يعتقد كاتب صحافي إسرائيلي أن فشل العملية السلمية وانهيار معسكر "اليسار الصهيوني" مرده ضعف جذوره اليهودية والشرقية، وإلى سعيه للربط بين دفع عملية السلام وبين تعميق القيم الليبرالية العلمانية بين الإسرائيليين. هذا ما يحاول تأكيده الكاتب الصحافي آفي شيلون، في كتابه الجديد "فاجعة اليسار ـ يوسي بيلين وانهيار معسكر السلام".
ويعتبر شيلون أن قصة حياة وزير الخارجية الأسبق وأحد مهندسي اتفاق أوسلو يوسي بيلين، تعكس حكاية "الأولاد الإسرائيليين المدللين"، لافتا إلى أن بيلين ولد بعد أسابيع قليلة من إعلان تأسيس إسرائيل، وكان جده مدير بنك، ووالده المولود في بولندا موظف بنك أيضا، بينما عملت والدته في صحيفة "دافار" الصهيونية كمراسلة للشؤون العربية، وهو لم يعرف الضائقة التي عاشها الكثير من أبناء جيل الخمسينيات.
ويعود الكتاب في الناحية السياسية من السيرة الذاتية لبيلين لعام 1977 حيث قال وقتها إذا لم تجد إسرائيل شريكا فلسطينيا مناسبا لمحادثات حول "الأراضي المحتلة"، فإن عليها التفكير بانسحاب أحادي الجانب. كما بدأ منذ 1981 في إقامة علاقات مع شخصيات فلسطينية من القدس المحتلة مثل الكثيرين غيره من الأكاديميين والصحافيين والسياسيين في البلاد والخارج.
ويستعرض الكاتب محادثات أوسلو، التي رأى بيلين أنها تختلف عن غيرها، وأنه منذ البداية كانت هذه عملية سياسية هدفها تحقيق سلام يفضي إلى إقامة دولة فلسطينية. ويشير إلى أن بيلين لم يفتش عن حل أخلاقي للصراع الإسرائيلي – الفلسطيني، بل سعى إلى ذلك من منطلقات مصلحية حيث رأى أن الخطر الرئيسي على وجود إسرائيل هو من إيران.
اليسار الأوروبي
ويرى شيلون أن مشكلة "اليسار" تكمن أساسا في كونه لا يتماثل مع المعيار اليهودي ولا ينظر إليه كمن يلتزم بالموروث اليهودي. وفي هذا السياق يضيف "صحيح أن نتنياهو كان يقوم بمناورة خبيثة عندما قال للحاخام كدوري، عام 1997، إن اليسار نسي ماذا يعني أن تكون يهوديا، لكنه أصاب أيضا عصبا مكشوفا، فلا يوجد زعيم واحد لليسار يضع يهوديته في المركز الأول".
ويرى الكاتب أن "اليسار يسعى إلى إصلاح المجتمع وفق النموذج الأوروبي ويسعى للعيش بطمأنينة على غرار أمريكا الشمالية". ويتابع "هذا لا يعني أن حلول اليسار ليست يهودية بالضرورة، لكنها غير موجهة للجمهور وغير مبنية على مبررات من المصادر الأولى، ولا تبدو أنها تنبع من القلق على الوجود والهوية اليهودية".
شيلون، الذي لا يتبنى ادعاء بنيامين نتنياهو بأن "اليسار نسي أنه يهودي" يقول في المقابل إنه إذا كانت لدى اليسار رغبة في الحياة عليه أن يتذكر أنه جزء مركزي من التشكيلة اليهودية.
أما بيلين نفسه فيعتقد أن عملية أوسلو فشلت لأن الاتفاقية لم يتم تنفيذها بشكل فوري، الأمر الذي أتاح للطرفين إفشالها. ويشير بيلين نفسه لسبب آخر لفشل التسوية مع الفلسطينيين ويقول إنه لم ينجح بإقناع اسحق رابين وشيمعون بيريس بالانتقال الفوري للحل النهائي، وخلال تلك الفترة قتل رابين. بيد أن شيلون يربط بين دوافع اغتيال رابين وبين خلفية اجتماعية وشخصية أكثر اتساعا من مسألة "التشدد السياسي"، ويدخل في نطاقها التمييز ضد الشرقيين.
