عقد رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، مساء الأحد 5 يوليو/ تموز 2026، اجتماعاً أمنياً مصغراً مع كبار مسؤولي المؤسسة الأمنية والعسكرية، لبحث ترتيبات انسحاب القوات الإسرائيلية من مناطق في جنوب لبنان، في إطار تنفيذ ما يعرف بـ"اتفاق الإطار" الذي أبرم بين الجانبين برعاية أميركية أواخر يونيو/ حزيران الماضي.
وأفادت تقارير إسرائيلية بأن الاجتماع تناول نقاط الانسحاب المحتملة وآليات تنفيذ الخطوة، فيما أكدت هيئة البث الإسرائيلية العامة أن نتنياهو عقد مشاورات محدودة مع كبار المسؤولين الأمنيين المعنيين بالملف اللبناني، في وقت لم تبدأ فيه إسرائيل بعد تنفيذ الانسحاب من المناطق المخصصة للمرحلة التجريبية.
وتأتي المشاورات في ظل تحركات أميركية مكثفة لترجمة الاتفاق إلى خطوات ميدانية، وسط استمرار الخلاف بشأن الشروط الأمنية التي تضعها إسرائيل قبل الانسحاب، وفي مقدمتها التأكد من جاهزية الجيش اللبناني للانتشار والسيطرة على المناطق التي ستخليها القوات الإسرائيلية.
قناة اتصال بين الجيشين بوساطة أميركية
وفي تطور لافت، كشفت هيئة البث الإسرائيلية أن ضباطاً من الجيش الإسرائيلي ونظراء لهم في الجيش اللبناني أنشأوا خلال الأيام الأخيرة قناة اتصال بوساطة أميركية، بهدف وضع معايير واضحة لما تسميه إسرائيل "منطقة خالية من حزب الله".
وبحسب الهيئة، تهدف الاتصالات إلى تجنب خلافات أو سوء فهم قد تعرقل تنفيذ التفاهمات، خصوصاً في ظل غياب تعريف متفق عليه بصورة نهائية لطبيعة المنطقة وشروط اعتبارها خالية من الوجود العسكري للحزب.
ونقلت هيئة البث عن مصدر مطلع قوله إن الجانب اللبناني يتفهم، وفق روايته، الحاجة إلى وضع معايير واضحة قبل بدء المرحلة التجريبية. كما أفاد التقرير بأن العملية ليست مرشحة للبدء فوراً، وأن تنفيذها قد يستغرق عدة أسابيع ريثما تستكمل الترتيبات اللازمة.
ووفق المصدر ذاته، تنتظر إسرائيل تأكيداً من الجيش اللبناني والقيادة المركزية الأميركية بشأن جاهزية القوات اللبنانية لدخول المناطق المختارة للمرحلة التجريبية وتولي المسؤولية الأمنية فيها.
وتشير هذه المعطيات إلى أن واشنطن تؤدي دوراً مركزياً يتجاوز الوساطة السياسية إلى التنسيق العملي بين الأطراف ومتابعة شروط الانتقال الميداني، في إطار آلية تستهدف، وفق التصور المطروح، منع الاحتكاك وضمان انتقال السيطرة إلى الجيش اللبناني. وكانت تقارير سابقة قد أشارت إلى دور أميركي مباشر في مناقشة ترتيبات "المناطق التجريبية" وآليات تسليمها.
خلاف على تعريف "المنطقة الخالية من حزب الله"
وتتمحور إحدى أبرز العقد حول تحديد المقصود عملياً بـ"منطقة خالية من حزب الله"، إذ تسعى إسرائيل، وفق تقاريرها الإعلامية، إلى وضع شروط تتعلق بغياب المقاتلين والأسلحة والبنية التحتية العسكرية التابعة للحزب، قبل الانسحاب من أي منطقة.
وفي المقابل، يرتبط تنفيذ الاتفاق بانتشار الجيش اللبناني وتوليه المسؤولية الأمنية الكاملة في المناطق التي تنسحب منها القوات الإسرائيلية، إلى جانب نزع سلاح الجماعات المسلحة غير التابعة للدولة، وهو بند يُفهم على نطاق واسع باعتباره موجهاً بصورة أساسية إلى حزب الله.
وذكرت هيئة البث الإسرائيلية، في سياق حديثها عن الاتصالات الجديدة، أن إسرائيل أثارت أيضاً مزاعم بشأن تسريب معلومات كانت تمرر سابقاً إلى الجيش اللبناني حول أنشطة حزب الله، وقالت إنها طلبت عدم إشراك ضباط لبنانيين بعينهم في الآلية الجديدة بسبب شبهات إسرائيلية تتعلق بتسريب معلومات. ولم يصدر تأكيد لبناني مستقل لهذه المزاعم.
انتظار الضوء الأخضر للانسحاب التجريبي
ورغم الحديث المتزايد عن قرب بدء الانسحاب، لم تنفذ إسرائيل حتى مساء الأحد عملية إخلاء فعلية للمناطق المطروحة ضمن المرحلة الأولى.
وقال مسؤول إسرائيلي لهيئة البث إن تل أبيب تنتظر تأكيداً من الجيش اللبناني والقيادة المركزية الأميركية على أن القوات اللبنانية باتت مستعدة لدخول المناطق المختارة وتولي السيطرة عليها.
