ليبرمان بين اغراءات خارجية وكوابح داخلية

بقلم: بديع عويس

ليبرمان .. وزير الدفاع الاسرائيلي .. ربما يكون الشخصية الانسب الى مرحلة تمتين العلاقة الاستراتيجية مع الاتحاد الروسي ؛ في ظل اندفاع بوتين الى توسيع دائرة السيطرة والنفوذ الروسي في عدة مناطق من العالم ؛ الامر الذي لاقى صداه في شخص ليبرمان الأقرب من حيث انه الاكثر قبولا عند مليونين من المهاجرين الروس في اسرائيل ، والاكثر اندفاعا نحو تحقيق الحلم الصهيوني الممتد بين النيل والفرات . ولذلك سارع نتنياهو .. رئيس الوزراء مكرها ؛ الى اخراج فيلم الاعدام في الخليل ، مما ادى الى اقالة يعلون .. واستبداله بصديقه اللدود افيغدور ليبرمان .
لم يخف ليبرمان - من خلال تصريحاته الصحفية ومواقفه السياسية ورؤيته الامنية - ميوله الى اعادة احتلال غزة وترسيخ الوجود الاستيطاني والتهام المزيد من الاراضي الفلسطينية المحتلة وطرد ابومازن واستبداله بشخصية قيادية اخرى . لكن عملية تل ابيب كانت بمثابة عنصر المباغتة الذي شكل له تحديا قويا قبل ان يكون صفعة لنظريات الامن الاسرائيلية المتفائلة بفترة هدوء نسبي وانخفاض العمليات الفدائية . لن يكون الردّ على العملية كما يحلو لوزير الدفاع ان يكون ، كان صريحا في قوله (لن افصح عن الخطوات التي سنتخذها ردا على العملية ؛ ولكن الاكيد هو اننا لن نكتفي بالاقوال ) .
بالطبع سوف يضطرّ الى مواجهة الجيش لاعتبارات ؛ ان تعيينه كان خطأ كبيرا ؛ وتجربته لا تكاد تذكر .. وفي ذات الوقت .. هو مضطرّالى اتخاذ قرارات مصيرية للردّ على عمليات تستهدف الامن الاسرائيلي ، اضف الى ذلك معضلة اقناع الجمهور الاسرائيلي بانه لا يقوم بارسال الجنود الى الموت .
لا يخلو تاريخ وزير الدفاع الاسرائيلي من بصمات تتصف بالمرونة ، ليست بالصلابة المعلنة أو المعهودة عنه ؛ فقد نجح في جعل الليكود يوافق على تسليم مدينة الخليل ، وأيد تجميد البناء في الضفة الغربية في الكابنيت ، ووافق على اطلاق سراح آلاف المعتقلين ؛ كبادرة حسن نية الى ابو مازن ، ولم يوافق على الانضمام الى حكومة نتنياهو السابقة بدون حزب العمل ، واستعد للتنازل عن منزله في نوكاديم الى العرب .
كل ذلك في سبيل توفير الامن المفقود عند الجمهور الاسرائيلي ؛ المرتبط دائما في سلب الامن والاستقرار من حياة الفلسطينيين ، فالقيادة الاسرائيلية تبدع في صناعة الأدوات الضاغطة على الانسان الفلسطيني ؛ حتى من محيطه العربي ؛ تتجاوز دائرة التعاون الدبلوماسي مع كل من الاردن ومصر ؛ حتى تتواصل مع الامارات العربية والسعودية والمغرب والكويت والبحرين ، لا بل انها تبث رسائل احباط قتالة الى الشعب الفلسطيني يفهم من محتواها ان السلطة الفلسطينية هي عبارة عن مقاول امني من الباطن ؛ يهدف الى حماية كيان الاحتلال ؛ وذلك لاضعاف السلطة ؛ ونزع الشرعية الشعبية عنها ؛ مهما سعت السلطة الى استخدام التنسيق الامني في دائرة الخدمات ، ومهما سعى الرئيس ابو مازن الى وصف التنسيق الامني انه مقدّس وسيستمرّ .
كما تبدع القيادة الاسرائيلية في قطف ثمار نرجسية بعض القيادات الفلسطينية المقترنة باداء قيادي مشلول ؛ يعجز عن توحيد الصف الوطني على صعيد الفصيل الواحد ؛ او على صعيد الفصائل مجتمعة ، والمقترنة ايضا بمدى الولاء والتبعية المترتبة على المكتسبات والامتيازات المشروطة . وتدخلها في دائرة الحرب النفسية ؛ تنال منها في قتل الروح المعنوية لدى الفلسطينيين ؛ تماما كما استخدمت الاسلوب ذاته في بث الرعب والخوف في نفوس جنود الجيوش العربية في حرب العام 1967 ، كون غالبيتهم من الفلاحين البسطاء والبدو الذين يعتمدون في الحصول على المعلومات على الاشاعات .
الأدوات العربية الضاغطة على الانسان الفلسطيني ؛ بارادة وتدبير اسرائيلي هي بمثابة اغراءات متوفرة لدى وزير الدفاع الاسرائيلي يمكنه توظيفها في حصد المزيد من المكاسب الاسرائيلية ؛ علاوة على الخطوات الحثيثة التي يسعى من خلالها كلا الجانبين الاسرائيلي والروسي لبناء تحالفات جديدة على حساب الولايات المتحدة واوروبا ؛ خاصة بعد العلاقات المتوترة مع الرئيس الامريكي باراك اوباما ، وتهديد اعضاء الكونغرس الامريكي بتقليص المساعدات المالية والعسكرية الى اسرائيل ، وكذلك تبلور حركات مقاطعة اسرائيل ، وتصاعد اليمين المتطرف والمعادي الى اليهود والمسلمين على السواء .
في الوقت الذي يتخذ فيه الاتحاد الاوروبي مواقف ايجابية اتجاه الدولة الفلسطينية ، تجد ان اعضاء مجموعة غرب اوروبا هم من رشّح اسرائيل الى رئاسة اللجنة القانونية في الهيئة الدولية ؛ وتم انتخاب مندوب اسرائيل في الامم المتحدة داني دانون رئيسا للجنة ؛ والذي يعد انجازا الى اسرائيل على الحلبة الدولية ؛ بعد 67 عاما ؛ لم يتعين ممثل عنها رئاسة اية لجنة دائمة للامم المتحدة .
أجادت اسرائيل منذ نشاتها اقامة علاقاتها الخارجية حسب قوة النفوذ اليهودي وتاثيره في البلدان التي يتواجد فيها او يصل اليها ؛ في الغرب او في الشرق ؛ مما جعل الشرق والغرب يتنافسان على تقديم المساعدات السخية لها ؛ في الوقت الذي لا يغيب عن حساباتهم مدى تضارب المصالح في بعض الاحيان . هذه المعادلة انعكست على التوجه العام للشارع الاسرائيلي ؛ منذ انشئت اسرائيل على ايدي نخبة من المستوطنين الاوائل وحتى أغلقت كل الأبواب في وجه رئيس الوزراء الاسرائيلي بيبي نتنياهو ؛ ولم يجد بديلا عن ليبرمان ليكون رئيسا لوزارة الدفاع ؛ أمامه الكثير من الاغراءات الخارجية لكسب المزيد من الانجازات الاسرائيلية ؛ وفي طريقه الكثير من العقبات الداخلية ؛ والتي تعد كوابح تحول بينه وبين تنفيذ الكثيرمما يحلم به او يطمح الى تحقيقه .
..........................................................................................................
بقلم : بديع عويس