مَن هم الورثة الحقيقيون للصهيونية؟

لم تكن الصهيونية أبداً من ألطف الإيديولوجيات. فقد حملت فكرة عودة الشعب اليهودي إلى وطنه التوراتي واستئناف السيادة اليهودية هناك دائماً في داخلها ضرورة تهجير الناس الذين يعيشون بالفعل على الأرض.

في العام 1975، عرَّف الجنرال والسياسي الإسرائيلي ييغال ألون الصهيونية بأنها "حركة التحرر الوطني لشعب نُفي من وطنه التاريخي، وتفرق بين دول العالم". وبعد بضع سنوات، وبطريقة ربما تكون أكثر فجاجة، قال الجنرال والسياسي الإسرائيلي واليميني المتعصب، رحبعام زئيفي: "إن الصهيونية في جوهرها هي صهيونية الترحيل". وأضاف: "إذا كان الترحيل غير أخلاقي، فإن الصهيونية كلها تكون عندئذٍ غير أخلاقية".
في تلك الفجوة بين المثالية والواقعية، تدور المعركة الشرسة الآن في إسرائيل، بعد نحو 65 عاماً على تأسيس الدولة، حول من هم الورثة الحقيقيون للصهيونية: هل هم أولئك الذين يعتنقون الرؤية العلمانية والأممية من مؤسسي البلد، أم هم المستوطنون المتدينون القوميون الذين أقاموا مجتمعات لأنفسهم في ما وراء حدود العام 1967، ويسعون إلى ضم المزيد مما يعتبرونه أرض إسرائيل التوراتية؟
كانت النسخة الأقدم من الصهيونية قد أقامت مشروع إنشاء الأمة اليهودية على فكرة إحياء اللغة العبرية، بهدف توحيد المجموعة الكبيرة من اليهود المشتتين. وكان في وقت لاحق فقط، مع واقعة المحرقة، كما يشير برنارد أفيشاي، مؤلف كتب "مأساة الصهيونية" و"الجمهورية العبرية"، حين جاءت "الصهيونية السياسية" التي تطلبت وجود دولة وجيش، سواء لحماية اليهود ضد معاداة السامية، أو لتحويلهم إلى دولة حديثة، أو للدفاع عن أنفسهم، أو لتحدي العالم كله إذا لزم الأمر.
كانت لدى مؤسسي إسرائيل الذين كانوا علمانيين إلى حد كبير، من جيل ديفيد بن غوريون، رؤية مزدوجة لإسرائيل، باعتبارها "ضوءا بين الأمم"، وباعتبارها أيضاً دولة مثل الآخريات، والتي تريد أن تكون جزءا من المجتمع الدولي للأمم، وتتطلع إلى الخارج وتكون عادلة اجتماعياً. وقال بن غوريون عن ذلك: "عندما يكون في إسرائيل عاهرات ولصوص، فإننا سنكون دولة مثلها مثل أي دولة أخرى".
أما الصهاينة "الجدد" -أو الصهاينة المتدينون- فيرون العالم، وإسرائيل، بشكل مختلف. إنهم متأكدون من أنهم يمثلون المستقبل. وقال لي أحد المستوطنين، إيغال كنعان: "نحن الصهاينة الحقيقيون الآن. وببطء، وقليلاً قليلاً سوف نصبح الأغلبية في البلاد". ويقول هؤلاء إنهم هم رواد هذا الجيل، الذين يتحملون المخاطر من أجل توسيع الدولة في مواجهة الأخطار القادمة من الفلسطينيين، الذين يعتبرونهم إلى حد كبير، بعبارات السيد أفيشاي "مجرد عنصر إلهاء في المشهد، والذين سيتم تهجيرهم في نهاية المطاف"، كما سبق وأن حدث للفلسطينيين الآخرين على يد اليساريين الصهاينة العلمانيين الذين بنوا الدولة الفتية. وينظر الصهاينة الجدد إلى أنفسهم على أنهم يحترمون وصايا الله ويعيشون في مجتمعات مشتركة، مثل أبطال إسرائيل الأوائل.
بتمسكهم بالتحدي واللامبالاة في وجه الانتقادات المحلية أو الأجنبية على حد سواء، يعتقد هؤلاء أنهم يقومون ببناء إسرائيل دينية، وليس أوروبية أو عالمية. ويقول يارون إزراحي، المنظر السياسي والأستاذ الفخري للسياسية في الجامعة العبرية: "لقد بررت الصهيونية العودة إلى الأرض المقدسة باستخدام القيم الكونية. كانت الفكرة هي جلب التنوير والتنمية الثقافية؛ جلب الشمولية الكونية إلى الشرق الأوسط. لكن المستوطنين هم مثال للخصوصية، وللمحلية، وهم يصنعون سمعة سيئة للصهيونية. إذا كانت الصهيونية حركة أوروبية، فإن المستوطنين يمثلون الكولنيالية في حقبة ما بعد الكولنيالية. لقد ضيعوا القيم العالمية للصهيونية".
