شيفرة القدس عند “النبي صالح“

بقلم: عبد الحليم قنديل

"النبي صالح" قرية فلسطينية صغيرة، لا يزيد عدد سكانها عن ستمئة شخص، تقع شمال غرب رام الله، وتتبع محافظة البيرة، وتحولت إلى الرمز الأكثر سطوعا للمقاومة الشعبية الفلسطينية، ومنها جاءت الفتاة عهد التميمي، صاحبة أشهر صفعة لجنود الاحتلال الإسرائيلي، وهو ما دفع إسرائيل إلى سجنها، وإلى سجن قرية النبي صالح كلها، وحظر دخول المتضامنين إليها للمشاركة في مظاهراتها الأسبوعية.
ومثلما كان "النبي صالح" في القرآن الكريم، رسولا ومبعوث هداية، دعا قومه "ثمود" للإيمان والكف عن الطغيان، وبعث إليهم ناقته المباركة، دليلا على وجود الرب، فعقروها وحلّت عليهم اللعنة، وأخذهم الله أخذ عزيز مقتدر، فكذلك تبدو سيرة القرية الصغيرة، التي حملت اسم "النبي صالح" تيمنا وبركة، فلم تصمد قرية في الكفاح الشعبي المتواصل، ولا شكّلت صداعا وتهديدا مستديما لطغيان الاحتلال الإسرائيلي، كما فعلت وتفعل قرية عهد التميمي.
لا يحمل أبناؤها سلاحا، بل جعلوا من صدورهم العارية درعا وسيفا، وواصلوا بانتظام، وعبر سنوات متصلة، مظاهراتهم الأسبوعية كل جمعة، بالقرب من جدار العزل الاستيطاني العنصري، ولم ترهبهم أبدا حشود القوات المحتلة، التي تواجه بسالة "النبي صالح"، بما ملكت من سلاح ووسائل قمع، من أول قنابل الغاز إلى الرصاص المطاطي والرصاص الحي، ومن دون أن تستطيع إخماد أنفاس القرية المعجزة، التي تحولت إلى مصنع أبطال من طراز عائلة التميمي، التي يفخر عائلها باسم التميمي بابنته عهد، فتاة الشعر الذهبي والقلب الذهبي، التي تسخر بابتسامتها المشرقة من السجن والسجان الإسرائيليين، وتبشر بجيل جديد عفي من المقاومين الفلسطينيين، لا ينتظر قرار فصائل شاخت قياداتها على مقاعدها، وإن ظلت تصرخ باسم القدس، لكنها لا تعرف ولا تفتح طريقا لتحريرها، ربما لأنها لم تؤمن بعد بهداية "النبي صالح"، القرية التي تملك شيفرة المقاومة من نوع مختلف، وتهدي السائرين الآملين في تحرير القدس حقا وصدقا.
وقرية "النبي صالح" لا تخترع طريقا، بل تسلكه بإيمان وثقة لا تتزعزع في النصر، وتقدم مثالا بليغا على حسن إدراك طبيعة القضية الفلسطينية، كقضية تحرير وطني لشعب تحت الاحتلال، لا كقضية سلطة وموظفين وميزانيات ومعونات ومفاوضات، وانحسار للروح والهمة، وتسول لقرارات دولية يجف حبرها فوق الورق، فما أخذ بالقوة لا يسترد بغيرها، ومن حق الشعب الفلسطيني بالبداهة، كما كان من حق أى شعب تعرض لمحنة احتلال، أن يقاوم بكافة السبل، بالسلاح حين تتوافر المقدرة والظروف، وبالمقاومة الشعبية السلمية في كل الظروف، وبما ملكت الأيدي من حجارة الأرض، وما ملكت القلوب من جسارة، ولا أحد بوسعه أن يزايد على حركة الشعب الفلسطيني، وعلى سيرة كفاحه المتصلة لقرابة قرن إلى الآن، وعلى آلاف من رموز المقاومة الساطعة في تاريخه، أبطال العمليات الاستشهادية، كما أبطال المظاهرات السلمية، كما أبطال الدهس بالسيارات، والقتال بسكاكين المطابخ.
