ان يزرع المستعمرون عملاء لهم في البلدان الخاضعة لاستعمارهم ؛ امر لا غرابة منه ، وان يتفننوا باستحداث وسائل القمع والتنكيل ؛ لفرض هيمنتهم ؛ امر تعهده الشعوب ؛ ان لم تعاني منه عن قرب ؛ تشاهده او تسمع به عن بعد ؛ من وسائل الاعلام النشطة في هذه الايام ، لكن ما لا تعهده الشعوب بقربها من الاحداث المأساوية او ببعدها عنها ؛ هو ان تعيش عقودا من استقلالات كاذبة خاطئة ؛ ولا تجد اثرا ينبئ بصدق تجربة الاستقلال الحقيقي على شتى مناحي الحياة الاجتماعية والثقافية والاقتصادية وغيرها ، لا بل تدهمهم الفاجعة الكبرى بفضائح امنية واقتصادية واجتماعية لقيادات انتخبوها او سلطت عليهم ؛ تستقوي بما تنهبه من خيرات البلاد وقوت العباد ؛ ثم تصبّها نارا ؛ تحرق بها قلوبهم ؛ قبل أن تحرق بها بقايا اجسادهم وأطلال بيوتهم وهياكل قرى ومعالم مدن .
في فلسطين ؛ كغيرها من البلدان المحتلة أو المستعمرة ؛ استعمارا قديما او حديثا ؛ ابتليت باحتلال اسرائيلي ؛ فقاومت الاحتلال بشتى اصناف المقاومة ، وكابدت من اذى عملاء الاحتلال أيّما مكابدة ؛ قبل قيام السلطة الفلسطينية وبعدها ، والاشدّ مضاضة ؛ ان ترى اثر العملاء في شتى مناحي الحياة ؛ ئم تجد ان ملفاتهم قد طويت .
عندما تتوفر البيئة الملائمة لنشر أسماء لعملاء من فلسطين على صفحات الفضائح الاعلامية ؛ يطلع عليها افراد الشعب ، ولسان حالهم يقول : لا دخان بدون نار ، يسارع من لا يريد نشر الغسيل الوسخ على الملأ ؛ ويدلي بتصريح : تبين ان الانباء الشائعة أخذت من مصادر غير موثوق بها ، او انها مشبوهة ، او أنها حيكت بحبائل المؤامرة .
ليت المتفائلين بالعثور على مواد التنظيف الفعّالة للغسيل الوسخ ؛ ان يحافظوا على بقائها ؛ ان وجدت ؛ واذا توفرت ؛ أن يجيدوا استخدامها للتنقية ؛ لعل الملفات الامنية لدى المنظمات الفلسطينية تجد طريقها الى تفنيد فضائح التسريبات الصحفية أو الاقرار بصحتها ؛ على ان تتضافر الجهود بينها وبين الاجهزة الامنية الفلسطينية في اطار المساحة التي يخول لها بالعمل في حدودها .
عندما تقيد يدا السلطة الفلسطينية في توفير الحماية الامنية لمؤسساتها السيادية ؛ فهذا بحد ذاته انجاز يحققه الاحتلال الاسرائيلي ؛ سواء برضا السلطة او بغير رضاها ؛ يبني عليه حريته بالحركة اللامحدودة للسيطرة على كل فكرة تلوح في ذهن أي مقاوم ، والا كيف يعتقل الآلاف من الفتية والشبان والفتيات ؛ بدون متعاونين مع اجهزة الامن الاسرائيلية ؟
كيف لاسرائيل أن تحدد مدى ترميم كتائب القسام للانفاق ؟ ومدى تغلغل الانفاق الى داخل الحدود الاسرائيلية ؟ هل تحتاج اجهزة الامن الاسرائيلية الى متعاونين ؛ لمعرفة مدى تاثير أساليب التحقيق وفنون التعذيب بحق الاسرى ؟ أثناء فترة التحقيق ؛ بدون الاكتراث الى قانون دولي انساني ؛ أو مواثيق دولية تكفل الحقوق الاساسية للأسرى ؟
هل يحتاج المتخصصون في الامن الى عملاء ؛ لمعرفة مدى تاثير الآلام الناتجة عن استخدام الجروح الغائرة في جسد الضحية اثناء التحقيق ؟ والوقوف لفترات طويلة ، ورش الماء البارد والساخن على رؤوس الضحايا ؛ لاوقات طويلة يصعب معها التنفس ؛ او الشعور بالاختناق ؟ والتعرية والضرب المبرّح على الرأس وعلى اماكن مختلفة من الجسد ؟
متى يعرف الاسرائيليون ان الاردنيين في حالة من الريبة والشكوك ؟ حيال خريطة مملكة اسرائيل التوراتية من النيل الى الفرات - شعار بنك اسرائيل المركزي - ؟ ومتى يتحفّز الامن الاردني لدرء الاخطار المحدقة بالاردن ؟ جراء الدعوات الصهيونية اليمينية المتطرفة ؛ في السنوات الاخيرة ؛ لاقامة كيان فلسطيني في المملكة الاردنية ؟ كمقدمة لتحقيق حلم مؤسس المنظمات الصهيونية - ايتسل وارغون – المتمثل فيما ورد في نشيد نظمه ( لنهر الاردن ضفتان ؛ هذه لنا وتلك ايضا - - - ) النشيد الذي مازال قائما لحركة ( بيتار ) الشبابية اليمينية المتطرفة التابعة لحزب الليكود .
