عائلة تعيش في العراء وسط أراض حكومية، وأخرى تعيش بين جدران أكل عليها الزمن وشرب، وثالثة تستخدم سطل الدهان كـ"حمام"، ورابعة تسكن مع الحشرات والعقارب والزواحف، وأخرى، وأخرى، ... وأخرى، وجميع تلك العائلات تعيش في قطاع غزة من شماله وصولاً لجنوبه؛ لكن لا أحد يسمع أو يرى عن تلك العائلات شيء.
ولكن الخطوة الأولى من نوعها والتي وصفها القائمون عليها بالشجاعة والخارجة عن المألوف، مكنت نشطاء الإعلام الاجتماعي، الذين زاروا تلك العائلات انطلاقا من بيت حانون وصولاً إلى رفح، عبر باص المغردين، من إظهار صوت تلك العائلات عبر هشتاج #وينك_عنهم، والذي نشر عليه مئات الصور والرسائل للمسئولين.
ويرى ممثل إدارة الشؤون الإنسانية في منظمة التعاون الإسلامي محمد حسنة أن حاجة الفقراء أصبحت أكبر بسبب إبقائها داخل جدران البيوت، قائلاً لمراسل "وكالة قدس نت للأنباء":" ومن هنا قررنا أن نتحرك في باص المغردين والمدونين، مستخدمين هشتاج #وينك_عنهم، للخروج من دائرة التقليد والعادة في طرح قضايا الفقراء التي دائما يفضل أصحابها الصمت"، وأضاف أن الباص تنقل في كل محافظات قطاع غزة، وشارك النشطاء في إسماع صوت هؤلاء الفقراء ونقلوه عبر وسائل الإعلام الاجتماعي للجميع".
وأوضح حسنة أنهم تمكنوا من إيجاد منبر لتلك العائلات يمكن عبره أن يُسمعوا صوتهم للمسئولين، والمطالبة بحقوقهم سيما وأن فئة الفقراء المهمشين في القطاع يتعرضون لانتهاكات واضحة لكل حقوقهم ويفتقرون لأي اهتمام محلي أو دولي، مؤكداً أن تلك الفئة المهمشة فقدت كل مقومات الحياة، مشيراً إلى أنهم عبر مبادرتهم يحاولون التذكير بهم من منطلق الحرص على توفير حياة تضمن لهم الكرامة الإنسانية.
وبين أنهم تعمدوا أن تخرج عشرات المئات من الصور للإعلام والتي تعكس قسوة الحياة التي يعيشها هؤلاء الفقراء، بهدف إحداث حالة وعي لدى الكل الفلسطيني بضرورة الاهتمام بتلك الشريحة، عبر التكاتف لأنه من غير المنطق والمقبول ان يبقوا بدون تدخل، مطالباً قادة الفصائل والحكومة الفلسطينية بغزة ورام الله، بالتدخل لوقف حالة التدهور الحاد في المجتمع الفلسطيني.
ووجه حسنة رسالة للجهات المانحة طالبهم فيها، بضرورة منح تلك الفئة مزيدا من الاهتمام، قائلاً:" هنالك من يدعم بناء المساجد وهنالك من يدعم ورش العمل والمؤتمرات والتمكين السياسي، من الأولى حاجة الناس أو ما تدعمو"، مضيفاً:" إن المانح يجب أن يقدم الدعم وقفاً لاحتياجات الناس وليس وفقاُ لرغباته"، متابعاً :" كيف تريد أن تمكن الفقير سياسياً هو غير قادر على توفير قوت يومه".
ويقول الكاتب والأديب الفلسطيني يسري الغول:"ما شاهدته اليوم يعكس واقع مؤلم ومرير جداً، وللأسف القادة السياسيين نتيجة الانقسام الفلسطيني بعيدين كل البعد عن هذه الشريحة من الفقراء خاصة، وعن المواطن الفلسطيني عامة، والذي يعاني من مخلفات الانقسام والحصار الإسرائيلي والحروب التي تعرض لها.
ووصف الغول الشعب بغزة، قائلاُ: "يعيش كعصفور داخل قفص محروم من الحركة والتنقل، والسفر، تزامناً مع الأزمات التي تعصف فيه كالوقود والغاز والكهرباء والمياه، والصحة، ونحن في مبادرة "وينك عنهم"، اليوم نحمل رسالة للجميع على المستوى المحلى والعالمي، مفادها أن هناك شعب فقير ومحاصر بغزة لا يجد قوت يومه".
واتهم الغول خلال حديثه مع مراسل "وكالة قدس نت للأنباء"، المسؤولين الفلسطينيين بالتقصير باتجاه العائلات الفقيرة بغزة، مطالباً بضرورة منح تلك الشريحة مزيداً من الاهتمام فلسطينياً، سيما وأن الجهات الداعمة دولياً لتلك الشريحة المهمشة استقطعت جزء من ذلك الدعم، قائلاً:" الجهات الدولية وخاصة وكالة الغوث التي كانت تدعم المواطن الفلسطيني بغزة، لم تعد تدعمه في الوقت الحالي بشكل لائق يكفل له حياة كريمة".
وتوقع الغول أن يدفع هشتاج #وينك_عنهم المسئولين الفلسطينيين والدوليين، اتجاه التحرك لدعم ومساندة تلك الفئة المهمشة، وهو ما توقعه أيضا مسئول حملة فكر بغيرك كامل الهيقي، خلال حديثه مع مراسل "وكالة قدس نت للأنباء".
وأوضح أن زيارته للعائلات الفقيرة المهمشة جزء من المسؤولية الإنسانية التي تقع على عاتقهم كنشطاء في المجال الإنساني. وبين الهيقي أن زيارة العائلات الفقيرة على مستوى قطاع غزة، تشكل صدقة إنسانية، يقدمها الناشط الإنساني للإنسان الذي يحتاج إلى تلقي المساعدة ليضمن حياة كريمة.
وقال الهيقي :"عندما نزور بيت من النايلون في أرض خالية، تسكنه عائلة كاملة، وتكون معرضة في أي وقت للأمراض والزواحف والحشرات، وننقل صور الحياة لهذا العائلة عبر وسائل الإعلام الاجتماعي نكون شاركنا في محاولة تقديم مساعدة لتلك العائلة من جهة ونكون أيضا حافظنا على ضمير الإنسانية من جهة أخرى من الموت".
وأشار إلى أن هذه العائلات الفقيرة استقبلت عامها الجديد 2016، كما ودعت عام 2015، وهنا تكمن الخطورة بمعنى أن تلك العائلات لا أحد من الجهات الرسمية يعطيها اهتمام، ما يعني أنها ستبقى تعيش في ذات الدائرة. ورأى الهيقي أن تلك الأزمة ربما تكون ناجمة عن جهل الجهات الرسمية والغير الرسمية بكيفية التعامل مع الأسر الفقيرة المهمشة لتأهيلها لتصبح أسر منتجة ولها مصدر دخل ثابت يخرجها من دائرة الفقر.
وابتسم الهيقي، وقال:" زيارة الفقير بغزة تكون من قبل فقير، بمعنى الشخص الفقير صاحب الدخل المحدود هو الذي يزور الفقراء ويقدم لهم جزء بسيط من المساعدات المادية والمعنوية، ولكن المؤسسات والمسئولين لا يزورون هؤلاء الفقراء، لذا نجد أن كل بيت ندخل يردد ذات الجملة: "يأتي المسئول ليعيش يوم هنا".
