العرب السنة في العراق ؛ بعد تحديث عجلة الحرب الطاحنة فوق ارضهم ؛ غدوا ؛ يتضورون جوعا للامن والسلام ؛ غدوا أيتاما على موائد اللئام . لم يوفر لهم الغزو الامريكي أمنا بعد احتلال العراق ، ولم ينعموا بطعم الاستقرار بعد المحاصصة الطائفية والقومية ، ولم تهبط عليهم الدولة الاسلامية برحمة الاسلام ، ولم تجلب لهم نخوة الصحوات ؛ سوى مزيد من اراقة الدماء واستفحال الفتنة العشائرية والطائفية .
وعن قوات الحشد الشعبي - ميليشيات شيعية موالية للحكومة –تواردت الانباء عن طعنهم للامام الحسين في ظهره ؛ حرّفوا معنى ( هيهات منا الذلة ) ولم يصغوا الى ( محمد رسول الله والذين معه أشدّاء على الكفار رحماء بينهم ) بل قاموا بتنفيذ جرائم الخطف والتعذيب والقتل العشوائي والتفجيرات والابادة الجماعية والتهجير القسري لاهل السنة ؛ على أسس طائفية ؛ وبدعم من الجيش والحكومة العراقية ؛ خاصة في مناطق العراق التي استعادتها من سيطرة تنظيم الدولة . اضافة الى أنهم صعّدوا من اجراءات العنصرية والتمييز والمضايقة والعنف ومحدودية فرص وصول العرب السنة الى الخدمات والسلع الاساسية ؛ مثل المياه والغذاء والمأوى والرعاية الطبية ، وهذا ما لم يدع اليه سبط رسول الله في حياته ؛ وما لم يرض عنه بعد استشهاده .
وفي سنجار ؛ أشهرت الدولة الاسلامية السيف في وجه رسول الله ؛ وسلّطته على رقاب الصحابة ؛ من خلال ما لفتت اليه المفوضية السامية لحقوق الانسان - سيسيل بويي - باكتشاف نحو ست عشرة مقبرة جماعية ؛ تحتوي على جثث أشخاص قتلوا على يد تنظيم الدولة ، وهذا ما لم يكن من سنة الحبيب المصطفى ؛ ولا من نهج صحابته .
لم تتوقف المصائب التي تعرض لها العرب السنة في سنجار ؛ أو غيرها من المناطق المحررة من تنظيم الدولة ؛ بل تتجدد اليوم في الانبار ؛ بتجدد حرب التحرير التي يشنها الجيش والحشد الشعبي العراقي والتحالف الدولي ؛ على تنظيم الدولة . الدروع البشرية التي تدمي قلوب المتحاربين ؛ هم الاهالي من عرب السنة ؛ يعيشون حياة الرهائن المحتجزين في بيوتهم ؛ الآيلة للسقوط فوق رؤوسهم ؛ بأية لحظة زمنية ؛ حددتها غرفة العمليات المشتركة العسكرية .
بالطبع ؛ فان أمريكا هي من تتزعم التحالف الدولي في ضرب تنظيم الدولة في الانبار ؛ تزيد الاتساع في دائرة الاستهداف أو اوتحدّ منه ؛ حسبما تقتضيه مصالح كل مساهم في عملية التحرير ، لكل مساهم أن يفسر ما تعنيه عملية التحرير ؛ كيف يشاء ؛ أن يدخل مركباته العسكرية ؛ ترفع شعارا مرسوما على واجهة المركبة الخلفية ( يا علي ) ؛ حتى يتبين الهدف الاسمى لتحرير الرمادي .
