ولادة الصهيونية الأدبية

الصهيونية، بمعنى أنها «الحركة اليهودية السياسية باتجاه فلسطين» لم تولد في مؤتمر بال في العشرين من آب/ أغسطس سنة 1897، ولكن هذا المؤتمر كان تتويجاً علنياً لسلسلة من الضغوط لعب فيها «الأدب الصهيوني» دوراً أساسياً.
وإذا كانت نهاية القرن التاسع عشر هي العلاقة الرسمية لولادة الصهيونية السياسية فإن «الصهيونية الأدبية» بدأت قبل ذلك، وكانت في الحقيقة مادة «الصهيونية الفكرية» التي كتب عنها هيس وسوكولوف وآحاد هعام وهيرتسل وغيرهم.
في البدء هناك ملاحظة أولية هامة: إن ذروة الإنتاج الأدبي الصهيوني جاءت في الفترات التي تحسنت فيها أحوال اليهود نسبياً، أي في الفترات التي أُعطي اليهود فيها حقوق المواطنة في الدول التي كانوا يعيشون فيها، والأهم من ذلك أيضاً هو أنه، في هذه الفترات بالذات، نمت الأفكار التي رسمت قاعدة الصهيونية العريضة.
وعلى عكس التصور الشائع يبدو هذا الاعتقاد غريباً، فثمة بديهية راسخة تقول إن اضطهاد اليهود هو السبب الذي دفعهم إلى الشعور بالتميز، وبالتالي إلى اكتشاف «أرض الميعاد» اكتشافاً سياسياً أخذ طابع الشعور بالاكتفاء والخلاص واسترداد الكرامة.
إلا أن دراسة تاريخ الإنتاج اليهودي، بوجه الإجمال، تعطي نتيجة معاكسة تماماً، فالإنتاج الأدبي اليهودي الأكثر رقياً ـ وتطرفاً ـ قد تحقق في فترات يمكن اعتبارها، بالنسبة لتاريخ التيه اليهودي، فترات انفراج.
ففي العهد الذي تمتع فيه اليهود بحرية كاملة تقريباً، والذي امتد عدة قرون (175 ـ 1038) لمعت أكثر الأسماء اليهودية أهمية في ميدان الإنتاج الفكري والثقافي والديني، وحقق اليهود ما يعتبرونه الآن استكمالاً للعلوم الدينية والتشريعات التي ما تزال تُعتمد إلى الآن. ولكنهم من ناحية أخرى أكملوا، في هذه الفترة، كتابة التلمود، كتاب العنف الدموي والحقد والتطرف. وشاعت أيضاً فكرة «العودة إلى أرض الميعاد» لأول مرة، ولكن على أسس دينية.
وتحت الحكم العربي في الأندلس، حيث عاش اليهود عصرهم الذهبي، أنتج يهودا بن هاليفي قصائده الدينية التي يعتبرها اليهود من أجود الشعر في تاريخهم الأدبي، وكتب مؤلفه الضخم «كتاب الحجة». وفي هذا العهد أيضاً، في الأندلس وفي المغرب وفي مصر، وتحت الحكم العربي الذي أتاح لليهود حقوقاً كاملة، كتب سعادية بن يوسف (892 ـ 942) إنتاجه التلمودي والفلسفي وقدم الترجمة العربية الأولى للعهد القديم في مصر، وكتب إسحق الفاسي (1012 ـ 1103) فلسفته بالعربية، وحقق ابن ميمون المعروف في الغرب بـ»مايمونيدس» إنتاجه الديني والفلسفي الذي يعتبر علامة من علامات اليهودية. وبوسع المرء أن يعدد الأسماء اليهودية البارزة التي سجلت للفكر اليهودي الديني قواعده في فترات الانفراج: قاشداي بن شبروت المولود سنة 961، وشموئيل هاناجيد أستاذ سليمان بن غابيرول، وغيرهما. وحين امتدت الدولة الإسلامية إلى الشرق في منتصف القرن السابع، واعترف الإسلام بالدين اليهودي، ومنح اليهود كل الحقوق التي كانوا يتمتعون بها تحت أكثر النظم الفارسية تسامحاً، حقق اليهود الذين عاشوا في ظل ذلك النظام دراسات دينية وفلسفية وشعرية مرموقة في الوقت نفسه الذي عانى فيه اليهود في أوروبا