شغف اسرائيلي لافراغ كلمة - فلسطيني - من مضمونها

بقلم: بديع عويس

( اذا استخدمت كلمة فلسطيني ؛ بالنسبة للاسرائيلي ؛ فان هذا يستدعي منك التسليم بان هذه الارض ؛ هي فلسطين ، واذا كانت كذلك ؛ فهذا يعني انها ليست ارض اسرائيل ؛ وبالتالي ؛ ماذا نفعل نحن هنا ؟ ) هذا ما قاله يوما مناحيم بيغن ؛ احد ابرز القيادات الاسرائيلية التي تزعمت حزب الليكود قبل رحيله ؛ هو قال ما سلف ؛ وليس احد غيره ، و ما ورد في مبادئ حزب الليكود ( حق اسرائيل في كامل ارض اسرائيل التاريخية – فلسطين وشرق الاردن – وفق التصور اليهودي ؛ يدعم بقوة التوجه السياسي والفكري الذي عبّر عنه مناحيم بيغن .
القيادة الحالية لحزب الليكود ؛ عندما المحت الى عزمها اجراء مراجعة شاملة لعملية السلام السابقة ، مع طرح مقاربة جديدة تعتمد على الاقتصاد والامن . كانت على يقين ان الأمن ما زال مستعصيا على المقاس المنشود ؛ والذي يتطلب اذعانا فلسطينيا تاما للوجود الاسرائيلي في كل زاوية من زوايا الحياة اليومية للفرد الفلسطيني ؛ في الزمان والمكان ، الا أنها واصلت تنفيذ كل ما اوتيت من عبقرية في رسم المخططات والاجراءات الهادفة الى فرض الامن ؛ لا بل حاولت بين الفينة والاخرى تقديم جزرة الاقتصاد الى جانب الهجمة العسكرية والامنية والاستيطانية المسعورة .
كل ذلك لم يوفّر سوى جرعات تخديرآنية ؛ لشعب كلما اثخنته الجراح وكاد يئن من الآلام ؛ استفاق بصعقة غير مقصودة من عينات بيركو نائبة حزب الليكود ؛ عندما طالبت باغلاق ( حدود اسرائيل باحكام ) اثناء نقاش دعت اليه احزاب المعارضة الاسرائيلية ؛ حول وضع حل الدولتين ، ثم ادّعت ان بعض نواب الكنيست العرب يسعون الى اقامة ( فلسطين الكبرى ) ، في الوقت الذي تدّعي فيه بيركو ان فلسطين اسم مستعار ؛ غير موجود في اللغة العربية ؛ ربما من اجل ان تجدد الوفاء لما طرحه منياحم بيغن ؛ بعدم استخدام كلمة فلسطيني ؛ حتى لا يكون النطق بها حجة على الوجود الاسرائيلي من اصله ؛ وحتى لا تتلعثم بالاجابة على سؤال : ماذا نفعل نحن هنا ؟
نحو ذات الاتجاه ؛ وعلى درب طمس الحقائق ؛ دائرة الاراضي الاسرائيلية حثت الخطى ؛ فواصلت اجراء مفاوضات بينها وبين الصندوق القومي اليهودي ؛ حول استبدال املاك لاجئين فلسطينيين طردوا من بلادهم عام 1948 بغية بناء بؤر استيطانية جديدة ؛ رغم اختراقها قرارات الامم المتحدة ؛ وعلى وجه الخصوص القرار 194 القاضي بعودة اللاجئين وكذلك قرار الجمعية العامة رقم 36/ 148 الذي اكد كذلك على حق اللاجئين في العودة الى منازلهم .
النفوذ الاسرائيلي يتمدد في كل الاتجاهات ؛ واللوبي الصهيوني ينشط اينما حل وتواجد ، يصب كل جهوده في الولايات المتحدة الامريكية – راعية مفاوضات السلام المتوقفة بين الفلسطينيين والاسرائيليين ، والتي تمثل الدولة الاعظم على مستوى عالمي - يتبارى فيها المرشحون للرئاسة ؛ على تقديم اعلى درجات الدعم وشتى اصناف المساندة ؛ على غرار ما اضافته هيلاري كلنتون في رسالة ارسلتها الى الملياردير اليهودي الامريكي - حاييم صابان – جاء فيها : ( انها ستسمح لاسرائيل بقتل 200 ألف فلسطيني في غزة وليس الفين فقط ) اي ما نسبته 10 % من السكان نشرتها صحيفة - ذا غارديان – البريطانية .
هذا السباق بين المرشحين للرئاسة الامريكية ؛ على تقديم الافضل من الدعم اللامحدود لاسرائيل ؛ يدل على مدى قوة تاثير اللوبي الصهيوني هناك ، في حين ان مارجوت والستروم وزيرة خارجية السويد ؛ قد واجهت تنديد الحكومة الاسرائيلية ؛ لا لشيء سوى انها دعت الى فتح تحقيق بشان الجرائم الاسرائيلية بحق المتظاهرين الفلسطينيين ، ثم ان احدى الصحف المقربة من الحكومة ؛ أشارت الى امكانية اغتيال الوزيرة السويدية ؛ مثلما تم اغتيال كونت فولك برندونتي من قبل ميليشية يهودية في عام 1948 .
