كلما فُتح معبر رفح البري، المتنفس الوحيد لسكان قطاع غزة، بعد فترة طويلة من إغلاقه، تتكشف معه معاناة ومأساة شعب بأكمله، ما يزال يرزح تحت حصارٍ إسرائيليٍ مُشدد، زاد من ضنكه إغلاق معبر رفح، من قبل السلطات المصرية، لدواعِ سياسية، وأخرى أمنية.
"107أيام" مرت ومعبر رفح مُغلقًا، لحين جاء القرار، الذي انتظره الكثير طويلاً مساء الثاني من ديسمبر/كانون أول 2015، بفتحه يومين استثنائيًا ولساعاتٍ وفئاتٍ مُحددةٍ، وهي "المرضى، الطلبة، حملة الإقامات، الجنسيات الأجنبية"..
كان ذاك الخبر مُفرحًا للكثير من العالقين، خاصة ممن يحتاجون للسفر بشكل ماس، "كالمرضى المُهددة حياتهم بالخطر، والطلبة المُهدد مُستقبلهم بالضياع، بفقدان مقاعد دراستهم، وحملة الإقامات الذين انتهت إقاماتهم، وأماكن عملهم.."، لكنه لم يبدوا كذلك (ذاك الخبر)، لمن ينتظر فتحه بغرض السياحة أو التجارة..
وتجسدت الحاجة للسفر، والأزمة الإنسانية الخانقة، والناتجة عن إغلاق المعبر لفترةٍ طويلة، صباح اليوم، من خلال تدفق الآلاف للصالة الخارجية من المعبر في الجانب الفلسطيني، وتكدس مئات المركبات على جنبات الطريق المؤدي له، عدا المئات كذلك أمام بوابته، فيما أغمي على البعض من شدة ضيقهم، بسبب الازدحامات الشديدة..
مرارة التشتت..
ليلى قاسم "66عامًا" أتت لغزة قبل نحو سبعة أشهر، لزيارة أبنائها في القطاع، ومن ثم العودة لمقر إقامتها بجمهورية مصر العربية، لكن تقطعت بها السُبل، ولم تتمكن من العودة، جراء إغلاق المعبر لفترة طويلة، كما لم تتمكن من السفر في أخر مرة فتح فيها المعبر قبل "107يومًا"، ما فاقم من معاناتها.
وتلفت "قاسم" التي تحمل الجنسية المصرية، وهي تجلس برفقة ابنتها على حقائبها، في الصالة الخارجية بمعبر رفح، في ظل البرد القارص، إلى أنها حاولت التسجيل للسفر في مجمع أبو خضرة الحكومي بمدينة غزة، بعدما استخرجت بطاقة فلسطينية تعريفية، وكان دورها "9490"، وهو بعيد جدًا، ولم يكن لها فرصة قريبة في السفر، ما دام المعبر على حاله هكذا..
وتشير بعدما تنهدت قليلاً واستشاطت غضبًا، إلى أنها توجهت لأحد مكاتب السفريات للحصول على تنسيق سفر، وطلب منها مبلغ "2000دولار أمريكي"، للحصول على تنسيق سفر، فرفضت ذلك، وأجبرت على انتظار دورها في السفر، وتضيف "تلك المبالغ حرام تُدفع لأجل السفر، فهي طائلة، ولا طاقة لنا بها".
وتشدد "قاسم" لـمراسل "وكالة قدس نت للأنباء"على ضرورة أن تُعطي السلطات المصرية أولوية في السفر لحملة الجنسيات والإقامات المصرية، كونهم أبنائها، ولا تتركهم يتجرعون هذه المعاناة، وهذا الألم المُتفاقم يوميًا، مع استمرار إغلاق المعبر، مشيرة إلى أنها أتت منذ الصباح الباكر بحدود الساعة "5صباحًا" ولم تتمكن من السفر.