الغربية في فترات الاضطهاد التي امتدت خلال العصور الوسطى، جدباً فكرياً مدقعاً. وفي الواقع أن أية أسماء كانت تبرز في عصور الاضطهاد لم تكن في الحقيقة أكثر من امتدادات دراسية لإنتاج حصل في فترات الانفراج والتسامح، ومن النادر أن نرى إنتاجاً يهودياً بارزاً وخلاقاً كان وليد فترة اضطهاد: فقد عاش اليهود الإسبان وسكان فرنسا الجنوبية في فترات الاضطهاد التي أعقبت التراجع العربي عن الأندلس على دراسة إنتاج ابن ميمون وتوسيعه والتعقيب عليه، ونلاحظ الشيء ذاته أيضاً في الفترة الاضطهادية التي أعقبت تفسيرات راشي للتلمود والتي كتبها في النصف الثاني من القرن الحادي عشر، والتي بقيت مصدراً للفترات التي جاءت في أعقاب عصر راشي.
وفي أواخر القرن الخامس عشر لم يجد اليهود في العالم مكاناً أكثر اطمئناناً وتسامحاً من القسطنطينية، وسرعان ما صار يسكنها أكثر من 30 ألف يهودي وصلوا إليها هاربين من اضطهاد أوروبا. وبعد محل دام ألف عام تقريباً، ازدهر مركز ثقافي يهودي جديد في فلسطين نتيجة لتسامح حكام القسطنطينية هذا، وكان اليهود الهاربون من أوروبا الشرقية والوسطى قد وصلوا، عن طريق القسطنطينية، إلى صفد وكوّنوا مركزاً دراسياً منتجاً، وفي هذا المركز برز جوزيف كارو (1488) وإسحق لوريا (1532).
وفي هذه الفترة بالذات، تقريباً، تحولت بولندا أيضاً إلى مركز ثقافي يهودي آخر نتيجة تحسن نسبي في أوضاع اليهود هناك، وموّن هذا المركز ثقافة يهود ألمانيا الدينية الذين كانوا يخضعون لموجة اضطهاد آنذاك.
وبسبب ما يُعرف بـ»مذابح القوزاق» في بولندا كفّت هذه الأخيرة عن كونها مزكز إنتاج فكري، وأضحت هولندا مركزاً جديداً للإنتاج بسبب جو الانفراج الذي أتيح لليهود هناك، وحقق باروخ سبينوزا (1632 ـ 1677) دراسات متفوقة، ومعه كتب ميناسيح بن إسرائيل (1604 ـ 1657) دراسات دينية وأدبية تبرز فيها ملامح تطرف مبكر (…)
إن الاضطهاد لم يكن، في الحقيقة الموضوعية، الرحم الذي استولد الصهيونية، ولكن ما يبدو أقرب إلى الحقيقة هو أن الفترات الانفراجية التي كان يمكن أن تكون مدخلاً إلى الاندماج كانت تُرفض من قبل طبقة يهودية خاصة رفضاً عرقياً وعنصرياً محضاً. كان ثمة استبدال في الأدوار، بين المضطهَد والمضطهِد، يلفت النظر فعلاً. لقد تولى الموقف العرقي اليهودي، الذي قاده غالباً رجال يهود تمتعوا بامتيازات خاصة على حساب الأقلية اليهودية المضطهَدة، إفراز الصهيونية السياسية، من مواقع عنصرية. إن التاريخ اليهودي يثبت بأن الفترات التي ساهمت في إثبات الشخصية اليهودية كانت تلك التي لم يُضطهدوا فيها. والحقيقة أن الأعمال اليهودية الكلاسيكة الكبرى، التي تشكل في مجموعها التراث اليهودي، أُنشئت في الفترات التي لم يعانٍ فيها اليهود من الاضطهاد والمخاوف». فإذا كان التراث اليهودي، وما أسماه روزمارين بـ»الشخصية اليهودية» قد تكوّن في فترات الانفراج، فإن الدعوة للانفراج، إذن، كان ينبغي أن تكون رسالة الصهيونية، ولكنها ـ لأغراض عنصرية ـ أخذت الصهيونية الموقع المعاكس، فدعت دائماً إلى التمييز، ورفض الاندماج، الأمرين اللذين كانا يؤديان دائماً إلى استبعاد الانفراج.
«في الأدب الصهيوني» 1966