بالتأكيد ؛ الاسرائيليون ينشطون في كل مؤسسة مستهدفة ؛تطالها ايديهم ؛ قابلة للاختراق ؛ سواء تحت غطاء التنسيق الامني او بدون غطاء من احد ؛ ولهذا ؛ لم يسلم الافراد والمنظمات الفلسطينية في الاراضي المحتلة عام 1948 من الملاحقة الأمنية الاسرائيلية ؛ حت ان رئيس الحكومة – بنيامين نتنياهو – وصل الى درجة غير مسبوقة ؛ في كبت الحريات المتبقية للفلسطينيين ؛ وذلك من خلال هجومه على رافعي صوت الاذان في المساجد ، لا بل على تعدد الزوجات عند المسلمين ؛ تحت ذرائع تعاطفه مع من يعانون من أصوات المساجد ؛ كما انه يصف صمت المنظمات النسوية اتجاه تعدد الزوجات ؛ بانه صمت اهل القبور .
أصوات المساجد وتعدد الزوجات ليست بداية الازعاجات للاسرائيليين من الوجود الفلسطيني في وطنهم أو خاتمتها ، ولن تكون نهاية مطاف لاجراءات قمعية اسرائيلية .
البداية كانت عندما تكالب السماسرة على انتزاع الاراضي الفلسطينية من اصحابها ؛ ونقل ملكيتها الى اليهود المندفعين من شتى بقاع الارض نحو فلسطين ، يرافقهم عسكريون متدربون ؛ داهموا القرى والمدن الفلسطينية ، وارتكبوا المجازر الدموية لطرد الاهالي من بيوتهم وتهجيرهم .
لهذا كانت اسرائيل رائدة في منطقة الشرق الاوسط بتسخير نشاط اجهزتها الامنية لتنفيذ حرب الابادة والتهجير واحتلال الاراضي وانتزاعها من اصحابها ؛ لاقامة كيان يهودي عنصري ( دولة يهودية ) ؛ على الا تكون الدولة ذات الطابع الديني الوحيدة ؛ في منطقة تنفذ فيها برامج ومشاريع استعمارية واطماع لدول خارجية ؛ اقليمية ودولية . الدول فيها مغلفة بثياب الاستقلال الخداعة ؛ حتى اذا ما اهترات ؛ تفجرت المنطقة بصراعات دينية و طائفية وعرقية ، تهتدي بمشروع اسرائيل الريادي في الاحتلال ؛ وبما يحمله من القتل والتعذيب والتهجير .
في المقدادية ؛ استانفت المليشيات الشيعية استهداف محافظة ديالى العراقية ؛ ذات الاغلبية السنية ؛ بالتهجير والتغيير الديموغرافي ؛ من خلال قتل تسعين شابا من الاهالي ؛ داخل منازلهم وامام انظار القوات العراقية ، ثم احلال عشرات الآلاف من عناصر شيعية متعددة الجنسيات ؛ محل السكان الاصليين من السنة ، كما حدث في عدة مناطق أخرى ؛ مثل البصرة وحزام بغداد وسامراء ؛ تحت غطاء محاربة الدولة الاسلامية .
المليشيات الشيعية العربية العراقية تستقوي باذعانها لاوامر الولي الفقيه الايراني ؛ على اهل السنة العرب العراقيين ؛ يدلل على ذلك تصريحات ايران الرسمية التي تتفاخر بها ؛ كما جاء في تصريح قائد ايراني : ( أن بغداد عاصمة الامبراطورية الايرانية ) وهذا التصرح ينسجم مع تهديد هادي العامري قائد منظمة بدر الشيعية الى سكان ديالي وتحديدا المقدادية وتحديدا المنصورية ، جاء فيه : ( اخرجوا فورا من بيوتكم ، لن نرحم بالقصف في المقدادية وخاصة المنصورية ) .
وفي شمال العراق ؛ دمرت قوات البشمركة وميليشيات متحالفة معها آلاف المنازل ؛ في سياق محاولة منظمة لازالة قرى وتجمعات عربية من المنطقة ، مستخدمة اساليب القتل وانتزاع الملكية وطرد السكان ؛ والزج بهم في مخيمات مؤقتة ؛ وفي ظروف مزرية ؛ ومنعهم من العودة الى بيوتهم في المناطق التي استعادتها .
أضاع العرب سنوات استقلال بلدانهم ؛ دون بناء جدي لمؤسسات دولهم ؛ ولذلك كان من بينهم المسلمون السنة ؛ أصابهم ما اصاب العرب من الوهن والتشرذم واستقواء المتنفذين بدول طامعة من خارج بلدانهم ؛ فاسلموا رقابهم لريادة امنية اسرائيلية ؛ حذت حذوها مكونات متعددة اللغات ومتعددة المذاهب في الوطن العربي الكبير .
..............................................................................................
بقلم : بديع عويس
