أصدر القضاء العسكري في قطاع غزة أخيرا للمرة الأولى أحكاما بالسجن بحق شبان تسللوا إلى داخل إسرائيل.
وقال مصدر في القضاء العسكري في غزة لوكالة أنباء "شينخوا" الصينية، إن أربعة أحكام صدرت خلال الأيام الأخيرة بحق شبان تسللوا إلى إسرائيل ضمن مسعى جديد لتشديد العقوبات في هذا الملف.
وذكر المصدر، الذي طلب عدم ذكر اسمه، أن الأحكام غير المعلنة هي السجن لمدة تتراوح بين شهرين إلى ثلاثة أشهر مع دفع غرامات مالية وذلك بغرض الحد من ظاهرة التسلل "غير القانونية".
من جهته، قال الناطق باسم وزارة الداخلية في غزة إياد البزم، إنها "حذرت مرارا وتكرارا من حالات التسلل إلى داخل الأراضي المحتلة (إسرائيل) وما ينطوي على ذلك من خطورة".
وأوضح البزم أن الخطورة "تتعلق بالشبان المتسللين أنفسهم وبالمجتمع الفلسطيني في ظل محاولات الاحتلال ابتزاز هؤلاء الشبان وإسقاطهم للعمل كمتخابرين معه ".
وأضاف أن وزارة الداخلية تعمل على تشديد إجراءات لمحاسبة كل من يقوم بالتسلل "باعتبار ذلك أمر يخالف القانون ويعرض أمن المجتمع الفلسطيني للخطر".
وأشار إلى أن "كل من يتم يثبت محاولته التسلل من قطاع غزة يتم توقيفه من الأجهزة الأمنية، وتحويله للأجهزة المختصة والنيابة حتى يتم إصدار الحكم المناسب من القضاء ضده ".
وحول ثبوت حالات تعاون شبان متسللين من غزة مع المخابرات الإسرائيلية قال البزم "إن إسرائيل تسعى بكل جهد من أجل ابتزاز الشبان المتسللين وإسقاطهم، وهناك من يتعرض لضغوط كبيرة من أجل ذلك ".
وأضاف "لذلك فإن الأجهزة الأمنية في غزة تتابع الملف بشكل مكثف من أجل معالجته واتخاذ إجراءات مشددة للحد منه وإنهائه كليا ".
وتنتشر قوات الأمن التابعة لوزارة الداخلية في قطاع غزة التي تديرها حركة حماس على أجزاء واسعة من السياج الفاصل داخل القطاع ومن ضمن مهامها منع محاولات التسلل.
ولا يوجد إحصائيات دقيقة حول ظاهرة محاولة تسلل الشبان من قطاع غزة إلى داخل إسرائيل، لكن إحصائيات حقوقية ترصد عشرات المحاولات منذ منتصف عام 2013 وتسجل حالات منها بشكل شبه يومية.
وغالبا ما يقضي هؤلاء فترات سجن تتراوح بين 3 أشهر إلى 20 شهرا عند إلقاء القبض عليه من الجيش الإسرائيلي قبل أن يتم الإفراج عنهم.
ويعد التعرض للاعتقال أهون السيناريوهات لمن يخاطر بمحاولة التسلل عبر السياج الفاصل بين قطاع غزة وإسرائيل الذي تعرف المنطقة المقام بها بأنها متوترة وقابلة للانفجار في أي لحظة.
إذ لا يتردد الجنود الإسرائيليون المتمركزون على بعد أمتار من السياج الفاصل على امتداد قطاع غزة من شماله إلى جنوبه في إطلاق النار إذا اقترب أي شخص من السياج.
وسبق أن تعرض عدد من الشبان للقتل والعشرات للإصابة لدى محاولتهم التسلل، بحسب المصادر الحقوقية.
وقال سمير زقوت مسؤول البحث الميداني في (مركز الميزان) لحقوق الإنسان الذي ينشط في غزة ل"شينخوا"، إن محاولة التسلل الحدودية "تشبه من يحمل كفنه على كتفه ويتقدم دون خيارات".
وانتقد زقوت "لجوء السلطات الحاكمة في غزة دائما إلى تغليظ العقوبات باعتبار ذلك هو الحل من دون البحث عن الأسباب الحقيقية ووضع حلول جدية للمشكلات الاجتماعية في القطاع".