رجل في الشمس

في مطلع ستينيات القرن المنصرم كان للأديب الفلسطيني الشهيد (1936ـ1972) فضل ريادي في كسر وضع عالق عانى منه الوعي العربي طيلة عقود؛ إذْ ظلّ أسير مزيج شبه صوفي من المفاهيم المطلقة التي تجرّد الصراع العربي ـ الإسرائيلي من محتواه التاريخي والقومي، وتختزله في تعبيرات رثائية من نوع «مأساة فلسطين» و«نكبة 1948». ذلك التجريد تسبّب في تجميد الإبداع الفلسطيني عند مستويات الحنين، والرثاء، ومعاناة اللاجئين في المخيمات، فضلاً عن التناول التنميطي السطحي لدولة إسرائيل وللحركة الصهيونية إجمالاً.
إسهام كنفاني تجلى في محطتين، الأولى كانت روايته «رجال في الشمس»، 1963، التي شكّلت علامة فاصلة في الأدب الفلسطيني، وقفزة نوعية في الشكل والمحتوى؛ كما جمعت، بمهارة رفيعة، بين الهمّ القومي الوجودي والهمّ الاجتماعي السياسي عند مجموعة تمثيلية منتقاة من الفلسطينيين «الفعليين»، أي البشر العاديين غير المؤَسْطَرين. المحطة الثانية كانت دراسات كنفاني في الأدب الفلسطيني: «أدب المقاومة في فلسطين المحتلة»، 1966؛ و»الأدب الفلسطيني المقاوم تحت الاحتلال»، 1968. وهذان الكتابان قاما، في حقل الدراسة الأدبية، بما قامت به «رجال في الشمس» في حقل التخييل الإبداعي؛ أي تعريف الشارع العربي العريض على أدب متميّز يكتبه فلسطينيون «عاديون»، من أمثال محمود درويش وإميل حبيبي وسميح القاسم وتوفيق زياد… في أماكن مثل حيفا ويافا وعكا والجليل.
تشرّد كنفاني عن مسقط رأسه عكا، عام 1948 بعد قيام إسرائيل، فنزحت أسرته إلى لبنان، ثم تقلّب في أكثر من مهنة، في دمشق والكويت وبيروت، وصولاً إلى الانخراط في صفوف المقاومة الفلسطينية عام 1960، وتوزعت اهتماماته بين الأدب والسياسة والصحافة. عمل محرراً أدبياً في صحيفة «الحرية»، ثم ترأس تحرير «المحرّر» عام 1963، وساهم في «الأنوار» و»الحوادث»، حتى عام 1969، حين أسّس أسبوعية «الهدف» وبقي رئيساً لتحريرها وناطقاً إعلامياً باسم «الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين» حتى اغتياله على يد الموساد في بيروت، صباح يوم السبت 8/7/1972، بعبوة ناسفة وُضعت في سيارته (استُشهدت معه ابنة شقيقته، لميس حسين نجم، 17 سنة).
وفي تقديمه لأعمال الأدبية الكاملة، أشار محمود درويش إلى معضلة حرف العطف، «الواو»، الذي يفصل بين مفردتَيْ «الكاتب» و»المناضل» في تعريف كنفاني. لماذا لا يتماهى الكاتب في المناضل، فيقال «الكاتب المناضل»، بدل «الكاتب والمناضل»؟ وهل تستعصي العلاقة بين رجل يكتب في سياق نضاله أو لأنه يناضل، ورجل يناضل في سياق كتابته أو لأنه يكتب؟ ولماذا لا يتمّ ذلك في حالة ساطعة صريحة مثل بالذات؟

غسان كنفاني

نقلا عن "القدس العربي" اللندنية