الدبلوماسية الروسية – هل تعززها قنبلة القيصر ؟

بقلم: بديع عويس

تواصل الصواريخ المجنحة الروسية تساقطها من الجو ؛ وسرعة انطلاقها وصعودها من البحر ؛ تقصف القرى والمدن السورية ؛ لتسجل أنه الحدث الاهم للعام 2015 على صعيد العملية العسكرية للجيش الروسي في محاربة ( الارهاب ) .
وتزامنا مع العمل العسكري ؛ واصلت روسيا بحثها عن سبل سلمية لحل النزاع في سوريا ؛ حتى اصبحت اتفاقيات فينا اساسا لقرار مجلس الامن ؛ الذي أقرّ الاسبوع الماضي بدء مفاوضات تحت رعاية الامم المتحدة ؛ بين النظام السوري ومندوبين عن المعارضة السورية ، ثم دعا القرار ذاته الى وقف اطلاق النار .
القيادة الروسية تنشط في عدة اتجاهات ؛ في الجبهة العسكرية تقصف الغوطة الشرقية ؛ وتتمكن من اغتيال زهران علوش - أبرز قادة الثورة السورية – في محاولة لقصم ظهر المعارضة ؛ ولفرض من سيحكم سوريا مستقبلا ، وربما ارادت أن توجه رسالة ؛ مضمونها : انها لن تسمح للجماعات الاسلامية بتولي ادوار رئيسة في الحكومة السورية المقبلة ، كما أنها لن تسمح للسعودية أو تركيا – الداعمتين للجماعات الاسلامية - التاثير في محادثات السلام ، الامر الذي يشكل دافعا لروسيا ان توسع من دائرة نشاطها الدبلوماسي ؛ فالمبعوث الرئاسي الروسي لشئون سوريا ؛ يقوم بزيارة استمرت عدة ايام ؛ الى كل من العراق ثم الاردن وتل ابيب ثم الى القاهرة فالامارات .
الاندفاع الروسي وبقوة نحو التدخل المباشر في الساحة السورية ؛ جاء بهدف المحافظة على الحدود الروسية والمحافظة على مصالحها وضمان الامن الروسي ؛ من خلال القضاء على التهديدات الامنية الصادرة من اوكرانيا وجورجيا وبولونيا وافغانستان والجمهوريات الاسلامية في الاتحاد الروسي .
من زاوية اخرى فان قوة التدخل الروسي المباشر في سوريا قد ألزم امريكا التي تقود تحالفا لضرب الدولة الاسلامية في العراق وسوريا الى الحدّ من ضربات التحالف لمواقع الدولة الاسلامية في سوريا ؛ والزم كذلك تركيا الى التوقف عن المطالبة بمنطقة حدودية آمنة في الاراضي السورية ، وتوجه كل من امريكا وتركيا الى العراق وتصعيد الهجمات العسكرية للتحالف من الجو على مواقع الدولة في الانبار ، وتعزيز التواجد العسكري للقوات الخاصة الامريكية والتركية في الاراضي العراقية ؛ رغم الاعتراض العراقي ، وكان التوجه الامريكي التركي نحو العراق ؛ هو الاعتراف الضمني أو المتفق عليه على اخلاء الساحة في سوريا الى الحسم العسكري الروسي مع قوى المعارضة السورية المدعومة من تركيا وامريكا ، أو ارادت أن تغرق روسيا في حرب طويلة ؛ لا تعرف الامم المتحدة ولا مجلس الامن مداها الزمني ؛ بعد خمسة اعوام من حرب اتسمت قسوتها بالدموية والتدمير .
ادارت روسيا معركتها في سوريا ؛ بطريقة اوصلتها الى التعاون المفروض على امريكا ؛ يختلف عن طبيعة التعاون بين امريكا ودول التحالف ؛ من خلال توزيشع الادوار في ضرب البلدان والتنظيمات الاسلامية .
تضارب المصالح الايرانية الروسية على الساحة السورية ؛ ربما كان عاملا من عوامل التقارب الروسي الامريكي ؛ وفي وقت لاحق قريب ؛ ربما تطفو على السطح تضارب المصالح بين روسيا وبقاء الاسد ؛ على ان يكون الفصل بين الاسد وبين نظام حكمه ؛ كمخرج لحل الازمة السورية .
ان تعقيد الازمة السورية ؛ جعلت روسيا تدخل في حساباتها التلاقي الروسي الاسرائيلي في المصلحة الامنية ؛ الذي يقتضي اخلاء الباب مفتوحا امام النشاط العسكري الاسرائيلي في الاجواء السورية ؛ حتى لو كان الهدف ضرب الامدادات العسكرية لحزب الله ؛ وتصفية قيادات فعالة للحزب ؛ تساند النظام على الارض السورية ، لا بل انها لا تسمح بطرح اسم الحزب للنقاش في صفته تنظيم ارهابي ، في حين انها تجري المباحثات مع امريكا بخصوص الازمة في سوريا ؛ على انها هي الحلف الموازي لامريكا وان ايران تابع وليس شريكا ، وبالتالي نجد أن مصير الاسد أصبح معلقا بقرار روسي ؛ خاضعا لما تسفر عنه المساومات بين قطبي الازمة السورية ؛ روسيا وأمريكا .
