي دين يدينون واية سنة يتبعون ؟
تلك فوضى حروب ؛ انتشرت على صعيد عالمي ؛ صنعت من التحالفات كراة ثلج متدحرجة ، لا حجم لها ثابت ولا حصر لأشكالها المتغيرة ؛ تحالف تقوده روسيا لحماية ما تبقى من سلطة الاسد ، وتحالف مناهض تقوده امريكا ؛ الذي بدا يذوب لصالح التحالف الروسي ، ثم تتراخى قوة التحالف الايراني الروسي نتيجة اختلاف الرؤى المستقبلية لمصير الاسد ومستقبل الهيمنة وتحقيق المصالح القومية لكل منهما . في حين اجبرت الحرب المفتوحة التي شنتها الدولة الاسلامية على اعدائها في الشرق والغرب على التقريب بين وجهات نظر الفرقاء المتباعدة ؛ حتى توجت بالتئام مجلس الامن والاتفاق على التكاتف للقضاء على الدولة الاسلامية ؛ تحت اجواء الشعور بالعجز واليقين بانهم يبحثون عن هدف متحرك ؛ لا يكاد يختفي حتى يظهر مرة اخرى من جديد .
رحى الحرب تدور ؛ في الوقت الذي تتغلب عليها النزعة السادية عند ذوي النفوذ والسطوة ؛ تحت ذرائع العقاب والقضاء على الارهاب ،أو شرعية رد الاذى واشفاء الغليل بسرعة الانتقام . يعلو صوت الاعلام للتغطية على جرائم ارهاب الدولة ، ويخفت صوت الاعلام عند الشعوب المغلوبة ؛ تتفجر منها تنظيمات مسلحة ، وقيادات متطرفة ؛ تؤمن بقدرتها على خلق معادلة توازي الرعب مع العدو ؛ مما يجعل من عامة الناس حصيدا سائغا لحريق حرب يتضور جوعا ؛ ولسان حاله يقول : هل من مزيد ؟
.............................................................................................................

بقلم : بديع عويس