حول جهاز المخابرات الخارجية الإسرائيلية "الموساد" العاصمة الفرنسية باريس لواحد من ملاعبه ومقاره، ومنها تم التخطيط والتوجيه لاغتيال القيادي في حركة حماس محمود المبحوح في دبي، في بناير/ كانون الثاني 2010.
هذا ما كشفت عنه صحيفة "لوموند" الفرنسية وتناولته وسائل إعلام في إسرائيل التي التزمت الصمت رسميا دون التعقيب على مضامينه.
وهذه الرواية حول اغتيال المبحوح لم تنشر من قبل، ونشرتها الصحيفة الفرنسية تحت عنوان "ظل الموساد يحلق في باريس"، وذلك استنادا إلى مسؤولين كبار في الأجهزة الاستخباراتية الفرنسية الذين أكدوا أن عملية اغتيال المبحوح ليست الوحيدة التي نفذت من فندق باريسي، وإنما "تحولت باريس إلى مركز للنشاط الدولي للموساد".
وطبقا للتقرير الفرنسي فقد جلس عملاء الموساد عند الساعة الخامسة والنصف من مساء التاسع عشر من كانون الثاني/ يناير 2010 داخل غرفة في أحد الفنادق في حي بيرسي في باريس، وهو موقع ليس بعيدا عن وزارة المالية الفرنسية ومؤسسات السلطة هناك. وكانت الغرفة عبارة عن غرفة عمليات مرتجلة تزودوا فيها بشاشات حواسيب وهواتف مشفرة. وكان الهدف هو تفعيل مجموعة عملاء وراء البحار لتنفيذ العملية المعقدة، وهي اغتيال القيادي في حركة حماس، محمود المبحوح، داخل فندق البستان في دبي.
وكتبت الصحيفة أيضا أن الموساد يشعر بالراحة في العمل من باريس. ونقلت عن مسؤول استخباراتي فرنسي قوله إن "مدينة باريس هي الملعب بالنسبة للموساد"، مضيفا "رغم أن الصينيين والروس هم أعداؤنا، ولكن يجب ألا ننسى أن الإسرائيليين والأمريكيين يتصرفون بعدوانية كبيرة". وأضاف المسؤول الفرنسي "قدرتنا على رد الفعل على أفعالهم محدودة، فهم يسارعون إلى استخدام الورقة الدبلوماسية، وتقديم شكوى إلى مكتب رئيس الحكومة والرئيس الفرنسي". وحسبه فإن "أيدي فرنسا مكبلة"، لكونها "متعلقة بإسرائيل في الكثير من القضايا الحساسة. الفرنسيون مقيّدون في قدراتهم على منع جهات معينة من اليهود في فرنسا من تقديم المساعدة لهم في التخطيط والجانب اللوجستي".
حتى الآن ورغم أن تقارير سابقة تحدثت عن أن اثنين من بين 11 من العملاء الذين شاركوا في عملية الاغتيال وصلا إلى دبي في رحلة جوية عن طريق شركة "إيرفرانس" من باريس، إلا أنه ساد اعتقاد في وسائل الإعلام الأجنبية أن غرفة عمليات الموساد كانت تدار من النمسا أو من أي مكان أوروبي آخر، إلا أن صحيفة "لوموند" تؤكد أن مركز الرصد والتحكم الإسرائيلي كان في قلب باريس.
وأوضحت أنه في أعقاب عملية الاغتيال التي أثارت عاصفة دولية، وتسببت بأزمة مع بريطانيا بسبب استخدام العملاء جوازات سفر أوروبية مزورة، كما قدمت فرنسا شكوى إلى رئيس الموساد في حينه، مئير داغان، بسبب استخدام جوازات سفر فرنسية مزورة. ونقلت عن رئيس دائرة التحقيقات في الشرطة الفرنسية قوله إن الشكوى كانت طريقة لنقل رسالة مفادها أن الحديث عن تجاوز للحدود لا يحتمل. كما أكدت الصحيفة أن مخاوف فرنسا كانت بدافع الخشية من أن تشتبه حركة حماس بأن فرنسا اضطلعت بدور في عملية الاغتيال. ولذلك أيضا بعثت فرنسا باثنين من كبار المسؤولين في الأجهزة الاستخباراتية للاجتماع مع داغان.
وفي محادثة أجرتها صحيفة "يديعوت أحرونوت" مع معد التقرير للصحيفة الفرنسية، جاء أن التقديرات تشير إلى أن الفرنسيين هددوا بتجميد عملية تبادل المعلومات بين الأجهزة الاستخباراتية مع نظرائهم الإسرائيليين. وأضاف أن كبار المسؤولين في الأجهزة الاستخباراتية الفرنسية اعتبروا استخدام جوازات السفر الفرنسية "استفزازا".
ولم تكن عملية اغتيال المبحوح الوحيدة، حيث يستعرض التقرير عمليات كثيرة، تدعي الصحيفة أن الموساد وجهات إسرائيلية أخرى وضعت أدوارها على الأراضي الفرنسية، وبينها محاولة إسرائيلية فرنسية مشتركة لتجنيد عميل سوري حاول شراء سلاح كيميائي، ومحاولة شركة إسرائيلية تنفيذ عمليات تنصت على المجلس الأوروبي في بروكسل، إضافة إلى نشاط الشركة الأمنية الإسرائيلية "بلاك كيوب" التي تفعّل مكاتب لها في باريس. وكتبت أيضا أن الموساد حاول تجنيد عملاء من المخابرات الفرنسية للعمل كعملاء مزدوجين.
ونتيجة لهذا التورط، فإن فرنسا طردت قائد مركز الموساد في باريس، وموظفا آخر في السفارة الإسرائيلية بعد الكشف عن الاختراق الإسرائيلي. وأشارت إلى أن السبب في أن الموساد وأجهزة تجسس أجنبية أخرى جعلوا من باريس عاصمة استخباراتية هو كثرة المؤتمرات الدولية فيها، والزيارات المتواترة لرؤساء الدول الأفريقية، والجاليات الدولية الكثيرة هناك.
وخلصت "لوموند" للقول أيضا إنه في الوقت الذي يواصل فيه الموساد العمل في باريس بحرية نسبية، فإن مصدرا في الخارجية الفرنسية يقول إن "الإسرائيليين باتوا أكثر حذرا مقارنة في السابق، فهم لا ينفذون اغتيالات على الأراضي الفرنسية، ويتلقون مساعدات أقل من اليهود الفرنسيين".ولم تعقب إسرائيل على ما نشرته الصحيفة الفرنسية رغم خطورة الاتهامات وربما بسببها.