وكانت تقارير سابقة قد تحدثت عن تأجيل الانسحاب من مناطق تجريبية إلى حين استكمال آلية مشتركة للرقابة والتنسيق، ما يعكس استمرار الفجوة بين الإعلان السياسي عن الاتفاق وبين دخوله حيز التنفيذ الميداني.
وفيما تداولت وسائل إعلام إسرائيلية وعربية أسماء قرى ومناطق في نطاق فرون وزوطر ومناطق مجاورة، اختلفت التقارير والخرائط المنشورة بشأن الحدود والأسماء الدقيقة للمواقع المشمولة بالمرحلة التجريبية، ولم يُعلن حتى الآن جدول زمني واضح ومفصل للانسحاب الشامل.
ماذا ينص عليه "اتفاق الإطار"؟
وكان لبنان وإسرائيل قد توصلا في 26 يونيو/ حزيران 2026، بوساطة أميركية، إلى إطار أمني وسياسي يقوم على انسحاب إسرائيلي تدريجي من الأراضي اللبنانية، بالتوازي مع انتشار الجيش اللبناني وتوسيع سيطرته الأمنية ونزع سلاح الجماعات المسلحة غير التابعة للدولة.
ويبدأ المسار بترتيبات في "مناطق تجريبية"، على أن تشكل نتائج هذه المرحلة أساساً للانتقال إلى خطوات أوسع لاحقاً. وتربط الصيغة المطروحة التقدم في الانسحاب بقدرة الجيش اللبناني على فرض السيطرة وتفكيك البنى العسكرية غير التابعة للدولة في المناطق التي يتسلمها.
غير أن الاتفاق أثار خلافات سياسية حادة داخل لبنان. وكان رئيس مجلس النواب نبيه بري قد انتقد الإطار المدعوم أميركياً، محذراً من تداعياته الداخلية، فيما لا تزال عملية التنفيذ تواجه اعتراضات سياسية وميدانية مرتبطة بمصير سلاح حزب الله وشروط الانسحاب الإسرائيلي.
كما أن المواقف الإسرائيلية نفسها أظهرت تناقضاً بين الحديث عن انسحاب تدريجي وبين تصريحات تؤكد استمرار الوجود العسكري طالما بقي حزب الله مسلحاً. وكان نتنياهو قد أعلن خلال زيارة إلى أراضٍ لبنانية تحتلها القوات الإسرائيلية، في 30 يونيو/ حزيران، أن إسرائيل لن تنسحب ما دام الحزب يمثل، بحسب تعبيره، تهديداً لها.
الخروقات الإسرائيلية مستمرة بالتوازي مع المفاوضات
وتتزامن المباحثات بشأن الانسحاب مع استمرار الهجمات والخروقات الإسرائيلية في جنوب لبنان، ما يفاقم الشكوك بشأن قدرة المسار السياسي على ترجمة التفاهمات إلى تهدئة ميدانية مستقرة.
ففي الأحد 5 يوليو/ تموز، شنت إسرائيل غارة على منطقة بين كفرتبنيت والنبطية الفوقا، ونفذت تفجيراً في بلدة الطيري بقضاء بنت جبيل، فيما سُجل قصف مدفعي باتجاه بلدة القنطرة وتحليق لطائرات مسيرة فوق مناطق جنوبية، إضافة إلى إلقاء مسيرة إسرائيلية قنبلة صوتية على بلدة المنصوري في قضاء صور، وفق تقارير استندت إلى الوكالة الوطنية للإعلام اللبنانية.
وتبرز هذه التطورات مفارقة ميدانية وسياسية واضحة: ففي الوقت الذي تبحث فيه إسرائيل نقاط الانسحاب وتشارك، عبر الوساطة الأميركية، في وضع معايير لترتيبات أمنية جديدة، تواصل قواتها تنفيذ غارات وقصف وعمليات عسكرية داخل الأراضي اللبنانية.
مسار سياسي محفوف بالشروط
وتكشف التطورات الأخيرة أن تنفيذ الانسحاب لا يزال مرتبطاً بجملة من الشروط الأمنية والسياسية، أبرزها تعريف حدود "المناطق الخالية من حزب الله"، وضمان انتشار الجيش اللبناني، ووضع آليات رقابة وتنسيق دولية، فضلاً عن الخلاف الجوهري بشأن مستقبل سلاح الحزب.
كما أن غياب جدول زمني ملزم للانسحاب الكامل يفتح الباب أمام استمرار الوجود العسكري الإسرائيلي لفترة غير محددة، خصوصاً في ظل تصريحات إسرائيلية تربط الانسحاب بإزالة ما تصفه تل أبيب بـ"التهديد"، وليس فقط بتنفيذ خطوات تقنية أو ميدانية في منطقتين تجريبيتين.
وبينما تدفع الولايات المتحدة باتجاه إطلاق المرحلة التجريبية، يبقى نجاحها رهناً بقدرة الأطراف على تجاوز الخلاف حول الشروط الأمنية وآليات التنفيذ، في وقت تستمر فيه العمليات العسكرية الإسرائيلية، ويظل مستقبل جنوب لبنان معلقاً بين مسار تفاوضي بطيء وواقع ميداني متوتر.
