إسرائيل: التهديدات الاقتصادية الروسية ـ التركية

بعد إسقاط تركيا للمقاتلة الروسيّة "سوخوي ـ 24" فوق الأراضي السورية، بدا لكثيرين أنَّ الوضع يتجه نحو تصعيد، وأنَّ حرباً عالمية تلوح في الأفق. كان يمكن لشيء من هذا أن يحدث لو كانت الظروف العالميّة مشابهة لما كانت عليه في زمن عالم القطبين، أو لما يعتقد البعض أنَّه قد يكون في عالم متعدّد الأقطاب. فالحديث يدور ليس فقط عن دولتين تمتلكان القوة، وإنَّما كذلك عن زعيمين يطمح كلٌّ منهما إلى استغلال الوضع العالمي الراهن لترسيخ مكانته في العالم الجديد الذي يتبلور. وبرغم الحديث عن دولتين وزعيمين، إلَّا أنَّ طموح كل منهما يمكن أن يتعارض مع ما بنياه من تعاون كبير في إطار ما عُرِف بالشراكة الاستراتيجيّة.
هذا ما دفع العديد من المعلّقين السياسيين إلى إضفاء مكانة أعلى للاقتصاد ممّا ظنّ الكثيرون في الشارع. بل إنَّ الكثير من المعلّقين الاقتصاديين، القارئين لدوافع ومكانة الدولتين والزعيمين، يشعرون بأنَّ حجم المقامرة لدى كلا الطرفين، إذا ما فكّر أحدهما في الذهاب بعيداً على هذا الصعيد، قد يكون هائلاً. وربَّما لهول الحجم، يشير المعلّقون الاقتصاديون خصوصاً، إلى أنَّ التهديدات الاقتصادية، من الجانبين، ليست سوى ورقة ضغط سياسي موضعية، يصعب تحويلها إلى وقائع.
ويستذكر معلّق الشؤون العربية في "هآرتس"، تسفي بارئيل، أنَّ جانباً من الأزمة الراهنة يعود إلى ما قاله الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، في الجمعية العامة للأمم المتحدة، حين أكَّد أنَّ "الوحيدين الذين يحاربون داعش، هم الجيش السوري والثوار الأكراد". حينها، استشاط الرئيس التركي رجب طيب أردوغان غضباً، واعتبر كلام بوتين بمثابة اتّهام لتركيا بأنَّها تدعم "داعش"، أو على الأقل لا تحاربه، فحمل على روسيا، معلناً أنَّها إذا واصلت مهاجمة قواعد المعارضين للأسد، فإنَّ أنقرة ستراجع علاقاتها مع روسيا. وإذا لم يفهم حينها أحد كلامه، فإنَّه عمد إلى التفسير قائلاً: يمكن لتركيا أن تتوقّف عن شراء الغاز الروسي، وحتى يمكن أن تلغي عقود إنشاء مفاعلات نووية لإنتاج الكهرباء مع روسيا بقيمة 20 مليار دولار.
وكتب بارئيل أنَّ التهديد التركي كان فارغاً، بسبب أنَّ أكثر من نصف احتياجات تركيا من الغاز تستورد من روسيا. وبحسب الاتفاقات، فإنَّ تركيا ملزمة بشراء كمية ثابتة من الغاز ودفع ثمنها حتى لو لم تستوردها فعلياً. لكن تركيا طلبت من شركة "غازبروم" الروسية زيادة الكمية بثلاثة مليارات متر مكعب من الغاز للعام 2016، وهو ما رفضت روسيا توفيره كجزء من سلّة العقوبات على تركيا. كذلك، فإنَّ اتفاقات بناء المفاعلات النووية أبرمت، وإذا ما أرادت روسيا إبطالها، فإنَّها ستضطر إلى دفع تعويضات هائلة.
لكن روسيا عاقبت تركيا بمنع شاحناتها من المرور عبر الأراضي الروسية باتجاه قرغيزستان، كازخستان، طاجيكستان ومنغوليا، الأمر الذي يضرّ الصادرات التركية بحوالي ملياري دولار. ولكن لدى تركيا بدائل لجزء من هذه العقوبات عبر المرور في أراضي دول أخرى.
لكن مشكلة روسيا مع العقوبات على تركيا كبيرة أيضاً بسبب احتياجاتها المتصاعدة. فروسيا تحتاج تركيا جداً في هذا الوقت بالذات الذي تفرض فيه أوروبا وأميركا عقوبات اقتصادية عليها، على خلفية الأزمة الأوكرانية. والاقتصاد الروسي بحاجة إلى الأموال والاستثمارات التركية لتحسين الوضع الاقتصادي في الدولة التي تتعرّض لأزمة حقيقية. كما أنَّ روسيا بحاجة إلى تركيا من وجهة نظر سياسية خصوصاً أنَّها تتطلّع إلى تحقيق تسوية في سوريا تحت رعايتها، ولتركيا نفوذ كبير على العديد من القوى التي يمكنها إفشال المسعى الروسي.
