تحاول إسرائيل جاهدة القفز عن حرب لبنان الثانية وابتكار مشاهد وأساليب توحي بأن ما كان لم يعد قائما وأن كل شيء تغير. وهي في محاولتها هذه لا تستبعد أي وسيلة من وسائل اللف والتلوين والخداع. لكنها مع ذلك، وبعد مرور عشر سنوات على تلك الحرب، تبدو عاجزة عن إقناع نفسها بأن الأمور تغيرت. ففي قرارة نفسها تخشى أن ما أظهرته تلك الحرب من معان وأبعاد يعمق إحساسها بفقدان الثقة بمستقبلها: فهي ليست كلية القدرة تماما وعدوها ليس معدوم القدرة أبدا.
ومن المؤكد أن إسرائيل، في كل يوم، وخصوصاً في حمى الأحداث العسكرية الساخنة وخصوصاً "العمليات" أو الحروب ضد قطاع غزة تضطر لإجراء المقارنة مع حرب لبنان الثانية. وتظهر معظم المقارنات أن قدراً كبيراً مما تدعي إسرائيل استخلاصه من تلك الحرب، لا يجد له أثرا في الواقع. وكلما قرأ الإسرائيلي عن استمرار الخلل في حماية الجبهة الداخلية أو ضعف الأداء القتالي للقوات المحاربة أو خبرة المقاتل العربي وتطور أدائه أو تعاظم عزمه، كلما ازداد تشككا بقدرته على تحقيق النصر.
وفي كل الأحوال فإن الانطباع السائد لدى الإسرائيليين بعد حرب لبنان الثانية يتلخص في فقدان الجيش الإسرائيلي القدرة على حسم الحروب وبالتالي تحقيق الانتصارات. ويتفاقم هذ الانطباع عند الإحساس بالعجز، رغم كل ما تمتلكه إسرائيل من قوة، على التأثير ليس فقط في مجرى القتال وإنما أيضا التأثير في ديمومته. ولم تغير من هذا الواقع شيئا "نظرية الضاحية" التي تبلورت وفق منطق تكبيد العدو خسائر وأضرار فادحة مقابل كل مس بإسرائيلي أو بأملاكه. فتدمير الضاحية الجنوبية في بيروت، كما العديد من القرى والبلدات في الجنوب اللبناني، وكذا في قطاع غزة، لم يوفر لإسرائيل فرصة مشاهدة الرايات البيضاء، بل زاد عزيمة المقاومين على القتال.
وواضح أن المجابهات العسكرية اللاحقة خلقت عند القيادات الإسرائيلية السياسية والعسكرية ميلا واضحا للتبرير. وربما أن الذكرى العاشرة للحرب على لبنان أتاحت الفرصة للقادة السابقين والحاليين للإكثار من التبرير. ففي نظر رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو كانت تلك الحرب بين الحروب "الأشد تبريرا" و لكن الرئيس الإسرائيلي رؤوفين ريفلين اضطر للاعتراف تلميحا بمزاج جمهوره حينما قال إن "الحرب فتحت عيوننا، والجيش الإسرائيلي أصلح وحسن" الكثير من أدائه. ورغم ادعاء الكثير من القادة الإسرائيليين بأن حرب لبنان الثانية حققت الردع وخلقت فترة الهدوء الأطول على الحدود مع لبنان إلا أن وزير الجيش، أفيغدور ليبرمان أقر بأن "الهدوء النسبي بعيد عن أن يمثل المزاج السائد وسط أعدائنا".
ولكن ما يزيد الطين بلة في نظر الإسرائيليين أن حزب الله، الذي تم اختباره في حرب تموز 2006، يزداد قوة وخبرة جراء انخراطه في الحرب داخل سوريا. ولذلك فإن كل السيناريوهات الإسرائيلية تتوقع في أي مواجهة مقبلة أن يكون خطر "حزب الله" أشد مما كان في الحرب الماضية. ويزداد القلق الإسرائيلي من "حزب الله" وتعاظم قوته جراء الشعور بأن تورطه في الحرب في سوريا لم يشغله عن تعظيم قوته في مواجهتها على الحدود اللبنانية.
