استلقت على سريرها شاردة الذهن، فها هي خمس سنوات مرت بعد ان أنهت دراستها الجامعية، وما زالت تبحث عن عمل دون جدوى، ولم يقطع شرودها سوى صوت والدها الذي قال لها كفاك شرودا هيا انهضي فقد جئتك بخبر سيفرحك لقد اتصل صديقي واخبرني انه وجد لك عملا في احدى المؤسسات، فقالت له لا بد انك تمازحني كعادتك كي انهض واعد لك فنجان القهوة خاصتك، فقهقه ضاحكا، وقال كلا يا ابنتي لا امازحك، فهو من اخبرني بذلك وسيأتي في الساعة الثامنة مساء لزيارتنا، ففرحت وعانقت والدها.
اشارت عقارب الساعة الى الثامنة مساء انه الموعد المحدد لقدوم صديق الوالد، وما هي الا لحظات حتى سمعت صوت رنين الجرس باب المنزل فنهضت من مكانها مسرعة، وفتحت الباب، حتى نسيت ان تلقي التحية، فبادرها بالقول ما بك يا صغيرتي لما انت قلقة لقد وجدت لك عملا، اين والدك فقالت له بالداخل تفضل، فدخل وصافح صديقه واخذ يستذكر معهما شقاوتها وهي فتاة صغيرة عندما كان يأتي لزيارتهم، فهو صديق مقرب للعائلة منذ فترة طويلة، وهي كانت بمثابة الابنة له.
قاطعته هيا اخبرني ما هو نوع العمل واين مكانه، وكم الراتب وهل سيكون لي مكتب خاص، اهدأي قليلا على مهك با ابنتي، اولا العمل هو في مؤسسة اجتماعية وهي جزء من عدة مشاريع خيرية ، يديرها احد المغتربين الاثرياء، وهذه المؤسسة حديثة العهد تعنى بتقديم ومد يد العون للمحتاجين اي انها يا ابنتي مؤسسة اجتماعية خيرية، وستكونين انت المشرفة عليها، براتب مغر 900 دولار شهريا، قفزت من مكانها فرحا وكأنها تلك الفتاة الصغيرة التي لم تنس شقاوتها.
واضاف الصديق واعتبارا من الغد هو اول يوم عمل لكي، ارجو منك ان تكوني على قدر الثقة وان تثبتي جدارتك، فهذا المغترب هو نجل صديق لي، وهو رجلا بكل ما تعنيه الكلمة من معنى، ذو شخصية جادة، وصارم بعض الشيء خاصة فيما بتعلق بأمور العمل.
بعدها غادر الصديق، وجلست مع والدها تسأله عن رأيه فقال يا ابنتي كما تعلمين انني اثق بصديقي ثقة عمياء، فاذهبي الآن واخلدي الى النوم كي لا تتأخري عن العمل فهو يومك الاول، دخلت غرفتها واستلقت واغمضت عينيها غير مصدقة انها قد وفقت بايجاد عمل، واخذت تفكر ماذا ستفعل بأول راتب لها؟؟ .. ثم اخذت تردد سأفعل وافعل وافعل الكثير.. والكثير حتى غلبها النعاس.
وفي صبيحة اليوم التالي استيقظت مبكرة، وكان والدها قد اعد لها الفطور، حيث ان والدتها قد توفيت منذ مدة طويلة، القت التحية على والدها قالت له اليوم اعذرني لا استطيع تناول طعام الافطار فهذا اول يوم لي ولا اريد ان أتاخر وانت تعلم يا والدي الازمة الخانقة في شوارع المدينة، فاعذرني، فقال لها، لك ما شئت وسأكون بانتظارك عندما يحين موعد الغداء.
غادرت المنزل مستقلة سيارة اجرة، وصلت مقر المؤسسة دقت الجرس فاذا برجل وسيم يرتدي بذلة ذات لون رمادي يفتح لها الباب فقالت انا جئت لاستلام العمل سيدي فتبسم لها، قائلا: اعلم انا بانتظارك تفضلي بالدخول، فانا صاحب هذه المؤسسة وساقدم لك شرحا مفصلا عن طبيعة عملك، آملا ان تثبتي جدارتك.
مرت الشهور الاولى دون اي منغصات فقد كان صاحب العمل لطيفا في التعامل، وكانت تشعر بالفرح حينما تقدم يد المساعدة للآخرين خاصة اولئك النساء الأرامل او النساء المعنفات اللواتي تعرضن للاغتصاب او التحرش الجنسي او محاولة القتل على خلفية ما يسمى بـ (شرف العائلة)، حيث كانت هذه المؤسسة تعمل على تقديم المال لهن لانشاء المشاريع الصغيرة، وكان لها ثلاث زميلات في العمل.
