واصل وزير الخارجية الأميركي جون كيري حملته على السياسة التي ينتهجها رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو، والتي تبعد احتمالات التوصل إلى سلام بين الإسرائيليين والفلسطينيين.
وبعد كلامه الأسبوع الماضي في "منتدى صبان" في العاصمة الأميركية عن الدولة الثنائية القومية، عاد وقال في مقابلة موسعة مع مجلة "نيويوركر" إن إسرائيل قد تغدو "كياناً لا يمكن إدارته"، وإنه "بالتأكيد توجد سبل أذكى للحفاظ على الدولة اليهودية". وكشف كيري في المقابلة النقاب عن أن الرئيس السوري بشار الأسد "كتب اقتراحاً لاتفاقية سلام"، قبل أحداث "الربيع العربي"، لكن نتنياهو ردّ بـ "لا أستطيع".
وفي مقابلة شاملة تركزت حول السياسة الخارجية الأميركية، ونشرت في العدد الجديد لـ "نيويوركر"، لم يعد وزير الخارجية الأميركي يُطلق تلميحات، بل كلاماً واضحاً كبيراً. وقال مخاطباً الحكومة الإسرائيلية: "هل ستُكَوّنون مسادا كبيرة أخرى؟ هذه ليست طريقة للحياة".
وشدد كيري على وجه الخصوص على القلق الذي ينتابه من احتمال انهيار السلطة الفلسطينية. وفي نظره، فإنه في حالة كهذه، سيغدو 30 ألف شرطي فلسطيني من دون عمل، والفوضى قد تقود إلى مواجهات أعنف مع إسرائيل. وقال: "أنا أفهم خلفية النزاع. ولو أنه سهل، لتمّ حَلُّه منذ زمن. ولكني أؤمن بأن ثمة سبيلاً للتقدم، وأن هناك حلاً. وهذا سيكون جيداً لإسرائيل، وسيكون ممتازاً للفلسطينيين، وسيكون ممتازاً للمنطقة. والناس ستربح الكثير من المال، وستَنشأ الكثير من فرص العمل، ويمكن أن يحل السلام. ستكونون أقوى".
وأوضح كيري أن "البديل ليس أن لا تفعلوا شيئاً، وأن تتفاقم الأوضاع. فسيكون حزب الله أقوى، وستزداد الصواريخ، وستكون جميعها موجهةً في اتجاه واحد. وماذا سيحدث حينها؟ هل ستكونون مسادا كبيرة أخرى؟ هذه ليست طريقة للحياة. هناك طرق أشد ذكاءً واستراتيجية للحفاظ على الدولة اليهودية، وأن تكون نوراً للأغيار الذين شهدوا كلهم تأسيس إسرائيل".
ورداً على سؤال إن كان بوسعه أن يتخيل "نهاية دولة إسرائيل"، رد كيري بالنفي: "أنا لا أعتقد أن هذا يمكن أن يحدث. السؤال هو كيف ستبدو. هل ستكون ديموقراطية؟ هل ستكون دولة يهودية؟ أم أنها ستكون دولة واحدة لمنظومتين مختلفتين، أم ستكون معاملة استبدادية للفلسطينيين، لأن منحهم حق الانتخاب سيقود إلى إفراغ الدولة اليهودية من محتواها؟ أنا لا أعرف. لا جواب عندي. المشكلة أيضاً أن لا جواب عندهم، عند من يفترض أن يوفروا الأجوبة. ليس جواباً بسيطاً مواصلةُ البناء في الضفة الغربية، وهدم بيوت الناس الذين تريد أن تصنع معهم السلام، وتتخيل أن هذا جواب".
ويكتب الصحافي دافيد ريمنك الذي أجرى المقابلة عن تعقيدات العلاقات بين كيري ورئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو. وأشار إلى أن كيري اعتاد الحديث بضبابية عن محاولاته المتكررة التوصل إلى تسوية بين الإسرائيليين والفلسطينيين. ونقل عن كيري قوله إن "أشياء أسوأ من ضبطك وأنت تحاول". ويقول إن محاولته الأخيرة حررته من أوهامه. وصار كيري يتحدث بوضوح عن أنه لن يتدخل إلا إذا جاء الإسرائيليون والفلسطينيون يطرقون بابه.