لعل الرمادي تشكل اغراء لاهل فلسطين ؛ يستنجدون بدول الممانعة وتنظيماتها ؛ لتحرير القدس من الصهاينة ؛ لكن النتيجة تتجلى كما اظهرتها قناة المنار ؛ وقد تزينت بصورة الشهيد القنطار ؛ وصورة خارطة فلسطين موشحة بالعلم الايراني ؛ لعل فلسطين ؛ تتحول اسواقها الى مرتع لعشرات تنظيمات الحشد الشعبي؛ فيها تدفع الاتوات المنتظمة وغير المنتظمة ؛ ومنها يختطف اصحاب المحلات التجارية ؛ الخارجين عن الطاعة ، أو تفجّر فيها مولدات الكهرباء التجارية ؛ التي تزود الاحياء المحرومة من التيار الكهربائي الحكومي المتقطّع .
أحلام الفلسطينيين بالخلاص من احتلال اسرائيلي ؛ تحلق في سمائهم ؛ لم تغب لحظة عن خيالهم ؛ في احتلال بلادهم ؛ في شتاتهم في ليلهم وفي نهارهم ؛ أما ان يحلموا باجتياح ايراني ؛ ويستقبلوه بالورود ؛ حتى يجعل منهم قرابين ؛ لتحويل مساجدهم الى عتبات ايرانية مقدسة ؛ في الخليل ونابلس وحيفا ويافا ؛ فهذا ما لم يوفر للفلسطينيين مغنما ولا يحرز لايران وميليشياتها مفخرة او شعورا بالنصر .
المنار ومحطات فضائية واعلامية أخرى ؛ تتنافر فيها الالوان أوتتجاذب ؛ تحيي احتفالات التقدم البطيئ في معركة الرمادي ؛ وتسجّل الانتصار تلو الانتصار ؛ علها تسعف دولا ترتجف من غضب شعوب قاربت على الانفجار ؛ وقد زجّ بالغالبية منها لتختار بين احدى الحسنيين ؛ موتا بطيئا او موتا سريعا ؛ كلاهما موت ، أو لعلها تشفي غليل قلوب ادمتها المذابح الطائفية المسعورة في اليمن وسوريا والعراق والبحرين .
الشعوب ؛ التي قدر لها ان تكون وقودا ملائما للحروب الطائفية ؛ تعي أن محرك ادوات الحرب الفاعلة في ساحة الانتصارات او الهزائم ؛ سواء كان بقيادة امريكية او بزعامة روسية ؛ فانه يسعى الى تحقيق مطامع ؛ على أي حال يشاء ؛ بالتفرقة بين كيانات الشعب الواحد ؛ المرشح للحياة ان أراد ؛ ليسهل عليه السيطرة على كيانات ممزقة وضعيفة ، وتفرض شروطها في السيطرة الاقتصادية ، واحتكار كميات النفط المصدر ؛ وتحديد أسعاره ، وفتح أسواق استهلاكية للصناعات المتطورة ، وتحديد المستوى الاقتصادي المسموح به للبلاد المحررة ، والهيمنة على المؤسسات الامنية والعسكرية والثقافية والدينية والقانونية ، وغيرها من المؤسسات .
أهل الانبار في العراق ؛ والدروع البشرية في الرمادي ؛ من الشعوب التي قدر لها ان تكون وقودا ملائما لحرب طائفية ؛ افتقدوا الامن ؛ وافتقدوا الذخيرة والعتاد والتدريب العسكري الضروري ؛ لحماية أنفسهم وحماية أحياء مدنهم وقراهم ؛ قبل ان تحط في ديارهم الدولة الاسلامية ؛ ولذلك فان الاحتفالات بانتصارات الحشد الشعبي لا تغريهم ولا تحقق لهم شعورا بنشوة الانتصار ؛ حتى لو كان بدعم الجيش العراقي ؛ أو باسناد جوي من التحالف . هم على يقين أن المصائب التي تحل في ديارهم وتتساقط فوق رؤوسهم ؛ ما هي الا فوائد للغرباء ؛ محركي ادوات الحرب ، ولعنة على ذوي القربى ؛ أدعياء الوطنية والقومية ودين الاسلام .
.....................................................................................................
بقلم : بديع عويس
