رجلا في العقد الرابع من عمره فقد عمله بعد اصابته باعاقة في قدمه افترش الارض وسط مدينة رام الله برفقة ابنته الصغرى التي لم تتجاوز الخامسة من عمرها، بين اقدام المارة والمتسوقين، هو ليس برجل متسول كما يعتقد البعض، فقد اخرج من عربته الصغيرة التي يجرها بعضا من انواع العلكة وعلب البسكويت لبيعها لسد رمقه ورمق عائلته، فقد اقترب موعد العودة الى المدارس، واطفاله بحاجة الى ملابس وحقائب مدرسية جديدة، كما انه مدين لصاحب المنزل الذي يقطنه.
هذا الرجل على هذه الحال منذ عامين طرق خلالها كافة الابواب باحثا عن عمل دون جدوى، صديقا له اخبره ان بامكانه التوجه الى مؤسسة تعنى بتقديم المساعدات وتلك المساعدات عبارة عن مبلغ من المال تجمع من قبل بعض المتبرعين، فقال له: يا صديقي انا لا ابحدث عمن يقدم مساعدة مالية، ان ابحث عن عمل اقتات منه انا وعائلتي عملا يغنيني عن السؤال.
فرد عليه صديقه بأنه لا يملك الوقت الكافي وعليه تدبير مبلغ من المال لصاحب المنزل قبل ان يلقي به خارجا هو وعائلته، وقال له سأتيك في الصباح الباكر لنذهب سوية الى تلك المؤسسة، عسى الله ان يوفقك، فوافق الرجل على مضض.
وفي اليوم التالي ذهب هو وصديقه الى المؤسسة المذكورة، وهناك كان يجلس موظف الاستقبال وبعد القاء التحية عليه اخبرهم الرجل بأنه يريد تقديم طلب للمساعدة فقال له بداية يجب عليك ان تحضر كافة الاوراق الثبوتية للتأكد من حالتك الصحية على ان تكون موقعة من مشفى حكومي تفيد بأنك عاجز عن العمل، اضافة الى عقد ايجار المنزل، فقال له حسنا سآتيك بكافة الاوراق اللازمة قبل نهاية الشهر.
وبعد يومين عاد الرجل الى المؤسسة وكان الموظف في استقباله، وقال له: احضرت لك كافة الاوراق المطلوبة، فقال الموظف حسنا، وتناول الاوراق منه وقال له سأدخلها الى المدير لمراجعتها واخذ موافقته، وبعد دقائق نادى الموظف عليه وقال له تفضل المدير بانتظارك، فدخل الرجل ملقيا التحية عليه، فقال له المدير يا اخي العزيز يوجد نقص في الاوراق، فقال له لقد فعلت ما طلبه مني الموظف، قال له نعم صحيح، ولكن يبدو ان المشفى قد أخطأ هنا باسمك يجب عليك تصحيح الامر ومن ثم العودة الى المؤسسة فقال له اعذرني فلم اتنبه للأمر، ومرة اخرى غادر الرجل متوجها الى المشفى وهناك اخبره موظف المشفى بأن المسؤول في اجازة، ولا استطيع مساعدتك عليك العودة بعد يومين، فقال له يا اخي انني بحاجة ماسة لتصحيح الاسم هذا اليوم، ولكن طلبه قوبل بالرفض.
وبعد مرور يومين عاد الرجل الى المشفى وتوجه الى الموظف قائلا هأنا عدت من اجل تصحيح الاسم، فرد عليه الموظفا الآن بامكاني مساعدتك وهذا سيكلفك مبلغا من المال، فقال له انني لا أملك سوى اجرة ذهابي الى المنزل ثم انني لست السبب بهذا الخطأ، فقال له ادفع تأخذ ما تريد فنحن هنا لسنا سبيلا، ولا مركزا للشؤون الاجتماعية.
وهنا علا صراخ الرجل بوجه الموظف فجاء احد المواطنين وقال له اهدأ يا اخي سأدفع انا هذا المبلغ فهو مبلغ بسيط جدا، فشكر الرجل المواطن وعيناه ممتلئة بالدموع، وبعد ان تم تصحيح الخطأ، غادر الرجل مسرعا باتجاه المؤسسة سيرا على الاقدام ودخل على المدير وقال له هأنا قد احضرت الأوراق الصحيحة، فقال له حسنا دع الطلب هنا وسنقوم بالاتصال عليك، فقال له هل هناك موافقة اذا، فأخبره نعم هناك موافقة فأوراقك كاملة، فقال: ومتى سأتسلم المبلغ، فقال له المدير: سنتصل بك عندما يحين دورك ليس قبل شهرين على ابعد تقدير، فقال الرجل: ارجوك انا بحاجة لهذا المبلغ لدفع ايجار المنزل فلم يتبق على نهاية الشهر سوى يومين وصاحب المنزل انذرني انه بحال لم ادفع فإنه سيطردني وعائلتي من المنزل، فقال له المدير: انها الاجراءات وهناك غيرك الكثير ينتظر.
فرد عليه الرجل متوسلا اياه ان يساعده، وانها المرة الأولى في حياته التي يحني بها رأسه لأحد متوسلا، فقال له المدير انا لاملك من الوقت الكثير لأجادلك، لقد قلت لك ما عندي، فاذا رغبت دع اوراقك هنا واذا لم ترغب فهناك مؤسسات عديدة علك تجد احداها يستطيع مساعدتك.
فخرج الرجل ومعه الاوراق، ورغم اعاقته سار حائرا والدموع تملأ وجنتيه في الشوارع والطرقات لا يعلم اين يمضي..
وفي الختام ايها المسؤولين يا من تتحدثون باسم الشعب ألم يأن الوقت لمحاسبة واغلاق مثل هذه المؤسسات، اين انتم من هذه المؤسسات التي تجني الارباح باسم المواطن الفقير، الم يأن الوقت للنظر الى المعاق على انه انسان له الحق ان يحيىا كريما في وطنه، ام ان بعضكم شريكا لهم.
حسن عجوة
