عقود من الزمن عاشتها الدولة السورية ؛ كغيرها من الدول العربية ؛ عربية بمسحة من العروبة ، وعاشت كغيرها من الدول الاسلامية ؛ اسلامية بومضة من ا لاسلام . لو ان العربية وجدت ؛ لرأيتها ملطخة بكل اصباغ الدنيا ؛ لا لون لها يميزها عن غيرها من اللغات أو القوميات . ولو ان الاسلامية ظهرت للعيان ؛ لبدت متشظية ؛ يستعصي التئامها ؛ فالمادةالهلامية الموبوءة بكل فايروسات التفرقة ؛ هي المادة المصنعة للشعوب ؛ على انها المادة السحرية لعلاج الاحتراب الشيعي السني ؛ والاحتراب السني السني .
وصفة " تحرير فلسطين يمرّ من عمان " تم وادها في مهدها ؛ لم يكتب لها النجاح ، واعطاء الفرصة للدول العربية والفصائل الفلسطينية ؛ للثبات على جدية العمل من اجل حل " عادل " للقضية الفلسطينية ؛ وبعيدا عن المرور في عاصمة عربية ، لم تزد الفلسطينيين الا تشردا بعد تشرد والاعتراف باسرائيل دولة ذات سيادة على غالبية الارض الفلسطينية ؛ واعطاؤها الفرصة لقضم ما تبقى من" اراض " متنازع عليها ؛ بما فيها احياء القدس وشوارعها والأقصى والصخرة والقيامة .
شرعت ايران باعداد العدة لتحرير فلسطين ؛ انطلاقا من قلب بيروت ؛ ومرورا من الجنوب اللبناني ، ثم ادركت ان البوصلة قد اخطات تحديد الهدف ؛ فارتدت لتحرر بغداد اولا ودمشق ثانيا ؛ ليلتئم الهلال الشيعي ؛ على اكمل وجه وابهج صورة .
الفرصة الذهبية متاحة ؛ للتمدد الايراني في دول الجوار ؛ منذ اليوم الاول لنجاح الثورة الاسلامية ، فالدول العربية لا ترقى الى درجة الرؤيا خارج حدودها ؛ خاصة اذا لم تستطع توفير علاقة متوازنة مع مكونات الشعب التوّاق الى العيش في أمن الحرية والاقتصاد وثقافة التاريخ والجغرافيا ؛ فلم تعتمد على صورة واضحة المعالم ؛ لاقامة علاقة على اساس قومي ؛ او اقامة علاقة على اساس ديني ؛ وفي كلا الحالتين ؛ تأمين حق المواطنة ؛ بدون لبس ولا مواربة .
الا ان ايران ؛ لم تتحفّظ على اسلاميتها اولا ؛ فأعلنت عن هوية الدولة بانها جمهورية اسلامية ؛ واعلنت ان مرجعية الدولة تعود الى الولي الفقيه – المرجع الاسلامي الشيعي الاعلى - ، واعتمدت على تصدير الثورة ؛ لتحقيق أهداف توسّعية خارج حدودها ؛ حتى نجحت التجربة الاولى مع رحيل فصائل الثورة الفلسطينية من لبنان ، وبزوغ فجر حزب الله اللبناني ؛ محفوفا بشعارات المقاومة و" الموت لامريكا ، الموت لاسرائيل " .
لم تجر رياح ايران كما اشتهت سفن الشعوب الاسلامية ؛ فعاجلتهم بتصدير ثورات شيعية متواترة ؛ لم يستطع ستار العداوة لامريكا واسرائيل ؛ أن يبدد أبخرة وروائح الاجساد المتفحمة ؛ ولم يخف دموية " الجمهورية الاسلامية " ؛ فوقعت الشعوب بين نار الفتنة الطائفية وبين وطأة انظمة علمانية ؛ تعزف على وتر الطائفية حينا ، وعلى الوتر القومي حينا آخر ، وتحيي عظام القبلية والعشائرية وهي رميم ؛ وتعزف على أوتارها ؛ بخفة ودعابة ؛ احيانا أخرى ، مما أربك ارادة التثبيت لانظمة حاكمة من جهة ، و أحباط قوة المواجهة للاطماع الخارجية من جهة اخرى .
