لم تنخفض حالة التأهب في الشمال. وما بدا، حاليا، كتصفية حساب، من ناحية "حزب الله"، يمكن أن يتبين أنه فصل اول وليس أخيرا في سلسلة أحداث الثأر التي تعدها المنظمة رداً على تصفية سمير قنطار. وفقط عندما تتبين صورة الاضرار التي خلفتها صلية القذائف التي أطلقتها اسرائيل، أول من أمس، نحو أهداف في جنوب لبنان، ولاسيما اذا ما وقعت اصابات، وكم عددها، سيكون ممكنا التقدير بيقين أعلى اذا كان نصر الله نزل بالفعل عن الشجرة.
صحيح حتى الآن أن ثمة احساساً في القيادة الامنية الاسرائيلية بانه اتخذت الخطوات الصحيحة التي وجهت "حزب الله" نحو عملية ثأر دنيا يمكنها ان تلبي الحاجة الاعلامية للمنظمة، دون التورط في مواجهة شاملة.
في الاسبوعين الاخيرين دارت في الجبهة الشمالية حرب عقول مشوقة. من تحت الرادار، بين اسرائيل و"حزب الله". فاللاعبان يعرفان الواحد الآخر جيدا: في اسرائيل أجريت تحليلات تستند الى معرفة قدرات "حزب الله"، انماط سلوكه، والقيود التي يعيش فيها. وقادت التحليلات الى سلسلة قرارات أثبتت حاليا نفسها. ضمن امور اخرى، اختارت اسرائيل ان تبقي في الظل الاستعدادات في الشمال قدر الامكان. فلم تصور قوافل دبابات على طرق الشمال، ولم تنطلق اعلانات دراماتيكية عن انتشار "القبة الحديدية". العدو لم يرَ خلف الحدود حشودا للقوات او تحركات استثنائية في الطرف الاسرائيلي. حيث ان الجيش الاسرائيلي ليس فقط لم يوفر له اهدافا، بل وأبقاه أيضا مشوشا حول نواياه.
جرت في الجيش الاسرائيلي في الاسابيع الاخيرة العاب حربية تضمنت اوضاعا وردود فعل. وارسلت للدوريات على الخط آليات ثقيلة تحت التغطية. وعليه، عندما اصطدمت دورية مؤللة بعبوة تم على الفور عن تفعيل خطة نار دقيقة جرى التدرب عليها مسبقا.
وتبيّن تحليل قيود القوة لدى "حزب الله" كتحليل صحيح: فشبكاته على الحدود السورية لا تؤدي وظائفها عمليا، وعليه فان احتمال وقوع عملية في الجولان ليس عاليا. عمليات محتملة في اوروبا كانت ستضعه في حرج امام الاوروبيين. وفضلا عن ذلك فان وكالات الاستخبارات الغربية تمكنت في السنة الاخيرة من احباط محاولات تنظيمية لـ"حزب الله"؛ الامر الذي يجعل من الصعب عليه العمل في الخارج. واصدار عمليات من جانب المنظمة في "المناطق" أو داخل الخط الاخضر يستدعي شبكات انضج مما له أغلب الظن الآن.
عملية استراتيجية – مثل ضرب الشبكات البرية والبحرية بالصواريخ – ستكون بمثابة اعلان حرب على اسرائيل. والايرانيون، خلافا للماضي، لم يدفعوا "حزب الله" الى تنفيذ عمليات من شأنها أن تؤدي الى فقدان السيطرة وتقليص أيام الاسد في الحكم. وحتى الروس طلبت اسرائيل منهم ان يوضحوا لـ"حزب الله" بانه اذا ما فتح النار فلن يكون الرد متوازنا. والى جانب ذلك أطلق رئيس الاركان ووزير الدفاع رسائل مشابهة علنا.
ما تبقى لـ"حزب الله" هو عملية على الحدود الشمالية. وكانت العملية التي وقعت، أول من أمس، في صيغة مشابهة لعملية الثأر التي نفذت في اعقاب تصفية جهاد مغنية في كانون الثاني 2015 في ذات الجبهة، باستثناء الصواريخ المضادة للدبابات التي لم تشغل هذه المرة من قبل "حزب الله"، (ستار الدخان الذي ألقته المدفعية العسكرية الاسرائيلية يحتمل ان يكون شوش لهم هذه المرة تشخيص الاهداف).
ويضاف الى قيود القوة لدى "حزب الله" في الايام الاخيرة المواجهة الدراماتيكية بين ايران والسعودية، وهو تطور يضمن الا يتحقق اتفاق في سورية قريبا، وسيواصل "حزب الله" المراوحة لزمن طويل في الوحل السوري، ولن يتمكن ايضا من السماح لنفسه باستنزاف قواه امام الجيش الاسرائيلي. اما اسرائيل، من الجهة الأخرى، فلم تخف نواياها لتدمير الشبكات العسكرية التي بناها نصر الله على مدى سنوات في لبنان باستثمار إيراني. هذا ثمن لا يمكن لمحور ايران – "حزب الله" أن يدفعه اليوم.
لقد جاء تردد نصر الله في الرد على تصفية قنطار ليعبر عن نفسه في خطاباته الثلاثة، وعلى نحو استثنائي، في غضون اسبوعين: ففي خطابه الاخير حاول أن يبقي في اسرائيل شكا حول نيته في العمل. فقد ألمح الى ان لاسرائيل و"حزب الله" حسابات مفتوحة – ولعله أيضا سيختار ابقاء هذا الحساب مفتوحا هو الآخر.
في اسرائيل لم يتم التأثر بالخطابات. وكان الاحساس بأنه على الجانب الآخر من الحدود اتخذ قرار بوضع حدود لاسرائيل: تنفيذ عملية تكون شارة ثمنها عالية بما يكفي كي تؤلم اسرائيل ومتدنية بما يكفي كي لا يتم الانجرار الى حرب شاملة. يعيش "حزب الله" في احساس بان اسرائيل تستغل وضعه على خلفية الازمة في سورية، وفي واقع الامر فانها لا تعد له شأنا. وعملية أول من أمس تحبطه أكثر فأكثر؛ ما من شأنه أن يشجعه على أن يأخذ مخاطر أعلى في المستقبل.
عن "يديعوت"