ويقول أوري درومي، الذي كان المتحدث باسم رئيس الوزراء إسحق رابين، إن الإسرائيليين الليبراليين العلمانيين يشعرون بـ"الحصار والتشاؤم" في مواجهة المخاوف الأمنية الجديدة والسلطة السياسية المتزايدة للقوميين الدينيين والمتدينين المتطرفين. فبدلاً من محاولة أن تكون إسرائيل دولة بين الدول، "اليوم، وحتى من دون قول ذلك، ومن خلال ما نقوم به، فإننا شعب يعيش وحده".
تشكل الصهيونية الدينية خيمة كبيرة نسبياً، مع أجنحة أكثر ليبرالية وأكثر قومية. لكنها تنظر إلى المستوطنات على أنها "خلقها الأكثر أهمية في هذا الجيل"، كما يقول يوسي كلاين هاليفي، الزميل البارز في مركز الأبحاث، معهد هارتمان شالوم. ويضيف هاليفي: "هناك شعور متزايد بأن (الصهاينة المتدينين) هم المستقبل الحقيقي للصهيونية، لأن الصهيونية العلمانية كانت في تراجع على مدى عقود". وقد حصلوا على المزيد من المناصب القيادية في الجيش، ولديهم حركات الشباب الأكثر حيوية، ولهم تأثير كبير في السياسة، ولذلك "يتشكل لديهم شعور متزايد بالثقة بالنفس"، كما يقول.
لا يأتي الخطر الحقيقي بالنسبة للصهيونية الدينية من الفلسطينيين أو من الخارج، ولا حتى من اليسار الإسرائيلي المتضائل. إن ما يخشاه المستوطنون حقاً، كما يقول السيد هاليفي، هو اليمين العلماني، الذي ما يزال ممثَّلاً إلى حد كبير برئيس الوزراء بنيامين نتنياهو وحزبه، الليكود. ويقول هاليفي إن لدى القوميين الدينيين "خوفا قاهرا ورهيبا تقريباً" من أن تقوم حكومة أخرى براغماتية، علمانية يمينية، مثل حكومة آرييل شارون، بخيانتهم وبتقويض حركة الاستيطان.
كان قرار شارون في العام 2005 سحب جميع المستوطنين والجنود الإسرائيليين من غزة (ومن أربع مستوطنات في الضفة الغربية) قد شكل صدمة هائلة للصهاينة الدينيين. لكنهم تعلموا درسهم وسعوا إلى التحالف مع حلفاء أقوى في السياسة، بمن فيهم نفتالي بينيت من حزب البيت اليهودي المؤيد للمستوطنين، ومع الأحزاب الدينية والأعضاء الأصغر سناً من حزب الليكود نفسه. ويفضل السيد بينيت، على سبيل المثال، ضم ما يعرف باسم المنطقة (ج)، والتي تشكل 62 في المائة من مساحة الضفة الغربية، وتضم معظم المستوطنات الإسرائيلية.
والسيد بينيت هو عضو بارز في الحكومة الائتلافية للسيد نتنياهو، لكنهما يتنافسان على أصوات اليمن والمستوطنين. وقد فاز السيد نتنياهو في انتخابات العام الماضي بعد أن تحدث على شاشة التلفزيون عن العرب الذين يندفعون إلى التصويت "بأعداد كبيرة". ومع أن اليسار غضب منه واتهمه باستغلال الخوف، فقد عمِل ذلك جيداً: في واقع الأمر، جاءت العديد من الأصوات التي ذهبت إلى الليكود في نهاية المطاف من مؤيدي السيد بينيت، الذين أصبحوا يشعرون هم أيضاً بأنهم تعرضوا للخداع من نتنياهو.
يشكل تحديد العلاقة بين الصهيونية الدينية والديمقراطية واحدا آخر من الشؤون الدرامية الخفية الجارية الآن في إسرائيل. وسيكون الصراع من أجل مستقبل الديمقراطية هنا، كما يقول السيد هاليفي، "بين أولئك الذين هم ديمقراطيون شرعيون، وأولئك الذين لا يفهمون الديمقراطية حقاً، والذين يتحدثون عنها بالخطابة فقط، ولكنهم يأتون من مكان قومي، بل وحتى ثيوقراطي، وينظرون إلى بعض القواعد الديمقراطية باعتبارها تهديداً".
مع ذلك، لم تمت الصهيونية القديمة، وهي تستمر في خلق "الحقائق على الأرض"، كما يشير السيد أفيشاي. وتتحدث كل بداية مشروع للتكنولوجيا العالية، وكل مطعم تايلندي جديد، وكل فيلم ناجح -بل ومجرد وجود تل أبيب المزدهرة، التعددية والناطقة بالعبرية- عن نجاح الصهيونية التقليدية وأهمية استمرارها في الحياة الإسرائيلية.

*مدير مكتب لندن، ومدير مكتب القدس السابق لصحيفة "نيويورك تايمز".
*نشر هذا الموضوع تحت عنوان: Who Are the Real Heirs of Zionism?

المصدر: ستيفن إنلانغر – (نيويورك تايمز) ترجمة: علاء الدين أبو زينة -