ويتعاظم الجدل في إسرائيل حول حرب لبنان الثانية جراء الشعور العام بالفشل في تحقيق أماني الإسرائيليين في النصر من جهة وفي إشباع غريزتهم للانتقام من جهة أخرى. وتكاد كل الاستطلاعات تجمع حول أن "حزب الله" وبياناته وتهديداته تنال في إسرائيل صدقية لا تحوم حولها شكوك. ولم تفلح القيادات الإسرائيلية على مر السنين الفائتة في إضعاف هذا الشعور وتعزيز ثقة الإسرائيليين بأنفسهم في مواجهة "حزب الله". وبقي الجدل ساخنا حول تقرير لجنة فينوغراد وتوصياتها والتي وصمت بالعار الكثير من القادة العسكريين في الجيش الإسرائيلي.
وبالإجمال هناك قناعة في إسرائيل بأن حرب لبنان الثانية كانت نموذجا هائلا للحرب على الوعي والصورة. وإذا كان وزير الجيش السابق موشي يعلون أول من استخدم ونشر تعبير "كي الوعي" في إشارة إلى استراتيجية إسرائيل في أن تغرس العجز في نفوس العرب والفلسطينيين فإن هناك من يرى أن "حزب الله" أفلح في "كي وعي" الإسرائيليين في حرب لبنان الثانية. وما كان بالوسع أن "يكوي" "حزب الله" وعي الإسرائيليين فقط عبر استعماله الحرب النفسية إلا من خلال حسن استعماله لأدواته القتالية. وقد نجح "حزب الله" في ترسيخ نظرية "الدعاية المسلحة" عبر استخدام صواريخ العمق وطول النفس في القتال ومفاجأة العدو في عدد من القطاعات.
وثمة أغلبية في إسرائيل ترى أن حرب لبنان الثانية حفرت في الذاكرة القومية الإسرائيلية ليس فقط بسبب الخسائر في الأرواح وإنما أساسا جراء فقدان الجمهور الإسرائيلي ثقته بقيادته. وبين هذ وذاك كان الصراع على الصورة والوعي على أشده لشكل فاق تقريبا كل الحروب الإسرائيلية سابقا، على الأقل من الجانب الإسرائيلي. فلأول مرة تجد الجبهة الداخلية الإسرائيلية نفسها في مواجهة جماعية مع العدو من دون أن يكون هناك أي حاجز فعّال بينها وبينه. وهذا ما ساعد على تقليص ثقة الإسرائيليين بجيشهم وبقيادتهم خصوصا في ظل ما لاحظوه من تردد وانفعال وتراجع.
ويتذكر الإسرائيليون جيدا ما كان قاله وزير الجيش في حينه، عمير بيرتس، بأن الأمين العام لـ "حزب الله" لن ينسى أبدا اسم عمير بيرتس. والواقع أن الإسرائيليين أنفسهم يكادون ينسون اسم بيرتس في حين أن اسم نصر الله حفر في وعيهم. وفي مقابلة مع موقع "والا" الإخباري تحدث رئيس مركز أبحاث الأمن والإعلام في جامعة أرييل، الدكتور رون شلايفر قال إن "أحد أبرز مصائبنا هو استخفافنا بالعالم العربي الذي نعتبره أدنى منا مرتبة في المجالين التكنولوجي والاستراتيجي، وهذا خطأ كبير". وفي نظره أن "العرب (وهو يقصد حزب الله والمقاومة) يفلحون في زرع الخوف في نفوس أعدائهم". وأشار إلى أن "حزب الله، حماس الذي أيضا أفلح في التعلم منه، يستخدمون تسجيلات معدة ويحرصون على تدريب مقاتليهم على إطلاق تصريحات نافذة كجزء من أسلوبهم الهجومي".