وتطالب المواطنة المصرية السلطات المصرية المعنية والمُختصة بما فيها الرئاسة المُمثلة بالرئيس عبد الفتاح السيسي، بفتح معبر رفح البري في الاتجاهين، أمام كافة الحالات، دون شرط أو قيد، حتى يتمكن الجميع من القدوم والمغادرة والتزاور بحرية، ومن يريد أن يتعالج أو يدرس أو يعمل يخرج ويعود، دون عوائق..
أصغر عالق!
أما سوزان القولق "27عامًا" فتحمل طفلها "أكرم" البالغ من العمر "عام" بعدما أتت به وعمره ستة أشهر لزيارة ذويها في قطاع غزة، والعودة بعد أيام، لكنها لم تتمكن، جراء إغلاق المعبر، وحاولت مراتٍ عدة سابقًا، خلال أخر مرة فتح المعبر فيها السفر، ولم تتمكن.
وتقول "القولق" لـمراسل "وكالة قدس نت للأنباء" : "بعد عناء سجلت للسفر، وأدرج اسمي بكشوف وزارة الداخلية بغزة، وحصلت على رقم (12.826)، وطفلي استخرجت له رقم هُوية لاحقًا، ووضع رقمه (13.146)، أي بعيد عني بحوالي 1000اسم، فكيف سأسافر عندما يصلني الدور بدونه؟!"..
وتضيف "القولق"، "يفترض ما حدث ألا يحدث معي، فنحن حالات إنسانية، وليس لنا مكان هنا، فزوجي وبيتي في السعودية، وإقامتي شارفت على الانتهاء، فيفترض أن أغادر برفقة طفلي، بعد أسبوعين من قدومنا، دون عوائق، كحق طبيعي، لكن لم نتمكن، لإغلاق المعبر".
ولا يختلف حال محمد المدهون "27عامًا" والد الطفل المريض إسلام "6أعوام"، فهو الأخر كما يتحدث لـمراسل "وكالة قدس نت للأنباء" ينتظر منذ أشهر السماح له بالسفر، لعلاج نجله على نفقته الخاصة في تركيا، والذي يُعاني من تضخم في أنزيمات الكبد، ما تسبب بتضخمات ووباء..
ويشير المدهون _بينما يحمل نجله بيده والأخرى يُمسك بها أوراقه وتقاريره الطبية_إلى أنه يحمل أوراق ثبوتية لنجله المريض، إلا أنه انتظر طويلاً لحين أتت الفرصة كي يُغادر، ويفترض أن يكون نصيبه اليوم في السفر لعلاج نجله، قبل فوات الأوان.
وفتحت السلطات المصرية، صباح الخميس، معبر رفح البري استثنائيًا ليومين في الاتجاهين لتنقل العالقين على جانبي المعبر، بعد إغلاق استمر نحو "107يومًا" بحسب وزارة الداخلية وهيئة المعابر في غزة، التي أكدت على لسان الناطق باسمها إياد البزم أن فتحه ليومين غير كافِ.
وشهد مكتب تسجيل المُسافرين في مقر أبو خضرة الحكومي وسط مدينة غزة منذ ساعات الصباح الأولى اكتظاظاً غير مسبوق لآلاف المواطنين المُسجلين للسفر.
وعبَّر مئات المواطنين المُسجلين للسفر عن استيائهم الشديد بسبب استمرار إغلاق المعبر أمام أكثر من 25 ألف مواطن في القطـاع أكثرهم "مرضى وطلاب وأصحاب إقامات".
وأكد المواطنون أن فتح المعبر _بشكلٍ استثنائي_ لمدة يومين بعد إغلاقٍ استمر لأكثر من 107 أيام على التوالي لا يُلبي جزء يسير من احتياجاتهم الإنسانية.
ومنذ مطلع العام الجاري – المشارف على نهايته - لم تفتح السلطات المصرية المعبر إلا 20 يوماً فقط وعلى فتراتٍ متباعدة غادر من خلالها عددٌ بسيط من آلاف الحالات الإنسانية التي تنتظر دورها في السفر أو انتظار الموت على سرير المرض.