والمهم هنا أن يتحرر الفلسطينيون من قيود تغل أيديهم، وأن يسلكوا طريقهم المستقيم، بعيدا عن غابات وتشابكات الأوهام، وقد يكون الاحتلال الإسرائيلي لفلسطين مختلفا عن غيره، فهو احتلال استيطانى إحلالي، لكن قاعدة التحرير تظل كما هي، فالاحتلال يستمر طالما لا يدفع التكاليف، ولا توجد في التاريخ، ولن توجد في المستقبل، قوة مقاومة تنافس قوة احتلال في موازين السلاح، لكن الاحتلال ينتهي وتزول دولته، حين تتضاعف تكاليف بقائه دما ومالا، وحين لا تصبح التكاليف محتملة، وهذه خبرة الشعوب والأمم كلها، وخبرة جماعات المقاومة الأحدث للاحتلال الإسرائيلى، ولكم ولنا عظة وعبرة في جلاء إسرائيل عن جنوب لبنان بلا قيد ولا شرط، وبلا اتفاق استسلام ولا صك تطبيع.
وكذا جلاء إسرائيل وتفكيك مستوطناتها من جانب واحد في غزة، فلا احتلال يجلو بالمناشدات ولا بقرارات الأمم المتحدة، ولا بالاستظهار اللفظي لقواعد الحق والعدل، بل الجلاء دائما بالدماء، وبالإصرار الباسل على التحرير، وبكافة السبل، بما فيها التظاهر السلمي المتصل المنهك المكلف لقوات الاحتلال، على طريقة ما فعلت وتفعل قرية "النبي صالح".
وليست القصة في قرارات "المجلس المركزي" لمنظمة التحرير الفلسطينية بتعليق الاعتراف بإسرائيل، ولا في اجتماعات هيئات تكلست، ولم تتجدد الدماء فيها من وقت طويل، وقد سبق لأمثال هذه الهيئات، بما فيها المجلس المركزي، أن اتخذت قرارات من نوع وقف التنسيق الأمني مع الاحتلال الإسرائيلي، وظلت القرارات حبرا على ورق، ولأسباب مفهومة جدا، فقد جرى تحويل حركات فدائية قديمة إلى طوابير موظفين، وإلى امتيازات لطبقة تسلطت على المشهد الفلسطيني، تماما كما تسلطت نظم حكم على رقاب شعوب الأمة العربية، لم تعد تذكر اسم فلسطين إذا اضطرت، إلا إذا قرنت الذكر الباهت بكلام فولكلوري عقيم عن السلام ومبادرات السلام، بينما هذا الكلام الخشبي كله ذهب إلى مزابل التاريخ، ولم يعد له موقع من الإعراب السياسي، ولم يعد يليق أن يتحدث به عاقل، خصوصا بعد انكشاف صفقة القرن التي هي جريمة القرن، وما من شيء فيها سوى عرض مليارات الدولارات من عرب الفوائض البترولية، وتقديمها لترامب، الذي يعيد منح فتاتها للفلسطينيين، ومقابل التصفية التامة للقضية الفلسطينية، ومنح الفلسطينيين "خلو رجل" مقابل التخلي عن وطنهم المقدس، واقتطاع جزء من سيناء المصرية كحل لبؤس وضيق غزة، والضم النهائي للقدس وأغلب الضفة إلى كيان الاحتلال الإسرائيلي.
وهو ما نبهنا إليه قبل شهور طويلة، وقلنا إنه هذيان لن يقبله فلسطيني ولا عربي حقيقي، وجاء قرار واشنطن اعتبار القدس عاصمة للكيان، وغلق باب التفاوض الذي كان محتملا على قضايا القدس والعودة والحدود، جاء الانكشاف ليقشع الأوهام، ويدفع الفلسطينيين للبحث عن طريق آخر، ليس على طريقة الاقتصار على رفض قبول وساطة أمريكا، كما يعلن الرئيس عباس، فلم تكن أمريكا أبدا وسيطا ولا نزيهة، والاندماج الاستراتيجي بين واشنطن وتل أبيب، مما لا تخطئه عين، وليس الحل في البحث عن أطراف دولية أخرى لرعاية ما يسمى بعملية السلام، وتاريخ "الرباعية الدولية" إياها ليس بعيدا، وجعل الرباعية "سباعية" لن يفيد في شيء، فالمحنة في فلسطين، والحل على الأرض المقدسة أولا.
