انفجار في ملعب كرة القدم

"كان عندي طموح ألعب كُرة، الحين بس حلمي أركّب أطراف"
أن تبدأ، قسراً، بتقليمِ شجرةِ أحلامك ذات الجذور الضاربة في أعماق روحك وتنتزع أغصانها التي رويتها من دماء قلبك ذات يوم بكل أسىً، متأملاً فيها نظرة الأب لابنهِ الذي يواريه التراب، نظرة شخص يودع جزءاً من ذاته.
بدأت قصة مصطفى المجايدة (20 عاماً) ابن مدينة غزة، عصر يوم الاثنين 30 آذار 2014، حين كان عائداً مع مجموعة شبّانٍ من مدارسهم. وكالعادة توجّه معهم إلى ملعبهم المعهود قربَ الشاطئ لممارسة رياضتهم المحببة: كرة القدم. كان المجايدة، ولمدة عشر سنوات واحداً من أبرز اللاعبين في فريق.
فور وصولهم بدأوا تحضيراتهم الاعتيادية لتجهيز المكان للشروع باللعب. وبينما كان أصدقاؤه يقسمون أنفسهم إلى فريقين، لمحَ جسماً غريباً في أحدِ أطراف الملعب. كانت مجموعة من الأطفال تلعب بالقرب منه، لذا قرر الاقتراب والتحقق من ماهيتهِ للتبليغ عنه. قام المجايدة بإبعاد الأطفال حفاظاً عليهم، وما إن بدأ بإزاحة الجسم الغريب حتى دوى انفجار هائل جرف معه كل ما في مخيلة الشاب من أحلام، متسبّباً ببتر قدميه.
تبين لاحقاً أنّ الجسم الغريب ما هو إلّا صاروخ طراد من مخلفات السفن الحربية الإسرائيلية. أما الشاب الذي رأى النهاية أمام عينيه، فأيقن في ما بعد أنّه أمام بدايةٍ جديدة، لكن بداية من نوع مختلف.
كان مصطفى المجايدة في الثامنة عشرة من عمره آنذاك. في سيارة الإسعاف عرف من المسعفين أنّ شابين آخرين كانا قريبين منه عند انفجر الصاروخ، لكن إصابتيهما كانتا أخفّ من إصابته.
قضى المجايدة الأيام التسعة والعشرين الأولى في المستشفى، قبل أن يسمح له بالخروج والعودة إلى المنزل. استقبلته نظرات الأهل الكسيرة المُشفقة. نعم، عاد مصطفى، لكنّ مصطفى العائد هذا كان بلا قدمين، مع طموحاتٍ وأحلامٍ كثيرة صارت، بالنسبة له، يتيمة وشبه ميتة. بدأ بعد عودته إلى البيت بمعالجة جرحه منزلياً مستعيناً بإخوته ووالده.
مع كلّ ما قاساه وعايشهُ في أيامه الأولى، إلا أنّه حاول جاهداً أن يعيد إنعاش أحلامه التي أخذت بالذبول والبهوت. لم تمت أحلامه لكنّها صارت مؤجلة. صورة اللاعب الفذ التي رسمها لنفسه مُسبقاً ما تزال تسكنه، لكنّه يحلم قبل ذلك بالعودة للاعتماد على نفسه. صار الشاب يشعر بأنّه حمل إضافي على أسرته.
يقول مصطفى: "بعد الإصابة ذهبت إلى بيت لحم بصحبة والدي. هناك تلقيتُ وعوداً بتركيب أطرافٍ اصطناعية، حيثُ لم يكن بمقدور شخصٍ بسيطٍ مثلي توفير مبلغٍ كبير يصل إلى ستين ألف شيكل لإعادة تأهيل ساقيّ المبتورتين. ورغم كلّ الانتظار الذي عشت برودة تفاصيله مُشتعلاً بنيران الأسى لم تُنفذ أيٌّ من تلكَ الوعود التي عُشّمت بها، لتتضاءل بعد ذلك شعلة الأمل التي أوقدتها في نفسي".
كان مصطفى فيما مضى يخطط لأن يدرس في الجامعة اختصاصاً متعلقاً بمجالاتِ اهتماماته الرياضية، أما الآن وبعد أن خبت شعلة الأمل تلك، فقد صار جل طموحه هي دراسة شيءٍ يتناسب ووضعه الحالي. يقول: "قرأت مراتٍ عدة عن الأطراف المتوفرة في ألمانيا، والتي تتيح لأصحابها الجريّ واللعب حتى، معتمدين بذلك على أنفسهم. كان هذا وقوداً جديداً ألهب حماستي، ودافعاً قوياً للتمسك بكل ما تبقى من أحلامٍ وطموح. ممّا زادني يقيناً وأعاد غرس شجرةِ الأمل في روحي هو ما وعدني به أحد الأشخاص، إذ إنّه سوف يعمل على توفير تلكَ الأطراف لي في حال وجودي في هناك، في ألمانيا".
الآن وبعد شهورٍ طويلة من الانتظار، ما زال مصطفى يجلس منتظراً إجراء العملية له في أحد مستشفيات بيت لحم متعلقاً بذلك البصيص من الأمل.تقرير لصحيفة "السفير" اللبنانية

 

المصدر: غزة - محمود أبو ندى -