وأشار إلى أن الغالبية العظمى من المتسللين- إن لم يكن جميعهم- هم شبان دون 25 عاما يخاطرون بحياتهم للبحث عن فرصة عمل بعد أن تضيق الحياة بهم جراء البؤس والفقر والبطالة.
وعليه اعتبر زقوت، أنه "مهما تم فرض أحكام عقاب فإنه إذا لم تعالج أسباب ودوافع هذه الظاهرة فإنها ستستمر ولا يمكن أن تحكم الأمور فقط بالعقاب في ظل إهمال المشكلات الاقتصادية والاجتماعية ".
ورأى أنه "لا يمكن أن تقضي العقوبات على مشكلات اجتماعية نابعة من سياق موضوعي لتطور الأوضاع المعيشية، والمتسللين ليسوا مجرمين بل شبان يخاطرون بحياتهم هربا من واقع حياتهم ولن يردعهم السجن".
وتفرض إسرائيل حصارا مشددا على قطاع غزة منذ منتصف عام 2007 إثر سيطرة حركة حماس على الأوضاع فيه بالقوة بعد جولات اقتتال مع القوات الموالية للسلطة الفلسطينية.
وأدى ذلك إلى أن تصبح نسبة البطالة في أوساط سكان قطاع غزة البالغ عددهم زهاء مليون و900 نسمة من بين الأعلى في العالم حيث وصلت إلى حوالي 41 في المائة بحسب الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني.
ومنذ سيطرة حماس على قطاع غزة ظلت تعتبره إسرائيل كيانا معاديا، وشنت عمليات عسكرية ضد الحركة وباقي التنظيمات الفلسطينية فيه كان آخرها هجوما استمر 50 يوما صيف عام 2014.
وعمل الجيش الإسرائيلي لسنوات على مكافحة أي محاولات للتسلل من غزة بفرضه منطقة عازلة على امتداد حدود القطاع.
وجعل الجيش المنطقة العازلة مستوية كليا تقريبا كي تظهر فيها آثار أي قدم بسهولة، وهو يقيم بعدها خطين من الأسلاك الشائكة، يتخللهما أبراج مراقبة تحتوي على كاميرات تجعل عملية التسلل تبدو مستحيلة.
ويضاف إلى ذلك أن أعدادا كبيرة من الدوريات العسكرية الإسرائيلية تجوب المنطقة الحدودية على مدار الساعة.
وسبق أن أعلن الجيش الإسرائيلي في عدة مناسبات أنه من المحظور كليا على سكان قطاع غزة الاقتراب من السياج الفاصل باعتبار ذلك من الأعمال العدائية.
ويقول الجيش إنه ينشر أجهزة مراقبة إليكترونية حديثة ودوريات برية ترصد الحدود بشكل دائم ومكثف للتصدي لأي محاولة تسلل غير مشروعة "لاحتمال أن يتضمن ذلك النية بشن عمليات عدائية".
ولا يعرف على وجه الدقة إن كانت محاولات للتسلل نجحت لفلسطينيين انتقلوا بهذه الطريقة للعمل داخل إسرائيل.
وقال زقوت، إن ما يدفع الشبان إلى التسلل لإسرائيل رغم علمهم الكامل بما يحمله الأمر من مخاطر هو البحث عن فرصة عمل بأي ثمن.
واعتبر زقوت، أن ما يتعرض له هؤلاء من مخاطر تصل إلى حد الموت يمثل الوجه الحقيقي لواقع "غياب العدالة" في حياتهم.
وأضاف "الأمر هنا يكشف تحلل السلطات الإسرائيلية من التزامها بموجب قواعد القانون الدولي بوصفها ملزمة بإتاحة فرص العمل وكافة الخدمات للشبان في غزة وهو ما لا تقوم به".
كما شدد زقوت، على أن السلطات في غزة والسلطة الفلسطينية مسؤولة كذلك بشكل مباشر عن استمرار تفاقم ظاهرة التسلل والمطلوب منهم وضع حلول فورية لمجمل الأوضاع المعيشية السيئة في القطاع.
