الاحتلال الاسرائيلي ؛ خطا خطواته الاولى ؛ باغراء السماسرة لنهب أراضي المواطنين في فلسطين ؛ بأبخس الاثمان ؛ نتيجة عجزهم عن دفع الضرائب للخلافة المنهارة ، ثم تدرج في اثبات صلابة بنيانه وقوته حتى شارف على نهاية العقد السابع على تأسيس كيانه ؛ فوق ارض مأهولة بسكانها العرب . يفرض أمنه بخبرات وامكانات ذاتية ودولية ، وينزع الامن من حياة ملايين أصحاب الارض ؛ المشردين داخل وطنهم ؛ والمحرومين من العودة اليه .
الخطط الاسرائيلية لتوفير الامن ؛ لا تنضب ، تهدف الى وجود أمن ينسجم مع طبيعة التنوع القومي والديني ومن ثم الطائفي في المنطقة العربية وبالتالي فتح الابواب الملائمة لتحقيق هدف اسرائيل من النيل الى الفرات .
اذا لم تستطع اسرائيل توفير حياة مقبولة للفلسطينيين الذين ثبتوا في وطنهم ، ولم توفر لهم الشعور بالمواطنة منذ احتلاله عام 1948 وحتى اللحظة ، فان ذلك لم يترك اثره على الفلسطينيين الذين احتلت اراضيهم عام 1967 فحسب ، بل ترك اثره كذلك على الفلسطينيين أنفسهم الثابتين في وطنهم منذ العام 1948 ، ولذلك لم تتوقف مقاومتهم للاحتلال الاسرائيلي منذ ان حط رحاله في مدنهم وقراهم واماكنهم المقدسة .
في المقابل لم يتوقف الاسرائيليون عن تصعيد العداء اتجاه اصحاب الارض العرب ، تنظيمات دينية متطرفة واحزاب يمينية تشحن المستوطنين لابتلاع المزيد من الاراضي المحتلة وتقيم فوقها المستوطنات والمدارس الدينية والجامعات ؛ لتلعب دورا في التعبئة العدوانية ؛ الى درجة التحريض على طرد الأغرار ( غير اليهود ؛ والمقصود بهم العرب ) واذا لم يمتثلوا ؛ الأمر بقتلهم .
هذا ما نفذته شبيبة التلال في الهجوم على عائلة دوابشة بالقنابل الحارقة على منزلهم في دوما محافظة نابلس ، ادى الى قتل صاحب البيت وزوجته وطفله حرقا ؛ واصابة الطفل احمد دوابشة بحروق بالغة الخطورة ، وهو من تبقى من الاسرة على قيد الحياة .
شبيبة التلال ؛ لم يتوقف سقف اهدافها عند الانتقام والعدوان على العرب فحسب ؛ بل كان هدف تغيير نظام الحكم في اسرائيل في حساباتها ؛ لاقامة سلطة يهودية ؛ من خلال اشعال موجات الغضب والصدام الدامي بين العرب واليهود ، ومن ثم حرق المساجد والكنائس لتؤدي الى ازمة مع الدول العربية والغربية .
ظهور تنظيمات اسرائيلية اجرامية ؛ تصل الى درجة التخطيط والتنفيذ لتغيير نظام الحكم الاسرائيلي المتطرف ؛ باسلوب دموي ؛ لم تكن الاولى وليست هي النهاية ، استهدفوا رابين رئيس الوزراء الاسرائيلي السابق ؛ من كان له السبق في ابتكار وسيلة ( تكسير العظام ) ؛ وقتلوه رميا بالرصاص ؛ لانه لم يلب طموحهم بطرد الاغرار ؛ او قتلهم على طريقتهم .
هذه النهاية الدرامية في المشهد الاسرائيلي ؛ ربما تكون المنحنى الحاد في العد التنازلي لاحتلال اعتاد على الصعود المذهل ؛ منذ نشاته واشتداد عضده وصلابة عوده .
هل تكون نهاية محتل اشارة دالة لاحتلالات متعددة اللغات ؛ على ان النهاية ؟ لا بد من ارتشافها على مهل ؛ او تجرعها بغصة ؛ تسرّع في مفاجأة الأجل ؟
اذا كان الاحتلال يعني اغتصاب الحقوق من أصحابها وادعاء المحتلين بملكيتها ؛ سواء كانت أرضا او كانت ارادة ؛ فمهما تعددت لغات المحتلين فالاحتلال واحد ؛ اغتصاب الارض أو سلب الارادة ؛ وليس سرا ان نقول : ان المحتلين ربما يكونوا ؛ عربا او مسلمين ؛ سنة او شيعة او علوية ؛ لان الشعور بالعظمة ؛ التي تتجاوز الحدود ؛ لا يقتصر على قوميات روسية او امريكية ؛ أو الى ديانات يهودية أو مسيحية ؛ بل هو منزرع في كيان الكثير ؛ ممن تلهث السنتهم بلغة عربية ؛ أو ادعاء اسلامي ؛ لا تستر جريمته شعارات تحرير فلسطين أو تحرير الاقصى .