في العام 2014، حينما كان كيري كالمكوك يتنقل من عاصمة إلى أخرى، قال وزير الدفاع الإسرائيلي موشي يعلون إن "الشيء الوحيد الذي يمكن أن ينقذنا هو أن يفوز جون كيري بجائزة نوبل ويتركنا بسلام". حينها، اتهم يعلون كيري بأنه "يأتي مصمماً ويتصرف من منطلقات هوس مسيحاني".
وما لم يقله ريمنك على لسان كيري، نقله عن المقربين منه. فكيري لا يعتبر أن نتنياهو يخرج عن السياق برفضه التسوية، لأن أغلب وزرائه يُجهرون بمعارضتهم لحل الدولتين. والمقربون من كيري يرون أن نتنياهو لا يستحق الثقة، وهو قليل الأدب تجاه الرئيس الأميركي، ويركز على التكتيك وتحقيق الأهداف القصيرة الأجل، من أجل ألا يخسر ناخبيه اليمينيين.
وينقل ريمنك عن مقرب من كيري قوله إن "الخيبة من الإسرائيليين بلغت عنان السماء" أثناء المباحثات النووية مع إيران. ووصف هذا المسؤول الأجواء في البيت الأبيض ووزارة الخارجية الأميركية بالمُحبَطة، ومن الفلسطينيين أيضاً، لكنه استدرك قائلاً إن "هؤلاء ليست لديهم قوة في هذه الديناميكية. أما الإسرائيليون، فكانت لديهم كل الأوراق".
ويبدي المقربون من كيري أيضاً غضبهم على نتنياهو بسبب المستوطنات، ولطريقة استخدامه لمبعوثه، اسحق مولخو، من أجل خنق حتى الاتصالات الأقل أهمية. وهذا ما دفع مبعوث كيري للمفاوضات، فرانك ليفنشتاين، للقول إن "فرصة حل الدولتين تزداد انغلاقاً. لكن أياً منا ممن عمل على ذلك لن يأسف، لأننا حاولنا الإنقاذ".
وبحسب المقابلة، فإنه في العام 2010، أي قبيل "الربيع العربي"، التقى كيري الرئيس السوري بشار الأسد مرات عدة في دمشق بناءً على طلب من أوباما. فالإدارة الأميركية أرادت إنجاح أي اتفاق سوري - إسرائيلي. وبحسب كيري، فإن الرئيس الأسد أبلغه أنه من أجل صنع السلام مع إسرائيل يلزمه استعادة هضبة الجولان. ورد كيري بأنه "من أجل وضع المسألة على الطاولة، ينبغي على سوريا وقف كل حركة السلاح من سوريا إلى حزب الله في لبنان وحماس في غزة".
وقال كيري: "بوضوح أرسلنا له رسالة حادة جداً بمعنى أنه يجدر بك أن تفعل هذا، وإلا"، لكني أيضاً تباحثت معه لأنه أراد الحديث عن موضوع آخر: العلاقات المستقبلية مع إسرائيل. وأنا لا أعتقد أنه سبق لي وتحدثت عن ذلك علناً، لكنه كان على استعداد لإبرام صفقة مع إسرائيل. وإثبات ذلك هو رسالة لا تزال عندي، كتبها الأسد ووقع عليها، وفيها اقتراح بأنه مستعد للاعتراف بإسرائيل، وأن ينشئ فيها سفارة، ويصنع السلام، والتعامل مع مسألة الجولان وسواها". ويكتب ريمنك أن ممثلاً عن الحكومة السورية أنكر أن الأسد كتب في أي مرة رسالة كهذه.
وبحسب وزير الخارجية الأميركي، فإنه عندما اكتشف نتنياهو أمر المباحثات صار متردداً. وقال: "وصل نتنياهو إلى واشنطن، وأحد الأمور الأولى التي خرجت من فمه في الغرفة البيضاوية كانت: أنا لا أستطيع فعل ذلك. أنا لن أفعل ذلك، أنا ببساطة لا أستطيع".
وأشار كيري في المقابلة إلى أن الرئيس الأسد حدثه أيضاً عن أن العزلة الاقتصادية لسوريا ومعدلات البطالة العالية يمكن أن توقع النظام في انتفاضة أصولية. وطلبت سوريا من كيري مساعدة اقتصادية، خصوصاً إنشاء أنبوب للعراق ومساعدات تكنولوجية وطبية.