اذا القت الحرب أوزارها ؛ وتبين ان قيادات عربية واسلامية ؛ لم تعد تصلح لادارة شئون بلادها لمستقبل قادم ؛ من وجهة نظر دول عظمى كامريكا ؛ حتى لو اجزلت العطاء عليها وغمرتها بالتودد ؛ فان امريكا لن ترشحها لقيادة العالمين العربي والاسلامي ، ولن توفر لها اسباب الاستقرار لجولة قادمة ؛ خاصة وانها تعرّت بضعفها امام شعوبها ؛ واصبحت لقمة سائغة للالتهام في الوقت المناسب ، لا يسعفها لو كانت قيادات للدولة الوحيدة التي تمول مركز مكافحة الارهاب في الامم المتحدة ؛ الذي يجمع القدرات المعلوماتية والسياسية والاقتصادية والبشرية من دول العالم ، ولن يزيد في رصيد ها من الرضى الامريكي ؛ أن تشتري السندات الحكومية الامريكية ؛ ذات الفوائد المنخفضة ؛ لدعم الامريكان ، أو تبعث آلاف الطلبة الى الجامعات الامريكية ؛ بتكلفة عالية ، أو تستضيف أكثر من ثلاثين الف مواطن امريكي ؛ وبأجور مرتفعة .
عندما تورطت امريكا بخوض حرب مفتوحة في أفغانستان والعراق ؛ لم تتردد عن محاصرة جبهات القتال والسيطرة عليها ؛ من خلال توريط الشعوب المقهورة بدفع فاتورة حروب اهلية ؛ فيها يعدم الاطفال وتقصف التجمعات السكنية والمخابز والمدارس والمشافي ويقتل فيها الملايين ، وتمسخ فيها دول عربية واسلامية الى دويلات متناحرة ؛ سيطرتها على الارض بين كرّ وفرّ ، والمدنيون حصيد الحرب ؛ ان لم تحصدهم براميل المتفجرات وصواريخ الطائرات ؛ يحصدهم الحصار والتجويع والنزف والقهر واستعباد التشرد واذلال الانتقام .
واقع الحرب الاهلية في افغانستان والعراق ؛ تجاوز الحدود العراقية وحط رحاله في سوريا ؛ استعان الرئيس السوري بشار الأسد بايران ؛ فامدته بميليشيات شيعية من لبنان والعراق وافغانستان وايران ، ثم استعان بالروس ؛ الذين احكموا تنسيق عملياتهم القتالية مع ايران وأمريكا واسرائيل ؛ ثم أمدوه باسراب من الطائرات الحربية ؛ تقصف القرى والمدن ؛ تحت ذريعة محاربة الارهاب ؛ دون تمييز بين فصائل معتدلة ؛ تتلقى الدعم من قطر والسعودية وتركيا و امريكا ؛ وبين فصائل متشددة ؛ كالدولة الاسلامية – داعش – وجبهة النصرة ؛ حتى كان للاندفاع الروسي اثره على تصدع التحالف الداعم للمعارضة السورية ؛ تصدعت العلاقة بين تركيا وامريكا على اعتبار أن حزب الاتحاد الديموقراطي الكردي ؛ تنظيم مسلح موسوم بالارهاب من وجهة النظر التركية ، وفي المقابل ؛ امريكا تقدم له الدعم والاسناد ، ثم تجدد الخلاف على من هو الهدف الاول في المواجهة ؛ النظام السوري ؛ أم الارهاب المتمثل بالدولة الاسلامية – داعش - ، وخلاف آخر حول اعتبار جبهة النصرة تنظيما ارهابيا ؛ ام انه الأقرب الى الجيش الحر ؛ وبالتالي هو تنظيم معتدل .
لم تكن روسيا بعيدة عن مشهد التصادم القائم بين مصالح الاطراف المناهضة للنظام السوري ؛ مما جعلها اكثر اهتماما بتوطيد علاقتها مع الجانب الامريكي ؛ من خلال ايجاد صيغة متفق عليها بين الطرفين ؛ تكون ملائمة لانهاء الأزمة السورية ؛ في فصلها الاخير .
ما بين الفصل الاخير في مشاهد التراجيديا السورية ؛ وبين مشاهد زاهية لغد قادم ؛ في احلام سورية ؛ فاصل قصير ؛ في ضواحي دمشق المحظوظة برعاية النظام السوري ؛ مرارة مذاق القهوة ؛ لا يزيل اثرها قليل من السكر ؛ حتى لو امتزج السكر بملاطفة زوجة الرئيس – أسماء الأسد – لامرأة ترتسم على محياها علامات الكارثة السورية بكل تفاصيلها ، ولا يقلل من شأن مرارة العيش افتراش اسماء الأرض حافية القدمين .
المراة السورية المنكوبة ؛ لا فرق بين كونها من أتباع الأسد من جبلة أو من قرينتها القرداحة أو كونها ممن تظاهروا لتحسين اوضاع معيشتهم ؛ فأجبروا على حمل السلاح للدفاع عن انفسهم ،كلتا المراتين مكلومتان بجراح غائرة في الفؤاد ؛ وطن الابناء والازواج والاخوة والاحباب .
..................................................................................................
بقلم : بديع عويس
