يجد عدد من المعلّقين السياسيين في إسرائيل أن ما يجري في الولايات المتحدة يزيد من حدة القلق الذي ينبغي أن تشعر به الدولة العبرية. فأميركا ليست مجرد حليف لإسرائيل ولذلك فإن التطورات في الحلبة الداخلية هناك تشير إلى تغييرات تدريجية تحدث وهي ليست في صالح إسرائيل. وفي البداية كانت القناة العاشرة، عبر سلسلة من التقارير عما يجري في الجامعات الأميركية من تراجع في نسبة التأييد لإسرائيل ثم تبع ذلك السجال بين المرشحين الديموقراطيين الأبرز، بارنس ساندرس وهيلاري كلينتون.
وفيما يعتقد البعض أن تراجع التأييد لإسرائيل يعود إلى سلوكيات رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو يرى آخرون أن قطاعي الشباب والنخبة في أميركا يتحررون بشكل متزايد من وهم مثالية الدولة العبرية. وما يزيد الطين بلة أن التغييرات تجري أيضا في الوسط اليهودي الذي لم تعد شرائح متزايدة منه تتماثل مع إسرائيل بوصفها دولة احتلال قمعية ولا حتى كونها دولة يهودية "تضطهد" أيضا اليهود غير الارثوذكس الذين يشكلون أغلبية اليهود في أميركا ذاتها.
وكان من المؤكد سابقا أن الأغلبية الساحقة من يهود أميركا تتماثل مع الحزب الديموقراطي بطروحاته الليبرالية نسبيا وانفتاحه على الأقليات خلافا لموقف الحزب الجمهوري الذي كان أكثر انغلاقا على هذا الصعيد. لكن مع تنامي الفاشية في إسرائيل وتحالف اليمين الإسرائيلي مع اليمين الأميركي، خصوصا في الأوساط الإنجيلية، تزايد انجذاب شرائح من اليهود نحو الحزب الجمهوري. ومع ظهور درجات من الاختلاف بين رؤساء ديموقراطيين وحكومات يمينية في إسرائيل حتى انحاز بعض اليهود ومنظماتهم، خصوصا اللوبي الصهيوني، إيباك، للجمهوريين.
في كل حال تشير معطيات كثيرة إلى أنه من الناحية الظاهرية بدا أن المرشح الجمهوري المهووس، دونالد ترامب هو الأقرب إلى المزاج المؤيد لإسرائيل. فهو أعلنها مرارا أنه ليس بين المرشحين من هو أقرب إلى إسرائيل اليمينية منه. ونشرت صحف إسرائيلية مديحا كبيرا لترامب بعد الخطاب الحماسي الذي ألقاه حبا في إسرائيل في مؤتمر إيباك الأخير. بل أن بعض هذه الصحف نشرت ما يفيد أن مقاطع من خطاب ترامب في مؤتمر إيباك كتبت بالتشاور مع السفير الإسرائلي في واشنطن، المقرب جدا من نتنياهو، دونالد ترامب.
ومعروف أن رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو، على الأقل في المعركتين الانتخابيتين الأخيرتين، وقف علنا إلى جانب المرشح الجمهوري ضد المرشح الديموقراطي. والآن، وبعدما صار ترامب هو من يكتسح معسكر الجمهوريين صار نتنياهو يستشعر الخطر من مهووس كهذا لذلك صار يبدي ابتعادا عن التدخل في الانتخابات الأميركية. وواضح أن الهوس لدى ترامب والخلافات الشديدة حوله داخل معسكر الجمهوريين زادت بشكل كبير من فرص نجاح المرشح الديموقراطي.
ومن الجائز أن المشكلة هنا صارت أكبر مما كان متوقعا في أي وقت مضى. فقد نشب سجال حول إسرائيل أكثر من أي وقت مضى حينا بين الجمهوريين والديموقراطيين، وحينا آخر بين الديموقراطيين أنفسهم. ولم يعن ذلك سوى أن الدولة العبرية التي كان يتنافس على كسب ودها كل المرشحين من الحزبين صارت موضع خلاف ولو جزئي لم يكن قائما في الماضي. وتبدو الصورة أشد قتامة من وجهة نظر إسرائيل بسبب أن بين أبرز المرشحين للرئاسة يهودي هو بارني ساندرس.
وقد نقل بارني ساندرس الخلاف مع إسرائيل إلى مستوى لم يسبق له مثيل ربما بفضل تحرره من إمكانية اتهامه باللاسامية. ورغم إعلانات ساندرس المتكررة بأنه مؤيد لإسرائيل وملتزم بأمنها إلا أن مجرد دعوته إلى الأخذ بالحسبان أيضا بمظلومية الفلسطينيين جعل منه عدوا في نظر أغلبية الإسرائيليين. وهكذا فإنه في الصراع بين ساندرس وهيلاري كلينتون تجد إسرائيل نفسها أقرب إلى كلينتون.
ومن الجلي أن ما جرى حتى الآن ليس سوى تعبير عن ميل يزداد قوة مع مرور الوقت سواء لاعتبارات داخلية أميركية أو لاعتبارات دولية. فاهتمام أميركا بالشرق الأوسط يتقلص مع استمرار تقلص الدور الأميركي عالميا وكذلك فإن إسرائيل تتحول إلى عبء متزايد. ولكن لا يقل أهمية عن ذلك أن إسرائيل في توجهاتها تتعارض مع الميول العالمية المتجهة نحو الانفتاح والتداخل والشفافية. وقد اعتبر المدير العام السابق لوزارة الخارجية الإسرائيلية، أوري سافير في مقالة نشرها في "معاريف" أن جانبا من تراجع مكانة إسرائيل يعود إلى ما يراه الأميركيون منها. وهكذا لاحظ أن الممثلين الثلاثة المعتمدين لإسرائيل في أميركا لا يمثلون إلا التيار الأشد يمينية فيها. فالسفير الإسرائيلي في واشنطن رون دريمر، من مدرسة المحافظين الجدد والمبعوث الإسرائيلي في الأمم المتحدة هو الليكودي المتطرف داني دانون وأعلنت إسرائيل عن تعيين زعيم المستوطنين السابق، داني ديان، الذي رفضت البرازيل اعتماده سفيرا لديها، قنصلاً عاما لإسرائيل في نيويورك.
ولاحظ سافير أن دريمر ليس سفيرا لدى أميركا بقدر ما هو معتمد لدى الحزب الجمهوري كما أن المبعوث إلى الأمم المتحدة هو "سفير ضد الأمم المتحدة ويتصرف في الجمعية العمومية وكأنه في مركز الليكود. كما أن داني ديان سيكون ممثل المستوطنين، وفي الأساس اليمين اليهودي (وهو أقلية في أميركا) الذي تمثله إيباك والحريديم في بروكلين". وفي نظره هذه وصفة لنفور أغلبية اليهود من مؤيدي الحزب الديموقراطي ومن اليهود المحافظين والإصلاحيين الذين يعتبرون في نظر الأرثوذكس "أعداء لليهودية".
ولذلك لم يكن غريبا أيضا أن يكتب المعلق الشهير في "يديعوت" إيتان هابر أن "أميركا تهجرنا: ينبغي بل وواجب أسمى علينا أن نلحظ التصدعات التي تتكشف في العلاقات الخاصة بين إسرائيل وأميركا". واستذكر القلق من احتمال تصويت أميركا إلى جانب قرار في مجلس الأمن الدولي موضحا أن هذا سيكون "عند الأميركيين مجرد قرار آخر، لكنه بالنسبة لنا قد يكون مسألة أن نكون أو لا نكون".