( تحرير ) فلسطين من محتل اسرائيلي ؛ لسلبها من اصحابها مرة ثانية لمحتل عربي أو فارسي ؛ باسلام سني او شيعي أو بديانة بوذية ؛ لا يغير من طبيعة ارادة اهل فلسطين بالتحرر وتوفير الأمن في حياتهم والاستقرار .
الأولى لمن يريد تحرير فلسطين ؛ ان يزرع عوامل رص الصفوف بالالفة وتقاسم الادوار في بناء الامة والوطن ؛ في بلده أولا ثم يعمم التجربة التي تتعطّش اليها شعوب محرومة من الشعور بوجودها ؛ كشعوب تستحق الحياة .
أنظمة تدعي انها تعارض الهيمنة الامريكية على المنطقة العربية ؛ و تدعي انها تحارب مشاريع الغرب ؛ في استنفاذ مقدرات الشعوب العربية ؛ وهدم انجازاتها في التقدم الحضاري ؛ لا بد لها الا ان تكرس ادعاءاتها في حياة الشعب الخاضع لجبروتها . لا تقتل منه في حلب عام 1982 ما بين 30 – 40 ألف انسان ؛ غالبيتهم العظمى من المدنيين ؛ ولا تتسبب باختفاء ما بين 10 – 15 –الف مدني في مذبحة ؛ خلفت مقابر جماعية لمن قتل فردا في بيته كمقدمة لقتل اسرته كاملة ؛ بعد محاولة النهب والاعتداء على العرض ؛ أو قتل جمع من الناس في الساحات العامة ،او في المشافي او في المدارس ؛ او بقر بطن امرأة حامل ؛ وهي على قيد الحياة ؛ أمام زوجها واطفالها السبعة ؛ وكلهم دون الخامسة عشرة من العمر ؛ ثم اشعال اسطوانتين غاز في البيت وقتل الاسرة عن بكرة ابيها حرقا . احداث رصدتها اللجنة السورية لحقوق الانسان كما رصدت أساليب تعذيب متعددة ؛ لكبار السن والشبان والاطفال ؛ ذكورا واناثا .
عمليات قتل واساليب نعذيب في حلب او في غيرها من المدن والقرى ؛ نفذها نظام الاسد الاب ؛ لم تخلف للاسد الابن الا احقادا وغليانا ؛ تحولت الى بركان عجز النظام الحالي عن احتوائه والسيطرة عليه ؛ رغم انه فاق نظام الاسد الاب في دمويته وتسليم أمر القطر السوري الى ايران وروسيا وحزب الله .
حزب الله اللبناني يساند النظام السوري في محاصرة مضايا السورية ؛ منذ ستة شهور على التوالي ، يحاصر بقايا اجساد وحطام هياكل عظمية لعشرات الآلاف .
مضايا لا ذنب لها سوى أنها آوت مدنيين هربوا من الموت في الزبداني ومناطق اخرى ؛ تماما كما آوت الهاربين من الموت في الجنوب اللبناني 2006 . الآن هي تدفع الثمن غاليا ؛ وجدت أنها تواجه الموت أمام من اكرمتهم ذات يوم ؛ يطبقون الحصار عليها ؛ حتى اسلم ابناؤها اقدارهم الى جوع يفترسهم اوبرد ينخرعظامهم ، مكافأة من مقاتلي حزب الله لهم على كرم ضيافتهم لامهات المقاتلين ولآبائهم ولاطفالهم .
اليوم يساوم مقاتلوا الحزب أهل مضايا على اسلحتهم الفردية ؛ مقابل بضع علب بسكويت ؛ لعلها تنقذ طفلا من مخالب الموت ، أو علبة فول أو بعضا من الارز ؛ لتنقذ عجوزا يحتضر جوعا .
لم يصل بهم جنون الحقد والشعور بالعظمة الى سادية بحدود ؛ بل تجاوزها الى سادية فاقت حدود التعذيب والقتل والتهجير الى درجة احتلال الارض ؛ مستغلين حصارهم القاتل . يوظفون سماسرة ؛ يختلسون الارض من اصحابها ؛ والزامهم التنازل عنها الى اصحاب جدد من حزب الله ؛ تماما كما بدا الصهاينة احتلالهم لأرض فلسطين ؛ بتوظيف السماسرة لنهب الارض وتمليكها الى اصحاب جدد من اليهود .
هل يختلف احتلال مضايا عن احتلال القدس ؟ بالتاكيد ؛ الاحتلال واحد ؛ وان تعددت فنون اخراجه على مسرح الاعلام ؛ وتعددت لغاته .
..................................................................................
بقلم : بديع عويس
