الهبّة الشعبية لتحرير فلسطين من قيود أوسلو

دخلت الهبّة الشعبية الفلسطينية شهرها الثالث من دون ظهور علائم تراجع أو تراخٍ في حدّتها، بل على العكس من ذلك تزداد رسوخاً مع استمرار وتزايد القمع الإسرائيلي. وفي هذه الأثناء تتجلّى المعضلة الإسرائيلية بكامل صورتها في الخلاف بين المؤسستين العسكرية والإسرائيلية حول سبل التعامل مع هذه الهبة وتجلياتها في ظل الحديث عن احتمالات انهيار السلطة الفلسطينية. وفيما يخشى الجيش من أن استمرار الهبّة وتصاعدها يمكن أن يؤذي جداً استعدادات إسرائيل لمواجهة المخاطر المحيطة، لا ترى القيادة السياسية اليمينية أبعد من موطأ قدمها.
وتقريباً في كل يوم، وبعد كل عملية ينفذها فلسطيني، تزداد حدة الأصوات السياسية المطالبة بـ "ترك الجيش يجلب الانتصار". ولأن الجيش يرى أنه لو توفرت له الوصفة السحرية للقضاء على الهبّة لما تردد في استخدامها يتعرض قادته لانتقادات متزايدة من جانب أوساط في الحكومة. وقد بلغ الحد أخيراً بزعيم "إسرائيل بيتنا"، أفيغدور ليبرمان لاعتبار أن الحديث عن أن رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو يحارب الإرهاب أقرب إلى نكتة. وبديهي أنه ليس وحيداً في رؤيته هذه التي يشاركه فيها قادة المستوطنين ووزراء البيت اليهودي. وكل هؤلاء لا يتوانون عن مطالبة الجيش بمزيد من القتل والتدمير والمصادرة والإبعاد والاعتقال ...الخ.
وبدأت أخيراً في الحكومة الإسرائيلية محاولات لتقييد صلاحيات جهات يعتبرونها كابحة لمطالبهم. وعلى سبيل المثال أقرت الحكومة مؤخراً خطوات تشديد العقوبات على راشقي الحجارة ورماة الزجاجات الحارقة، بحيث لا تقل عن اعتقال لعامين لإجبار القضاة على رفع وزيادة الأحكام. ويعرض نواب مشاريع قوانين لتضييق حرية عمل الجيش الإسرائيلي ومن بينها إجباره بشكل تلقائي على محاصرة وفرض حظر تجوال على المناطق التي يخرج منها منفذو العمليات. وطلبت الحكومة من الجيش زيادة وتيرة الاعتقالات ومداهمة المراكز الفلسطينية التي تتّهمها إسرائيل بالتحريض على العنف ومن بينها محطات الإذاعة. ويسعى نواب لسنّ قوانين ترمي إلى فرض عقوبات جماعية من قبيل سحب الجنسية أو الهوية الزرقاء من كل أفراد عائلة أي شخص يُقدِم على عمل ضد الدولة وطردهم إلى قطاع غزة.
ورغم أن الكثير من الخطوات والقوانين التي تقرّ في إسرائيل مخالفة لشرعة حقوق الإنسان والمواثيق الدولية إلا أن قضاة الدولة العبرية يخترعون الذرائع لتمريرها. فالعقوبات الجماعية باسم الأمن صارت بديهية من بديهيات التعاطي السياسي والأمني في إسرائيل، رغم أنها مؤخراً صارت تدّعي أنها مؤقتة.
وينتقد ليبراليون في إسرائيل منطق الحكومة الإسرائيلية الذي يعمل على تخليد الصراع ويحول دون توفير أي أمل بإمكانية التخلص من الحالة القائمة. ويرى هؤلاء أن اليمين المتطرّف الحاكم يريد إقناع عموم الإسرائيليين بأن ما يجري هو قدر لا رادّ له وأنه ينبغي التعاطي مع هذا على أنه أبدي إلى أن تتغيّر طبيعة العرب. ويشدّد معلقون سياسيون وإسرائيليون على أن منهج حكومة إسرائيل لا يترك خيارات سوى استقبال داعش وأمثالها التي صارت تقترب بشكل متزايد. وإذا أخذ البعض باحتمالات انهيار السلطة التي صارت موضع ترحيب من بعض أوساط الحكومة ممن تتمنّى انهيار اتفاقيات أوسلو وإعادة فرض السيطرة الإسرائيلية على الضفة الغربية، فإن ما يحدث اليوم ليس سوى مثال صغير عما سيحدث في المستقبل.
وللمرة الأولى يرى بعض العقلاء في إسرائيل أن الصورة صارت مقلوبة، حيث إن الجيش، ولاعتبارات موضوعية يطالب بإيجاد فسحة أمل وتقديم تسهيلات ودعم السلطة الفلسطينية التي منعت مئات العمليات ضد إسرائيليين وحافظت على الهدوء، في حين يدعو الوزراء للتصعيد. ويرى السياسي العمالي البارز سابقاً، عوزي برعام أن وزراء حكومة نتنياهو ينطلقون من موقف أيديولوجي وعقائدي أساسه أن ما يحدث ينطلق من كراهية العرب لليهود بوصفهم يهوداً وليس لأن الفلسطينيين في ضائقة أو يعانون من الاحتلال. وأشار إلى أنه "في ظروف حرب السكاكين محظور إخفاء الحقيقة. الضفة الغربية هي منطقة محتلة في رأي كل العالم. وسياسة الحكومة ستؤدي الى حدوث العمليات ولا يوجد حل في ظل غياب المبادرة السياسية، أو خطوة أخرى تقرأ الواقع بشكل معقول وتفهم طبيعة حياتنا مع الفلسطينيين. نحن نعيش في عالم غريب، حيث أصبح الجيش واقعياً، أما السياسيون فهم الفظّون الذين يعتمدون فقط على القوة. إسرائيل 2015 هي عالم مقلوب".
في كل حال فإن حكومة إسرائيل تحاول البحث عبثاً عن أية حلول سحرية توقف الهبّة وتعيد الأوضاع، على الأقل، إلى ما كانت عليه من دون أن تدفع أي شيء بالمقابل. فلا هي تريد تعزيز التعاون من السلطة وقد رفضت الرزمة الأميركية التي حملها معه مؤخراً وزير الخارجية جون كيري. وهي تريد مواصلة التنسيق الأمني ولكن مقابل استمرار التسهيلات الاقتصادية وليس على طريق تحقيق سلام. وتتحدّى إسرائيل الفلسطينيين والعالم باستمرار القمع والاستيطان لإدراكها بانشغال العالم عن المسألة الفلسطينية في الظروف الإقليمية والدولية الراهنة. لكنها تعجز عن فهم أن الفلسطينيين الذين جرّبوا تقريباً وسائل القمع الإسرائيلية كلها عازمون على أن لا يتركوا الاحتلال يبقى من دون مقابل. وهذا هو المعنى الحقيقي للهبّة التي تعرف أن الانتفاضة الأولى حرّكت الأمور نحو اتفاق أوسلو لكنها تسعى للخروج من قيوده. ولذلك هي في تصادم ليس مع إسرائيل وحسب.

المصدر: تقديم وترجمة: حلمي موسى -