والمطلوب ـ أولا ـ تفكيك القيود المفروضة على حركة الشعب الفلسطيني، وحل "سلطة أوسلو" التي لا يخدم وجودها أحدا سوى إسرائيل، ورد الاعتبار لمنظمة التحرير كإطار كفاحي جامع، وليس أداة مفاوضات خاسرة بائرة، وبوسع منظمة التحرير، خاصة إذا تجددت دماؤها، وإذا ضمت إليها حركتي "حماس" و"الجهاد الإسلامي"، أن تعيد تنظيم الحياة اليومية للشعب الفلسطيني، وأن تنصرف إلى حشد الطاقات الفلسطينية، وأن توزع المهام بعناية، وفي التوقيتات المناسبة، بين صور المقاومة السلمية والمسلحة، ومن دون التزام بحل "الدولتين" البائس ولا بغيره، بل جعل الالتزام الوحيد المفتوح هو التحرير الكامل لفلسطين، وعلى مراحل متتابعة، تكون الأولوية فيها لإنهاك واستنزاف قوات الاحتلال الإسرائيلي، بدءا بالقدس والضفة الغربية بالذات، وبالوسع في كل الأحوال، أن يواصل الفلسطينيون، وأن يصعدوا انتفاضة شعبية طويلة النفس، تتنوع أساليبها ومشاهدها عند حواجز الاحتلال وجداره العازل، وأن يكون يوم الجمعة دائما هو ذروة الأسبوع المقاوم، وعلى طريقة كفاح قرية "النبي صالح" التي تهدى لأقوم السبل إلى القدس.
ومن فضلكم، لا قيمة لأي كلام الآن عن سلام ولا مفاوضات، ولا قيمة لمصالحات عبثية على كراسي سلطة وهمية، والمطلوب إحلال معنى التحرير بدلا من معنى السلطة، وقياس النجاح بمعدلات إنهاك العدو، وليس بكم القرارات الدولية التي تصدر لصالح الحق الفلسطيني، فلدينا منها أطنان من ورق، وقرارات التظاهر والعمل الفدائي هي الأولى والأهم والأبرك، وإطلاق طاقات الشعب الفلسطيني الجبارة هي سلاح الحسم، وهي وحدها التي تحيي قضية فلسطين، وتفرضها على جدول الانشغال اليومي في الشارع العربي، وتردع الحكام عن خياناتهم، وتدفع التطورات في الأقطار العربية إلى مقاطعة إسرائيل، وطرد سفراء العدو، ووقف التعامل الآثم معه، وبدلا من التخبط في اقتراح السبل لمساندة قضية الشعب الفلسطيني، فلا شيء مطلوب عربيا في هذه اللحظة سوى مقاطعة العدو الإسرائيلي، وجعل شعار "القدس عربية" في كل مكان، وبمبادرات شعبية لا تنتظر الأنظمة، بينما ليس مطلوبا من الشعب الفلسطيني سوى المقاومة، وبالمقاومة الفلسطينية والمقاطعة العربية، يتغير الموقف، وتعتدل الموازين، وتعود النجوم إلى مداراتها، حتى لو كانت المقاومة الفلسطينية مقصورة في هذه اللحظة على سبل التحرك الشعبي السلمي الدؤوب المنتظم، وعلى طريقة قرية النبي صالح، التي أهدت لفلسطين وأمتها رمزية عهد التميمي، وفتحت العيون على سبيل التحرير الممكن جدا.

عبد الحليم قنديل
كاتب مصري