على ضوء المساندة الامريكية لاسرائيل ودول اخرى على صعيد عالمي ؛ وتمدد اسرائيلي في علاقاته المعلنة وغير المعلنة مع عدد من الدول العربية والاسلامية ؛ فان القيادة الاسرائيلية لا تابه بالضجيج الاعلامي ولا بتسليط الاضواء على الانتهاكات الاسرائيلية وعلى اطلاق يد المستوطنين والجيش في سلب مزيد من الاراضي ؛ ومزيد من الحواجز العسكرية وقتل المواطنين تحت ذرائع العثور على سكينة في حقيبة لطالبة من المرحلة الاساسية او الثانوية ، او القاء حجارة على سيارة مستوطن او دورية عسكرية ، أو الاشتباه بام لخمسة اطفال ؛ تقود سيارة ؛ على انها تنوي استهداف جنود يزرعون حاجزا عسكريا في قلب شارع ؛ بعد ان انتزعوا الشارع من قلب صاحبه .
اسرائيل كغيرها من الدول الاكثر قوة في العالم ؛ بالذات القوة العسكرية وقوة التحالفات الدولية ؛ تسابق غيرها ايضا بقوة الاعلام ؛ ليضفي عليها رداء الديموقراطية ، ويمكنها من تجميل عمليات السطو على حقوق الشعوب المستضعفة ؛ وأساليب القهر والقتل والاستعباد .
ولذلك ؛ عندما سارعت اسرائيل الى اقامة العلاقات الدبلوماسية وعلاقات الصداقة مع فين سين رئيس بورما المنتهية ولايته ؛ لم تعتبر الفظائع الاجرامية التي ارتكبت بحق المدنيين من الروهينغا ؛ وعلى مدار خمسين عاما ؛ عائقا يحول بينها كدولة تتغنى بالديموقراطية وبين نظام عنصري دكتاتوري .
في بورما ؛ يبقى الروهينغا - الاقلية الأكثر اضطهادا في العالم ؛ كما صنفتهم منظمة الامم المتحدة – تحت رحمة اضطهاد الجيش البورمي وأتباع الرهبان البوذيين ؛ يمنعون من الحصول على الجنسية البورمية ؛ وتفرض القيود على سفرهم داخل البلاد او خارجها ، يتعرضون للتعذيب بوسائل تقشعر لها الابدان ، والقتل الممنهج باطلاق الرصاص والحرق والشنق والغرق في عرض البحر والسحق تحت الاقدام .
يبدو ان اقطاب الحكم الفعالة في اسرائيل ماضية في تصعيد اجراءات التهجير المتواترة للفلسطينيين من القدس وبقية القرى والمدن الفلسطينية ؛ على نهج فين سين – مع اختلاف شرعية الوجود البورمي في بورما والوجود الاسرائيلي في فلسطين - لطرد ما تبقى من فلسطينيين متشبثين بما تبقى لهم من فلسطين . تغري الاسرائيليين تراجعات قتّالة في مواقف القيادات الفلسطينية المتعاقبة ؛ حتى وصلت بهم الى درجة الاذعان والتوقيع على اتفاقيات مفروضة عليهم ؛على الرغم من تنصل اسرائيل من اي بند في الاتفاقيات ؛ يكدر صفو مصالحها ويعكر مزاج تآلف احزابها ، تجرم الاتفاقيات حتى العظم ؛ حتى يتعرى التنسيق الامني في دائرة الضوء ؛ وتتجلى الصورة على انه تنسيق من طرف الجانب الفلسطيني كاملاءات اسرائيلية فقط . اذا ما اضطر محمد شتية - عضو اللجنة المركزية لحركة فتح – للتصريح بان وفدا امنيا فلسطينيا سيبلغ اسرائيل بقرار وقف التنسيق الأمني ؛ لعدم التزامها بالاتفاقيات الموقعه بين الجانبين ؛ اعتبر زئيف الكين - نائب وزير الخارجية الاسرائيلي – أن وقف التنسيق ؛ هو بمثابة ( دق المسمار الأخير في نعش السلطة ) .
اما نتنياهو - رئيس الوزراء الاسرائيلي – الذي يؤيد حل الدولتين ؛ فانه لا يرى من الناحية العملية ؛ أن تطبيقه امر ممكن ؛ ما لم يعترف الفلسطينيون باسرائيل كدولة يهودية ؛ ويوافقون على دولة منزوعة السلاح ؛ لعله ينزع فتيل التناقض بين الوجودين الفلسطيني واليهودي على ارض فلسطين ، ولعله كذلك يضمن ( ان الجيش الاسرائيلي ؛ وليست الامم المتحدة او اية قوة دولية اخرى ؛ هو فقط قادر على ضمان نزع كامل للسلاح في الضفة الغربية ) وبذلك يؤكد مدى التزامه بافراغ ( كلمة فلسطيني ) من مضمونها ؛ تلك الكلمة التي نهى مناحيم بيغن عن استخدامها بصريح العبارة .
.......................................................................................
بقلم : بديع عويس