الإعلام الجماهيري كخطاب اتهامي عاجز عن "تصحيح خطأ"

في العام 1993، اختار العلم تسليط الضوء على نتائج "الإنزيم MAOA والجريمة". وظهر حافز جديد في مجال علم وراثة الإجرام، مثير لاهتمام الوسط العلمي ووسائل الإعلام. إذ نشرت في هولندا مقالتان علميتان تصفان دراسات على عائلة أظهر كثير من الذكور فيها سلوكاً عدوانياً، أو معادياً للمجتمع. وعندما نشرت هاتان المقالتان، ظهرت مقالة صحافية بعنوان: "العثور على دليل لجين عدوان محتمل".

والإشارة حتماً إلى "جين العدوان" ساعدت في بدء الضجة الإعلامية التي أخذت تتوالى في ما بعد. فتناولت مجلة "نيوزويك" هذه الدراسة الجديدة في مقالة صحافية بعنوان: "علم وراثة السلوك السيئ: "دراسة تربط بين العنف وقابلية التوريث:The Geneties of bad behavior: A study links violence to heredity".

وعرضت في المقالة الصحافية صورة لمواجهات دامية بين الإسرائيليين والفلسطينيين، كذلك ذكرت محطة تلفزيون محلية في بوسطن القصة نفسها بين الإسرائيليين والفلسطينيين مع عرض لقطات فيلم، يعيد فيها الممثلون، تمثيل حالة سطو. أما جريدة: "أخبار الولايات المتحدة والعالم"، فأظهرت على غلافها صورة طفل يرتدي زي سجن مخطط بالأسود والأبيض، بهدف تسليط الضوء على ما كان في الواقع مقالاً نقدياً نوعاً ما يسلط فيه الضوء على الصراع العربي الإسرائيلي، باعتباره إرثاً عدوانياً لأطفال فلسطين وجيل الحجارة.

كذلك أشارت مقالة نشرت في العام 2002 من جانب الباحث "كاسبي" وزملائه حول الأشكال المتعددة والشائعة من هذا الجين، إلى أن التباين في مستويات الانزيم MAOA يمكن أن تترافق مع السلوك المعادي للمجتمع في ظروف معينة. وقدم المؤلفون دليلاً على أن الذين أسيئت معاملتهم كأطفال هم أكثر عرضة لإظهار السلوك المعادي للمجتمع من الأطفال حملة الجين MAOA، فعقدة الاعتداء على الطفل أقسى بنظرهم من إرث الجين.

وقد تبع ذلك حملة إعلامية في المجلات الشعبية ذات الطابع العلمي وفي الإعلام الجماهيري، ولو كان آخرون كثيرون ليسوا باليقين نفسه. وقد أفادت دراسات كثيرة أجريت لتقدير تأثير الدعاية الواسعة، بوجود تأثير سلبي في مواقف الآباء والأمهات والطلاب. لكن ما يثير الدهشة هو قوة بقاء هذه الأسطورة الشعبية المغلفة بالطابع العلمي طوال خمسة وعشرين عاماً. فكان التصدي لها في العام 2005 عندما عرض رئيس جامعة هارفارد "لورانس سامرز" في كلمة ألقاها، الأدلة العلمية التي تدعم التفسير البيولوجي قائلاً: "في الحالة الخاصة، هناك قضايا ذاتية". وهذا يستدعي زيادة الفهم للعوامل السياسية والاجتماعية والاقتصادية والوطنية التي تحول دون الحياة الطبيعية.

وما هو مذهل ومخيب للآمال تماماً، غياب أي تغطية من جانب وسائل الإعلام وغيرها من الجهات، لهذه النتائج الأخيرة في جامعة عريقة كجامعة هارفرد. ويبدو أن تفنيد ما كان قصصاً وأخباراً، من مثل هذه الحالات والتي أثرت ذات يوم في المواقف العامة، لم يلتفت إليها ولم تكن لتستحق النشر في حدّ ذاتها في الإعلام الجماهيري بل تم تجاهل تصحيحها تماماً. فهل يحمل ذلك في ثناياه خطاباً اتهامياً لتوجهات الإعلام الجماهيري وأغراضه.

وإذا تسنى للصفات التصحيحية للعملية العلمية أن تؤدي دورها، فهناك مشكلة في غياب التغطية الإعلامية للنتائج الجديدة التي تثبت خطأ جوانب التقرير الأصلي. ولعل المثال المعروف إنما يتبع نمطاً شائعاً في الإعلام الجماهيري إلى حدّ ما. فالعلماء إنما يجرون مشروعاً بحثياً تنتج منه نتائج واستنتاجات وافتراضات، تبدو ذات صلة بأسئلة مهمة اجتماعياً واقتصادياً وسياسياً. وهي ممارسة معقولة في المنشورات العلمية. وفور نشر المادة العلمية، يتصدى الإعلام الجماهيري لنشرها في قسم المادة الإخبارية الخاصة به، والتي تحمل في العادة عنواناً يطرح بلغة شعبية جميع الافتراضات المصوغة أكاديمياً من جانب العلماء. وتكون المادة الإخبارية بذلك موضع اهتمام الجمهور وأكثر جاذبية له من المادة العلمية. ومن تلك النقطة يبدأ تضخيم متكرر للرسالة، بما هي مادة إخبارية، لأنها تمر عبر الصحف والتلفزيون ومقدمي أخبار الانترنت وفي المجلات والمدونات الأكثر جماهيرية. وفي كثير من الحالات، تدرج الادعاءات الترويجية والشائعات المتصلة بها في الثقافة والكتب الدراسية. فتتأثر المواقف العامة والسياسة العامة، على الأقل لفترة من الوقت. وربما قد تتغير المعايير الاجتماعية. وربما أيضاً كان بعض العلماء مندهشين، أو عبروا عن أسفهم، أو توقفوا عن البحث حول هذا الموضوع، بعد رؤية التداعيات الاجتماعية المقلقة، والمتعلقة بالبحث العلمي وسبل استغلاله جماهيرياً لأغراض لا علاقة لها بالنتائج العلمية البحتة.

إن التقـــارير الخاطئـــة لوسائل الإعلام الجماهيري، والتي قد تسبب ضرراً، إنما تحمل في ثناياها خطاباً اتهامياً مسبقاً يجب التنبه إليه. ولهذا يتعين أن يكون العلماء أخلاقيين وخلاقين. في محاولة لضمان أنه عندما تدحض أي دراسة من هذا النوع الموصوف، أو يثبت خطأ افتراضاتها، أن يصار إلى إعلام الجمهور بذلك عبر وسائل الإعلام. يجب أن تكون هناك جهود للتبيين عندما يقدم إلى الجمهور علم معيب أو مبالغ في تفسيره، أو يكون ذا امكانيات كبيرة لتوليد عواقب اجتماعية ووطنية ضارة، أو أية مغالطات سياسية ذات مآرب مخصوصة لتغليب فئة على فئة. ذلك أن الفضح السليم يجب أن يقوم بما هو أكثر من مجرد استبدال تحيز بتحيّزٍ آخر. فيجب أن تستخدم البيولوجيا بصورة أكثر ملاءمة لنبذ الأفكار الخاطئة. نقلا عن "الحياة" اللندنية

المصدر: كتب: قصي الحسين -