سارع الشاب الفلسطيني عز الرقب ومعه فريق طبي من المتطوعين، لدى جمعية التوبة الخيرية، لنجدة مصاب ينزف بجوار السياج، شرقي بلدة خزاعة، شرقي محافظة خان يونس، جنوبي قطاع غزة، قبل أسابيع، وفي حقل الموت، خطف نظره من بين المتطوعين جراءة وعزيمة المُسعفة هديل النجار.
كانت البداية بأن طلب منها "شاش أبيض" لتضميد جراح المُصاب، وتلمس فيها سرعة التعامل والتصرف الحسن والشجاعة، والتعامل مع الجريح بمهنية عالية، لحين الانتهاء على عجل في دقائق معدودات، من إنقاذ الجريح ونقله وإيصاله لسيارات الإسعاف.
تلك الدقائق المعدودات كانت مجرد بداية، قادت عز وهديل، من حقل الموت لحقل الحياة، بعد أن تقدم لخطبتها من ذويها، وقوبل الأمر بالموافقة، لتكُن الخيمة الطبية التي جمعتها في العمل التطوعي، بمخيم العودة بخزاعة، هي ذاتُها نقطة انطلاق الحياة الزوجية فيما بينهما.
وعقد مساء أمس عز وهديل قرانهما، في إحدى خيام مخيم العودة، وسط حضور من عائلتيهما، والمتواجدين في المخيم من وسائل إعلام، ومتظاهرين من وحدات الكوشوك ومكافحة الغاز المُسيل للدموع.
وعلت أصوات الزغاريد في المخيم، والطبل والرقص، فرحًا بإعلان القران؛ لتطغى هذه المظاهرة التي كانت على بعد مئات الأمتار من قوات الاحتلال، على رصاصهم الذي كان يُطلق بشكل مُكثف تجاه بعض الشبان المُتظاهرين.
لم يرق للاحتلال بال، أن رأى هذا المشهد، وكيف أن الفلسطينيين يمارسون حياتهم، ويفرحون رغم الألم والوجع، فبادر باستهداف الشباب وإطلاق النار وقنابل الغاز، ويُصاب ثلاثة من المتظاهرين، الذين لتوهم كانوا يشاركون في حفل عقد القران، وشاركوا في زفة العرسان.
ترك زملاء عز وهديل المشاركين في حفل عقد القران، وتوجهوا مُسرعين كعادتهم، لإنقاذ المُصابين الثلاثة، ونقلهم لسيارات الإسعاف، لتنقلب الأجواء السعيد في المخيم بفعل بطش الاحتلال، لأجواء حزينة على المُصابين، ولتعود الحدود للاشتعال بالإطارات المطاطية.
رغم تلك الأجواء، عاد العريسان مع ساعات الليل، لاستكمال زفافهما من قبل زملائهم في الخيمة الطبية، ومن الشبان المتواجدين، وليحملوا العريس على الأكتاف، ويجوبوا فيه المخيم، على عين ومرأى من الاحتلال، وفي رسالة "أنا الشعب الفلسطيني يعشق الحياة وليس الموت".
موقف وارتباط
"عز" الذي أصر أن يرتدي وعروسه المعطف/المريول الطبي، ليدلل على رسالتهم الإنسانية السامية التي أتوا من أجلاها، يقول لمراسل "وكالة قدس نت للأنباء" : "منذ انطلاق أحداث مسيرات العودة، أتيت والتحقت بفريق التوبة الطبي، المكون من عدد من المتطوعين والمتطوعات، نعمل كفريق واحد، دون مقابل، لإنقاذ حياة المُصابين".
ويضيف "عز": "كنا نهب للمصابين على وجه السرعة أينما كانوا، ولا نأبه الموت الذي يتعقبنا، من فوهات بنادق الاحتلال المصوبة نحونا ونحو المتظاهرين، ونصل لمسافة قريبة جدًا من السياج لنقل الجرحى، ولم يكُن ببالي الزواج، وأن شريكة عمري ستكون معي في ذات المهمة الإنسانية".
ويتابع مُتبسمًا : "في إحدى محطات عملنا وأثناء إنقاذ مُصاب، خطفي نظري جراءة (هديل) وشجاعتها، وقررت التقدم لخطبتها، وأخبرتها بذلك، وبعد أيام تمت الموافقة من ذويها، واليوم نعقد قرانا، لنبدأ مسيرة حياة توازي المسيرة التي انطلقنا بها وكانت سببًا في ارتباطنا، وهي العمل التطوعي لإنقاذ المُصابين".
ويواصل "عز" : "أكثر من مرة تعرضت (هديل) للإصابة وعادت لتُكمل عملها معنا، فهي تمتلك عزيمة وإصرار كبيرين، كان من أحد أهم محطات إعجابي بها"؛ مُشيرًا إلى أنهما أصرا على عقد قرانهما في خيام مخيم العودة، لإيصال رسالة للعالم أننا أصحاب حق ونستحق حياةً كريمة وجئنا للحدود لأجلها ولأجل رسالة إنسانية حملناها، فنحن لا نريد الموت.
ونصح الشباب بأن يحذو حذوهم، ويعقدون قرانهم ويقيموا أفراحهم في مخيمات العودة؛ مؤكدًا أنها سيبقى وخطيبته مستمرون في عملهما على الحدود، وتأدية رسالتهم وواجبهم الإنساني لحين، انتهاء مسيرات العودة.
إرادة حياة!
أما، العروس هديل والتي بدت سعيدةً، وهي تُمسك بيد شريك عمرها "عز"، فتقول لمراسل "وكالة قدس نت للأنباء"، إنها فخورة بخطبتها منه، لأنها رأت فيه الشخص المناسب، والذي تتوفر فيه الصفات التي تتمناها أي فتاة.
وتشير "هديل" إلى أنها تحمل ذات الرسالة التي يحملها "عز"، فكليمها جاء لنفس السبب، لإنقاذ حياة المُصابين، الذي هم ضحية لنيران قناصة الاحتلال، فنحن اليوم لم نعُد شهودًا على تلك الجرائم، بل شهودًا على حُبنا للحياة وسلميتنا في التظاهرات.
وتبين إلى أنها سعيدة اليوم بأن المكان الذي جمعها في شريكة حياتها والفريق الذي عمل معه، هو ذات المكان الذي انطلقت منه مسيرة حياتنا، نحو بناء مُستقبل مشترك، وسنبقى نعمل معًا مع الفريق الطبي التطوعي دون كلل أو تراجع.
وتشدد "هديل": "نحن شعب من حقنا أن نحب ونعيش، ولم نكن يومًا نبحث عن الموت أو نركض خلفه، وخير دليل اليوم كان عقد قراني، ومن قبل أشخاص أقاموا حفلات زفافهم في المخيم، عدا مظاهر الحياة الأخرى؛ ونتمنى من العالم أن يرى ذلك، ويفهم ما يريده الفلسطينيون".
