قال الإعلامي الفلسطيني عبدالسلام فايز " إنّ واقع اللغة العربية بين أبناء الجاليات العربية المقيمة في أوروبا لا يبشّر بالخير على الإطلاق ، خاصّةً أولئك الذين توافدوا حديثاً إليها قادمين من سورية و العراق ، فَجُلّ الفتية الصغار بدأت تتلاشى ملامح العربية من ذواكرهم رويداً رويداً ، و ذلك بسبب انشغالهم التام باللغة الجديدة و المجتمع الجديد ، و بالتالي لم تعد لغة الضاد على جدول الأولويّات لديهم ، بل إنّ بعضهم أصبحوا لا يعيرون لها اهتماماً يُذكَر ."
و أضاف فايز في حديثٍ خاص أدلى به إلى "وكالة قدس نت للأنباء"، :" إنّ الوضعَ متفاقمٌ أكثر في صفوف الجاليات العربية التي تقيم في أوروبا منذ عقود ، كالمغاربة و الحزائريين ، فمعظم شبابهم لايعرفون عن العربية شيئاً ، لا على صعيد القراءة ولا على صعيد الكتابة ، فيضطرّ خطيب الجمعة على سبيل المثال إلى ترجمة فحوى خطبته إلى اللغة المحلية ، كي يتسنّى للشباب العربي المتواجد في المسجد استيعاب مافي جعبته ، و الأمر ذاته بدأ يداهم الوافدين الجُدد ، و كأنهم يريدون تكرار ذات السيناريو .
فالناشئة الذين هم دون سن العاشرة بدؤوا يستصعبون الحروف و التراكيب العربية ، و مع مرور الأيام ربما تصبح اللغة العربية نسياً منسيّاً لديهم ، و سيصبحون عاجزين عن قراءة أو فَهْم أيّ نص يُقدَّم إليهم باللغة العربية ."
و قال فايز إنّ المسؤولية الكبرى في هذا الصدد تقع على عاتقنا نحن أولياء الأمور الذين لم يوجّهوا أبناءهم إلى ضرورة تعلّم اللغة العربية ، و تلقينهم مبادئ الكلم ، و بذل بعض الجهود لإنقاذ اللغة العربية على ألسنة أبنائهم الذين هم أمانة في أعناقهم ..
و قد عزا بعض الأولياء تدنّي مستوى اللغة العربية إلى عدم وجود مدارس عربية في المناطق التي يعيشون فيها ، بينما قال البعض الآخر بأنه لا حاجة في إرهاق أبنائنا لتعليمهم اللغة العربية الصعبة في هذا المجتمع الجديد ، و بأنّ اللغة العربية لم تعد لغة ضرورية في حياتهم الجديدة ، و كأنّها أصبحت أمراً ثانوياً لا يدرّ النفع و المال ، بعدما انشغلنا بالاندماج الجديد الذي يستهلك كمّاً جمّاً من طاقاتنا و قدراتنا العقلية و الجسدية ."
و قد نفى فايز في معرض حديثه كل هذه الادعاءات ، قائلاً :" بأنّ هناك مدارس و مراكز عربية كثيرة في أوروبا ، و ذلك رغم وجود بعض المناطق التي تخلو من تلك المدارس ، فعلى سبيل المثال ، بلغ عدد المدارس و المراكز العربية في هولندا ذات الحجم الجغرافي الصغير ما يزيد عن خمسين مدرسة متوزعة على امتداد الجغرافية الهولندية ، منها ما هو على شكل مركز عربي يفتح على مدار الدوام الرسمي ، و يداوم عاملوه و أبناؤه من الصباح حتى انتهاء وقت العمل المسائي ، و منها أيضاً ما خَصّص يَومَي السبت و الأحد و هما يوما عطلة نهاية الأسبوع ، من أجل تعليم و تلقين اللغة العربية مجاناً دون مقابل ، بينما طالبت بعض المراكز أولياء الأمور بدفع مبالغ مالية رمزية و قليلة لاستيعاب نفقات المركز من قرطاسيات و ألواح و أجور النقل للقائمين عليه ، فلا تكاد تخلو مدينة من المدن الهولندية إلا و فيها مدرسة عربية أو مركز إسلامي أو مسجد يقوم على هذا الشأن ."
و أشاد فايز بالجهود العظيمة التي يقوم بها العاملون من أجل إنقاذ اللغة العربية من وحل التردّي و الضياع ، و باستجابة بعض الأهالي لتلك النداءات التي أطلقتها المراكز العربية من أجل إرسال الأبناء إليها ، لتعليمهم القراءة و الكتابة و معالم اللغة العربية ، كي يتسنى لهم الحفاظ على الرابط الأخير ربما ، و الذي يجمع أبناء الجاليات العربية المقيمة على امتداد القارة الأوروبية ."
و ذَكَر فايز أنّ تلك المدارس العربية ليست على قَدَرٍ مُتَدَنٍّ من المستوى التعليمي ، بل هي على عكس ذلك تماماً ، تحقق نجاحاً يتلوه نجاح ، ليس فقط على صعيد تعليم اللغة العربية فحسب ، بل على صعيد تعليم اللغة الهولندية أيضاً ، فعلى سبيل المثال نالت مدرسة ماسترخت جنوب هولندا و هي مدرسة عربية ، المركز الأول في تعليم اللغة الهولندية على مستوى هولندا بالكامل ، مما أدّى إلى سطوع اسمها و توافد الطلاب إليها بشكل ملحوظ ، فإذا كان هذا الإنجاز قد تحقق على مستوى اللغة الهولندية ، فكيف هو الحال إذاً باللغة العربية ؟! لا شكّ أنّ النتائج ستكون مثلجة للصدور بلا منازع ."
و ناشد عبدالسلام فايز في ختام حديثه أولياء الأمور في أوروبا إلى الإسراع في إرسال أبنائهم إلى أقرب مدرسة عربية ، و لو كان ذلك في عطلة نهاية الأسبوع على أقل تقدير ، لإنقاذ ما تبقى لديهم من أطلالٍ عربية ، لعلهم يتداركون أخطاء السابقين ، و يُخرجون لغتهم الأم من جُبٍّ عميق ٍ ، فلا يُعرَف في أيّ السبل ستسقرّ بها الدروب ."