ويشرح الخبير الاقتصادي الإسرائيلي، دورون باسكين، تعقيدات العلاقة الاقتصادية الروسية ـ التركية، فيوضح أنَّ التوترات السياسيّة الحديثة بين روسيا وتركيا بدأت في العام 2011، ولكن الأعوام الأخيرة شهدت تطوّر العلاقات الاقتصادية بينهما. وكتب أنَّه خلافاً للجانب السياسي "تعمقت العلاقات بين الدولتين ووصل حجم التجارة بينهما إلى 30 مليار دولار في العام الماضي. إذ يصدّر الأتراك لروسيا منتوجات زراعية ويعملون كوسطاء للالتفاف على العقوبات الاقتصادية الأوروبية على روسيا. وفي كل عام تنفذ شركات تركية مشاريع بمئات الملايين من الدولارات في السوق الروسية".
ويضيف باسكين أنَّه بسبب العقوبات الأوروبية تآكلت قيمة الروبيل الروسي، فصارت تركيا هدفاً منشوداً للسياحة الروسية. وفي العام 2014، وصل 3.5 ملايين سائح روسي لقضاء إجازاتهم في تركيا، ما أدخل للاقتصاد التركي أربعة مليارات دولار. ويستدرك باسكين أنَّه بعد هجرة السياح الروس لمصر، فإنَّ تركيا بقيت الملاذ الرخيص الذي قد يتعرّض لضربة إذا ما نفَّذ بوتين تهديداته.
ويشير إلى أنَّ أحد المشاريع المشتركة التي قد تتعرَّض للضرر، مشروع خط الغاز من البحر الأسود إلى تركيا. ومشروع آخر يمكن أن يتضرّر، وهو محطة الطاقة النووية قرب مدينة مارسين والمقرر أن ينتج 1200 ميغاوات في الساعة. وقد استثمر الروس في المشروع حتى الآن ثلاثة مليارات دولار من بين 20 ملياراً مقررة. وهناك انتقادات تركية كثيرة للشركة الروسية التي تنفذ العقد، ما قد يدفع أردوغان إلى استغلال الظروف الراهنة لإبطاله.
ويخلص باسكين إلى القول إنَّه برغم وجود زعامة متعجرفة في كل من روسيا وتركيا، إلَّا أنَّ المصالح لم تمنعهما من تطوير العلاقات الاقتصادية بينهما. ويقول إنَّه لا شك أنَّ بوتين يتطلع "لإيلام أردوغان اقتصادياً، لكنه لن يكسر الأواني معه. لأنَّ روسيا في نهاية المطاف بحاجة إلى تركيا مثلما أن تركيا بحاجة إلى روسيا. وكل خطوة متطرّفة من جانب أيّ من الدولتين في الجانب الاقتصادي، قد تغدو سيفاً ذا حدين".
وكانت وكالة "بلومبرغ" قد أشارت إلى أنَّ لروسيا عشرة مليارات سبب لعدم التصعيد الاقتصادي مع تركيا التي تشتري منها غازا بقيمة عشرة مليارات دولار. وأشار الموقع في تحليل اقتصادي إلى أنَّه عندما توضع على الكفة مبالغ كهذه، فإنَّ روسيا قد تنظر للردّ على إسقاط الطائرة، في ميادين أخرى. وينقل الموقع عن الخبير في شؤون الطاقة، جون روبرتس، قوله إنَّ "تركيا بالتأكيد لا ترغب في إنهاء اتفاقات الطاقة القائمة، لكن بشكل شبه مؤكد ستبحث عن علاقات طاقة بديلة. والاحتمالان المتوفران هما شراء الغاز من أميركا أو من إيران".
وأشار موقع "بلومبرغ" إلى أنَّه برغم أنَّ تركيا لا يمكنها التحرر فوراً من حاجتها للغاز الروسي، إلَّا أنَّها تمتلك قوة مساومة. فتركيا تشتري من "غازبروم" ما يعادل 17 في المئة من قيمة صادراتها إلى خارج دول الاتحاد السوفياتي سابقاً. وتركيا تستورد حالياً الغاز أيضاً من إيران.كما جاء في تقرير لصحيفة "السفير" اللبنانية

المصدر: القدس المحتلة - وكالة قدس نت للأنباء -