الأسيرة المحررة عيساوي : من قال إن التعذيب الجسدي غير موجود في السجون الإسرائيلية؟

عائلة العيساوي تحتل مكانة في الضمير الجمعي الفلسطيني، حيث بدأت مع أحمد العيساوي (أبو طارق)، القائد العسكري لمنطقة القدس الكبرى خلال ثورة 1936 وأحد مساعدي عبد القادر الحسيني. وقد حكمت عليه بريطانيا ثلاث مرات بالإعدام إلا أنه نجا منها جميعا ولجأ إلى الأردن فالعراق فسوريا ثم عاد واستقر في بلدته العيساوية الملاصقة للقدس. وابنه طارق أحمد العيساوي ما زال في البلدة وهو حامل إرث العائلة الكبير.
قدمت العائلة الشهيد أسامة أحمد العيساوي في معارك المواجهة مع الاجتياح الإسرائيلي للبنان عام 1982 ثم استشهد فادي طارق أحمد العيساوي عام 1994 في المواجهات التي تلت مذبحة الحرم الإبراهيمي في الخليل. ابنه البكر رأفت سجن ست سنوات، أما سامر فقد حكم بثلاثين سنة ثم أطلق سراحه عام 2011 في صفقة شاليط. وعاد الاحتلال واعتقله مرة ثانية 2014 ثم خصمت من مجموع سنواته الفترة التي قضاها في الأسر وهو يستكمل الآن بقية المحكومية.
واحتج على هذا الحكم الظالم والغدر به وانتهاك الاتفاقية بإعلان معركة "الأمعاء الخاوية" حيث حصل على الرقم القياسي في عدد أيام الإضراب عن الطعام التي وصلت 287 يوما إلى أن حقق بعض الإنجازات. واطلق سراحه ثم أعيد إلى السجن مرة أخرى، وهو الآن يقضي حكما مدته خمس عشرة سنة وأربعة أيام. وأما رأفت فهو أيضا داخل سجن في النقب ليس بعيدا عن سامر.
شيرين طارق العيساوي درست القانون وأصبحت محامية مشهورة تدافع عن قضايا الحق وتنتصر للأسرى وتتواصل معهم. واعتقلت بتهمة التعاون مع منظمات إرهابية على اعتبار أن الأسرى في القانون الإسرائيلي "إرهابيون". قضت عقوبة في الأسر سنة كاملة عام 2010 وسنة تحت الإقامة البيتية الإجبارية.  ثم أعيد اعتقالها عام 2014 وحكمت أربع سنوات بنفس التهم الملفقة مثل نقل رسائل بين الأهل والأسرى وتقديم مساعدات مادية للأسرى مثل ملابس وكتب ومجلات وهواتف ورسائل. وحتى توثيق المعلومات والضرب والإساءات للأسرى اعتبروها خدمات لـ"الإرهابيين". وشيرين حاصلة على الحزام الأسود في الكاراتيه وتعرف كيف تدافع عن نفسها جيدا وقد استغلت جيدا هذه المهارة في ضرب العديد من ضباط السجون، خاصة السجينات الجنائيات اللواتي كن يدفعن إلى زنزانتها لسحب المعلومات فينتهي الأمر إلى مشاجرة تنتهي لمصلحة شيرين دائما.
خرجت شيرين من سجن "شارون" بعد أن قضت المدة المعلومة. التقت بها صحيفة "القدس العربي" اللندنية في بيتها في العيسوية للاطلاع على تجربتها الفريدة. وتقول "أصعب فترة هي فترة التحقيق التي استمرت 30 يوما. عوملت فيها كالشباب. كنت مشبوحة ومقيدة من يديّ ورجليّ ومربوطة بالكرسي. وأحيانا يستمر التحقيق لمدة عشرين ساعة متواصلة كي أفقد أعصابي.  كانوا يحرمونني من النوم بإشعال ضوء برتقالي لمدة 24 ساعة.  وتزورني السجانة باستمرار كي تتأكد أنني صاحية (مستيقظة). لم يسمح لي أن أغير ملابسي. ولا يوجد ورق تواليت في دورة المياه المفتوحة دائما في الزنزنة".
وقالت إن أحد ضباط التحقيق قام من على مكتبه ودار حولي ووضع يده على كتفي واقترب من وجهي "فلكمته لكمة قوية على أنفه فطرحته أرضا والدماء تنزف من أنفه. وبعدها لا أعرف من أين جاء الضرب. هجموا علي كالوحوش وضربوني على الرأس ضربا مبرحا فقدت الوعي وكادت عيني تقلع".
كانوا يهددون شيرين أثناء التحقيق بالقتل والاغتصاب وهدم بيتها وسجن أهلها إذا لم تتعاون وتعطيهم معلومات عن الأسير جلعاد شاليط، بحجة أنها تعرف قيادات المقاومة، بينما أكدت العيساوي أنها مستقلة وليست لها أية علاقات بأي فصيل.
وقالت شيرين إنهم كانوا يستخدمون السجينات الجنائيات لقهر الأسيرات الفلسطينيات. وأضافت "أدخلوا مرة سجينة جنائية تلبس الحجاب وتدعي أنها تصلي وبدأت تسألني أسئلة استفزازية. فعرفت أنها مدسوسة من لدن سلطات السجن فقمت وضربتها ضربا مبرحا وصارت تصرخ كالذئب الجريح فأسرعت سلطات السجن بسحبها من زنزاتي وإلا لقضيت عليها. عزلت بعدها مدة شهرين في زنزانة انفرادية دون أن يسمح لي أن أغير ملابسي أو أستحم.  بل كانت الزنزانة من زجاج يرى من فيها من الخارج كي لا أحاول أن أخلع ملابسي الوسخة".
وتابعت مستجمعة ذكريات سجن شارون الذي شهد أكثر فترة تعذيب ومحاولات لكسر كرامة الأسير، "كانوا يضعون كيسا على رأسي ويضربونني ضربا مبرحا.  وكانوا يتعمدون ضربي على الرأس كي لا يترك الضرب آثارا واضحة.  وعندما كنت أخرج لجلسة المحكمة يجبروني على تغيير ملابسي والظهور بمظهر طبيعي، خاصة إذا كان هناك ممثلون للصحافة. والتقت شيرين بأخويها سامر ومدحت في قاعات المحكمة. وأثناء نقلها من السجن إلى المحكمة كانت تحشر في ما يسمى "بوسطة" وهي بالضبط مثل قفص العصفور ويكون السجين مكبل اليدين والرجلين وظهره محنيا لانخفاض سقف البوسطة.
وتقول "كنت سأرفض الخروج من السجن لأن إخوتي هناك. وقد بلغني أن أخي سامر سيعلن الإضراب عن الطعام إلى أن يفك أسري".
بعد هذه التجربة المريرة عادت شيرين لاستكمال دراسة الماجستير في القانون الدولي الجنائي، وتستعد لكتابة مذكراتها الطويلة والمهمة لتوثق هذه الجرائم التي يتعرض لها الأسرى الفلسطينيون، ليس فقط عن طريق التعذيب النفسي، بل والجسدي أيضا.

 

المصدر: حاورها: عبد الحميد صيام -