التخلص من الجماعات الاسلامية في سوريا ؛ بات هدفا مشتركا تسعى لتحقيقه كل من امريكا وروسيا ؛ والخلاص من النظام لم يعد قضية ملحة عند أمريكا ، كما أن بقاء الاسد لم يعد امرا ذا شأن عند روسيا ، كيف ينتهي دور الاسد ومتى ؟ متروك الى مجريات التفاوض بين النظام السوري الخاضع الى ضغوط روسية مباشرة وبين مندوبين عن المعارضة الخاضعة الى ضغوط أمريكية غير مباشرة ؛ عبر تركيا والسعودية وقطر ؛ تحت رعاية الامم المتحدة ، وتطبيق ما تم الاتفاق عليه في مجلس الامن من وقف لاطلاق النار .
متى سيتحقق وقف اطلاق النار ؟ هذا مالا يمكن التنبّؤ به في المستقبل القريب ؛ لعدة أسباب : أنه لم يتم الاتفاق لحد الآن على فرز التنظيمات المؤيدة للنظام والمعارضة بين تنظيمات ( ارهابية ) محظورة وأخرى مناضلة مشروعة . حتى لوتم الاتفاق على الفرز جدلا ، من ينبئ بالمدى الزمني المطلوب للقضاء على التنظيمات المفروزة على أنها ارهابية ؟ والتجربة الليبية ما زالت قائمة حتى اللحظة . كذلك لو ان الرئيس بشار الاسد تنحى عن الحكم طواعية او كرها ؛ فان نظامه قائم ؛ وله من يؤازره ويوفر الدعم له .
لذلك فان اسباب ظهور المعارضة السورية ؛ وانتقالها من الاحتجاجات السلمية الى المواجهات العسكرية ؛ ستبقى قائمة حتى لو فرض نظام استبدادي بدعم خارجي . المنظمات المحكوم عليها بالارهاب ؛ ليست محصورة في سوريا فقط ؛ لها تشعباتها من حيث الجهات الداعمة لها والتنظيمات المبايعة لخلافتها في بلدان متعددة ؛ ولذلك لن تتمكن الدول المتحالفة من القضاء عليها والتخلص منها .
الطيران الروسي نجح باغتيال القائد القوي لجبهة المعارضة الرئيسة في دمشق زهران علوش ، وهذا يؤكد ان روسيا مستمرة باستهداف التنظيمات التي تقدم لها الدعم كل من السعودية وتركيا وقطر ؛ على اعتبار أنها تنظيمات معتدلة ؛ وهذا مما يؤجج الخلاف القائم بين روسيا وتركيا ؛ خاصة بعد اسقاط الطائرة الروسية في المجال الجوي التركي ؛ فوق جبل التركمان في الاراضي السورية المحاذية للحدود التركية .
درجات التحدي الروسي المتصاعدة ؛ من جزيرة القرم مرورا في العراق والانعطاف الى سوريا والتمركز فيها او ربما التورط فيها ؛ لها ما يعزز اعلاء سقفها بالزخمين العسكري والدبلوماسي ، اعتمادا على شعور بالعظمة الممتدة الى تاريخ الاتحاد السوفييتي ؛ وتحديه لنده الامريكي ، فقنبلة القيصر أو ( والدة كوزوما ) التعبير الروسي الذي يعني ( سوف نلقنكم درسا ) ؛ استخدمه الرئيس السوفييتي السابق خروتشوف عام 1959 مع ريتشارد نيكسون ؛ وقد كان يشغل حينها منصب نائب الرئيس الامريكي ؛ خلال سباق التسلح النووي في فترة الحرب الباردة .
اليوم تعتزم روسيا عرض نسخة طبق الاصل من القنبلة في معرض عن صناعة الطاقة النووية ؛ يقام في كانون الثاني 2016 تحت عنوان ( سبعون عاما على الصناعة النووية : سلسلة من النجاحات ) .
الاستعراض الروسي لنسخة ( قنبلة القيصر ) في أجواء أمنية وسياسية متوترة ؛ له دلالة على ان نشاط الدبلوماسية الروسية في الشأن السوري ؛ الذي اوصلها الى درجة الاحتكاك المباشر والتصادم مع تركيا ؛ ربما لا يوفر لها فرصة النجاة هذه المرة ؛ خاصة وان قنبلة القيصر ايفان الرهيب لم توفر الحماية للاتحاد السوفييتي من الانهيار الداخلي الذي اودى بجبروته من حيث لم يحتسب .
....................................................................
بقلم : بديع عويس