واعتبر الناطق السابق بلسان الجيش الإسرائيلي العميد آفي بنياهو، أن "حزب الله تفوق على الجيش الإسرائيلي في هذا المجال، حيث زود حزب الله وحدات مقاتلية منذ عشرين عاما بمصور حربي شارك معهم في مهاجمة مواقع اللحديين ووثق احتلالها. وكانت تلك الصور تنشر بعد وقت قصير في أرجاء العالم وتشكل إحراجا لدولة إسرائيل".
ويرى شلايفر أن "حزب الله" أجاد الحرب النفسية المترافقة مع القذائف والعبوات واعتبر ذلك عنصرا حاسما في الحرب. واعتبر أن منطلق الفكرة هو أنك إذا لم تكن قادرا على التأثير على بندقية عدوك فيمكنك التأثير على الاصبع الذي يضغط على الزناد و"هذا ما تميز به نصر الله".
نصرالله يقول ويفعل
ويتفق بنياهو مع القول بأن حرب لبنان الثانية شكلت مفترقا أساسيا في الصراع على كي وعي وذاكرة العدو. ومعروف أن إسرائيل طورت نظرية الضاحية ضمن اعتقاد جازم بأن هذا ما سيؤثر على وعي الطرف الآخر ويشكل عاملا ردعيا حاسما لمنعه من الرغبة في استمرار القتال أو العودة لاحقا إلى القتال. وفي هذا السياق رأى بنياهو أن كلمة السر على هذا الصعيد هي الصدقية وقال إن "حزب الله ونصر الله حافظوا طوال سنوات على صدقية عالية. فعندما أعلنوا أنهم يحتجزون عقيدا إسرائيليا، كانوا فعلا يحتجزون تيننباوم. وعندما وعدوا بإطلاقات على "ما بعد حيفا" وفوا بوعدهم وأطلقوا لصواريخ على الخضيرة وقيساريا. وعندما أعلنوا وقت حدوث الفعل عن مهاجمة المدمرة الإسرائيلية، كلنا شاهدنا الفعل بعد دقيقتين".
وبالمقابل كانت استراتيجية الجيش الإسرائيلي الإعلامية فاشلة. ويرى خبراء أنه "على المستوى الاستراتيجي كانت هناك سياسة خواء إعلامي". وأظهر تحقيق في الجيش الإسرائسيلي أنه في يوم واحد "تواصل 500 ضابط مع صحافيين بشكل غير مأذون به، مطلقين مشاعر الفشل". كما أن قائد فرقة الجليل العميد غال هيرش، كان يتطلع لتحقيق صورة انتصار في بنت جبيل التي ألقى فيها السيد حسن نصرالله خطاب التحرير عن "بيت العنكبوت"، وفشل في ذلك.
لقد غيرت حرب لبنان الثانية مفاهيم إسرائيلية كثيرة وللمرة الأولى ازدهرت نظريات تقول باستحالة الانتصار في الحروب الجديدة. وإذا كانت حرب حزيران في العام 1967 ذروة مجد إسرائيل فإن حرب لبنان الثانية أظهرت حجم الفشل الإسرائيلي وعززت مشاعر الخيبة من القيادة والجيش على حد سواء.
لقد دخلت إسرائيل حرب لبنان الثانية، كما حرب لبنان الأولى، بغية تغيير خريطة الصراع. ولكن إذا كانت حرب لبنان الأولى أثبتت فشل مساعي التغيير فإن حرب لبنان الثانية بينت استحالة هذا التغيير.
السيناريوهات الإسرائيلية كلها تتوقع، في أي مواجهة مقبلة، أن يكون خطر "حزب الله" اشد مما كان في الحرب الماضية احدى أبرز مصائبنا هو استخفافنا بالعالم العربي الذي نعتبره أدنى منا مرتبة في المجالين التكنولوجي والاستراتيجي، وهذا خطأ كبير