وفي احد الايام بينما هي جالسة في المكتب فاذا بصديق والدها يأتي لزيارتها ففرحت كثيرا ورحبت به وسارت معه باتجاه مكتب صاحب العمل، وعندما دخل رحب به صاحب العمل، فقال له صديق والدها لماذا لم تخبرني انك اتيت من السفر، وقال كان يجب على ابنة صديقك ان تخبرك فنظر اليها وقال انها ابنتي وهي لا تطلع احد على اسرار العمل او اخبار صاحب العمل، فتركتهم وذهبت الى مكتبها وبعد قليل جاءت زميلتها وقالت له لقد اعددت لهما القهوة ارجو ان تقدميها لهما انت فانا اشعر بالارهاق والتعب، فقالت حسنا، وذهبت وادخلت لهما القهوة، فقال لها صديق والدها اجلسي معنا يا ابنتي نريدك في أمر يخصك، فقالت له حسنا بعد اذن صاحب العمل فقال لها اجلسي ما بك، لك الان في العمل معي عام كامل، لما ما زلت بهذا الخجل، فجلست وقالت ارجو ان يكون الامر خيرا، فقال لها صديق والدها يا ابنتي ان صاحب العمل يريد الزواج منك وسيتقدم لخطبتك من والدك بحال موافقتك، هزت رأسها بالموافقة فهو شاب ثري وسيم ولا شيء ينتقص منه او يعيبه اضافة الى مشاريعه ذات الطابع الخيري، وهو انسان طيب.
تم الزواج وقامت بوداع والدها فقد حان موعد السفر الى الولايات المتحدة لقضاء شهر العسل هناك والتعرف على باقي افراد عائلة زوجها، مرت الايام الاولى لزفافها بسعادة لا توصف شكرت الله كثيرا، وقالت لزوجها لم ار والدك ووالدتك اين هما فقال لها، انهما مسافران الى السويد فلا تتعجلي، وبعد مرور ثلاثة اسابيع جاء رجل كبير في السن فعرفها عليه على انه والده، والحقيقة كانت عكس ذلك، وقال لها يا حبيبتي ساعود لمتابعة المشاريع في الوطن فقد اخبرتني احدى الموظفات ان هناك بعض الاشكالات التي قد تعيق العمل، فقالت له حسنا سآتي معك فقال لها لا انت ابقي هنا، فباقي افراد الاسرة يريدون ان يتعرفوا بك وانت اصبحت جزءا من هذه الاسرة، فلا ترتبكي وساعود بعد يومين.
غادر زوجها، ولكن بعد ان اخذ جواز سفرها معه دون علمها وكافة اوراقها الثبوتية، ودعته هي ومن ادعى انه والده بعد ان اوصلاه الى المطار، وفي رحلة العودة الى المنزل،قالت يا عمي لقد مر وقت طويل متى سنصل المنزل فقال لها لسنا ذاهبين الى المنزل، سنذهب الى شقيق زوجك، فهو يقطن في ولاية بعيدة، فرضخت للامر، وبعد ساعات من السفر المتواصل وصلا، فقال لها هيا انزلي، نزلت وبدت قلقة بعض الشيء، وعندما فتح لها الباب فاذا المنزل مليء بالنساء والرجال يتراقصون على اصوات الموسيقى وكانه حفل عيد ميلاد او ماشابه، وقال لها اصعدي معي لاريك غرفتكي لترتاحي قليلا ثم تغيرين ملابسك فقالت له لم احضر ملابس معي، فقال لها انا قمت بشراء بعض الملابس لك وهي موجودة في الغرفة، انتابها القلق مجددا، حيث كانت نبرته بصيغة الامر، وعندما اقتربت من الغرفة قام بدفعها الى الداخل واقفل الباب عليها وهناك اعتدى عليها وقام باغتصابها فقالت له انت والد زوجي ما الذي تفعله فقال لها من زوجك واخرج ورقة تفيد انه قد قام بطلاقها منذ اليوم الثاني لعقد الزواج، فلم تتحمل هول الصدمة وبكت متوسلة اليه ان يتركها ترحل، دون جدوى فقد اعتدى عليها مرة اخرى، ثم خرج واقفل الباب عليها، ثم بعد مرور الساعتين تم فتح باب غرفتها لكن هذه المرة كانت من صديق والدها فقفزت معانقة اياه والدموع بعينيها وتصرخ الحمد لله الحمد لله، لقد فرحت واعتقدت انه سيخلصها من هذا العذاب، وقالت له يا عمي لقد قام زوجي بطلاقي ووالده اغتصبني فضحك بسخرية شديدة، وقال انه ليس والد زوجك، فوالده متوفي منذ زمن وهو اقدم على طلاقك وانا اعلم ذلك فقالت ماذا تقول فقال لها الافضل لك ان تتعاوني معنا، فانت لا مجال لك بالعودة الى وطنك، فبصقت عليه وقام باغتصابها، وقال لها لقد قبضنا ثمنك من الذي تقولين انه زوجك وانت لست الاولى فقد سبقك الكثير، ويجب عليك ان تتعاوني معنا.
لم تعد قدماها تقوى على حملها وبنهاية الامر رضخت وهي الآن اصبحت عاهرة ولكنها للشرف والطهارة هي عنوان وهي اشرف واطهر من اي انسان على وجه الارض، فمن ينقذ اولئك الفتيات، خاصة اذا ما علمنا ان مسلسل اسقاطهم ممن هم على شاكلة هذا المغترب ما زال مستمرا.
حسن عجوة