صراع بين روايتين
من جهته يتحفظ المؤرخ والصحافي توم سيغف من محاولة شيلون الادعاء، من خلال السيرة الشخصية ليوسي بيلين، بأن قادة "عملية السلام" لم يكونوا يهودا بما فيه الكفاية أو شرقيين بما فيه الكفاية. كذلك يرى سيغف في حديث للقناة العاشرة أمس أن محاولة وضع الصراع في خانة العلاقات بين المتدينين والعلمانيين لا يساعد في فهم "اليسار" ولا فهم الصراع. كذلك الأمر بالنسبة لادعاء شيلون بأن أحد أسباب انهيار معسكر السلام هو كونه ليس شرقيا. وضمن هذا النقاش يتساءل سيغف بالقول ما إذا كانت مواقف زعيم حزب العمل المغربي الأصل، آفي غباي، "اليهودية" ستقوي حزب العمل أم أنها ستقوي حزب ميرتس، بعد هروب العلمانيين إليه. وعن بيلين يقول سيغف، صحيح إنه لا يحب الموسيقى الشرقية وشعر بغربة ثقافية لدى زيارته للمغرب، لكن وزيري الخارجية من أصل مغربي، دافيد ليفي وشلومو بن عامي، لم يستطيعا دفع عملية السلام أكثر من وزراء خارجية سابقين ولاحقين من أصول أشكنازية، علما بأن أحدهما يميني والثاني يساري وهوية كلاهما اليهودية عميقة. كما يسخر سيغف بالتلميح من دعوة شيلون لإشراك المستوطنين في عملية السلام.
السبب غير المعلن للفشل
وبعد أن يدحض سيغف ادعاء شيلون القائل إن فشل "معسكر السلام الإسرائيلي" مرتبط بضعف يهوديته وشرقيته، يضع يده على ما يعتبره سببا حقيقيا لفشل عملية السلام، بالإشارة إلى أن الصراع الإسرائيلي – الفلسطيني لا ينبع من الاحتلال عام 1967 ولا يعكس بجوهره خلافا محددا حول حدود، أراض، مياه أو غيرها، بل هو صدام بين هويتين قوميتين لم تجدا بعد تعريفات متفق عليها، أو كما يحب شيلون نفسه القول: صدام بين روايتين تاريخيتين. ويختم سيغف بالقول إن بن غوريون تمسك بهذا المفهوم في عام 1919، عندما قرر حينها أنه لا يوجد حل للصراع وبعد ثمانية عقود، في كامب ديفيد، أخذ ياسر عرفات على عاتقه تمثيل الهوية الإسلامية، كما يفهمها، بينما مثل ايهود باراك الهوية اليهودية، كما يفهمها. ويضيف سيغف "بعد فشل المؤتمر رفض باراك الحديث مع عرفات لفترة طويلة، مثلما يروي شيلون في كتابه، حتى التقيا يوما صدفة بجانب مصعد في الأمم المتحدة وكان باراك مع زوجته السابقة، فتوجه عرفات اليها متسائلا، من الرجل الذي يقف الى جانبك؟… "وقد كان هذا سؤال جيد" بنظر شيلون وسيغف".
ويغفل الباحثان الإسرائيليان جاهزية الفلسطينيين لتسوية تعطيهم فقط 22% من فلسطين التاريخية ويقللان من التأثير البالغ لاغتيال رابين الذي مهد لصعود اليمين الصهيوني المؤمن بـ "أرض إسرائيل الكبرى" ورفضه لاتفاق أوسلو رغم استغلاله منذ 1996 لتسمين المستوطنات وزيادة عدد المستوطنين بثلاثة أضعاف تحت غطاء "مفاوضات السلام" ، وهذا ما أكدت عدد من الباحثين والسياسيين الإسرائيليين حتى الآن
