مختارات من قبائح بني إسرائيل في توراتهم 4

بقلم: عبد الحليم أبوحجاج

عبدالحليم أبوحجاج

المقالة الرابعة:

(11) هارون يصنع عِجْلاً من الذهب، فيتخذه إلهاً له، ويأمر شعبه بعبادته:

   ذهب موسى للقاء ربه على الجبل، وخلَّف وراءه أخاه هارون على شعبه وأوصاه بهم أن يَضِلُّوا، ولكن التوراة تخبرنا أن هارون أغوى الشعب واقترح عليهم أن يصنع لهم إلهاً غير إله موسى، وطلب من النساء أن يضعن أساوِرَهن وأقراطَهن الذهبية، وبطريقة الصِّياغة شكَّل منها عِجلاً أو ما يشبه العِجل، فكان إذا نُفخ في دُبر هذا العِجل الذهبي يَصدُر مِن فمه صوت خوار يرج الأرض في تلك الصحراء العريضة، وقال لهم مخالفاً لما ائتمنه موسى وأوصاه: هذا إلهُكم الذي أخرجكم من مصر، ونجَّاكم من فرعون وجنده، فاعبدوه، وفعلوا. ومضت أيام وهم لإلههم عاكفون، حتى عاد موسى، وفطن الرب لما فعله القوم، فحمي غضبه على بني إسرائيل فأراد أن يفنيهم لارتدادهم إلى الأوثان. ولكن موسى استشفع لهم عند الله ." وندمَ الربُّ على الشر الذي قال إنه يفعله بشعبه". خروج32 : 14.   

(12) مريم وهارون ينتقدان موسى على زواجه من كُوشيَّة:

   اتخذ موسى لنفسه امرأة كوشيه، فانتقده أخوه هارون وعارضته أخته مريم، فلم يقبل الرب معارضة مريم وانتقادها لموسى ورفْضِها قبول المرأة الكُوشِيَّة زوجاً له، وسمع الرب كلامها وسخط عليها، وعاقبها بالبَرَص. " فحمي غضب الرب عليهما ومضى، فلما ارتفعت السحابة عن الخيمة، إذا مريم بَرصاء كالثلج. فالتفت هارون إلى مريم وإذا هي بَرصاء. فقال هارون لموسى: أسألك يا سيدي، لا تجعل علينا الخَطِيَّة التي حَمِقنا وأخطأنا بها. فلا تكن كالميْت الذي يكون عند خروجه من رَحِم أُمه قد أُكِلَ نصفُ لحمه. فصرخ موسى إلى الرب قائلاً: اللهم اشفِها". عدد12 :9-13. ثم استشفع لها موسى عند ربه بإلحاح من هارون. ولكن الرب حكم عليها بأن تبقى بالبرص سبعة أيام، ثم شُفيت. 

(13) موسى  يثور في وجه الرب بألفاظ غليظة:

   عندما تم لبني إسرائيل وموسى النجاة من فرعون، نزلوا في يرية عريضة لا ماء فيها ولا شجر، وكادوا يموتون من الجوع والعطش، فأخذوا يصرخون في وجه موسى، ويحمِّلونه المسئولية، ثم أقام رجالهم ونساؤهم حلقات بكائية، وأكثروا من المناحات الصاخبة يندبون ويولولون ويبكون على حالهم أمام خيامهم، فغضب موسى لهم، وساءه أن يكون مصير شعبه الموت في صحراء جرداء من الغذاء والماء، فاتجه إلى الرب يصرخ في وجهه، وقال له قولاً  غليظاً دون تأدُّب: " لماذا أسأتَ إلى عبدك؟. ولماذا لم أجد نعمة في عينيك حتى إنك وضعتَ ثِقَل جميع هذا الشعب عليَّ؟. ألعلي حبلتُ بجميع هذا الشعب؟ أو لعلي ولِدتُه، حتى تقول لي احمِلْه في حضنك كما يحمل المُربِّي الرضيعَ، إلى الأرض التي حلفتَ لآبائه؟ ومن أين لي لحم حتى أعطي جميع هذا الشعب؟ لأنهم يبكون عليَّ( يعني: يلحُّون عليَّ في الطلب) قائلين: أعطنا لحماً لنأكل.-( ثم ترتفع حِدة الغضب والتأنيب في صوت موسى وهو يخاطب الرب:)-لا أقدر أنا وحدي أن أحمل جميع هذا الشعب لأنه ثقيل عليَّ. فإن كنتَ تفعل بي هكذا، فاقتلني قتلاً إن وجدتُ نعمة في عينيك، فلا أرى بليَّتي". عدد11: 11-15.        

(14) أكبر مظاهرة ، وأكبر تمرد على الرب:

حين أرسل موسى رؤساء الأسباط والقبائل إلى أرض كنعان ليتجسَّسُوها، عادوا بعد أربعين يوماً من تَجَسُّسهِم جالبين معهم بعض ما تثمره الأرض من تين ورُمَّان، حاملين زرجونة بعنقود عنب، دليلا على طيب أرض كنعان وكثرة خيراتها، ولكنَّ تقريرهم عنها كان مخيفاً للشعب، فقد ذكروا لهم: " الأرض التي مررنا فيها لنتجسَّسَها هي أرض تأكل سكانها، وجميع الشعب الذي رأينا فيها أناس طوال القامة، وقد رأينا هناك الجبابرة، بني عِناق من الجبابرة. فكُنا في أعيننا كالجراد، (في ضآلة أحجامهم بالنسبة للجبابرة العماليق طوال القامة)، وهكذا كنا في أعينهم".عددصح13: 32-33. فمن شدة خوف بني إسرائيل على حياتهم، جعلهم يتمردون ويبكون ويصرخون خائفين. " فرفعت كل الجماعة صوتها وصرخت، وبكى الشعب تللك الليلة. وتذمر على موسى وعلى هارون جميعُ بني إسرائيل، وقال لهما كل الجماعة: ليتنا مُتنا في هذا القفر! ولماذا أتى بنا الرب إلى هذه الأرض، لنسقط بالسيف؟ تصير نساؤنا وأطفالنا غنيمة. أليس خيراً لنا أن نرجع إلى مصر؟. فقال بعضهم لبعض: نقيم رئيساً ونرجع إلى مصر". (أي: ائتمَروا على خلع موسى وتنصيب رجل آخر يُنقذهم من الموت، ويرأسهم في رحلة الرجوع إلى مصر). عدد صح14: 1-4. ثم نراهم يواجهون موسى يعاتبونه تارة ويؤنبونه ويلومونه تارة أخرى بألسنة باكية، وأعلنوا عصيانهم ورفضهم دخول أرض الكنعانيين قائلين له: ألا يكفيك يا موسى أنك أخرجتنا من أرض مصر لكي تُنصِّب نفسك علينا رئيساً، " لا نصعد!، أقليل أنك أصعدتنا من أرض تفيض لبناً وعسلاً لِتُميتَنا في البريَّة حتى تترأس علينا ترؤساً؟". (وكذبت علينا يا موسى!). " كذلك لم تأتِ بنا إلى أرض تفيض لبناً وعسلاً، ولا أعطيتنا نصيب حقول وكروم، هل تقلَع أعيُن هؤلاء القوم؟ لا نصعد". عددصح16: 13-14. ويذكِّرنا موقفهم هذا مع موسى، بما قالوه له في الآية القرآنية الكريمة:" فاذهبْ أنت وربُّكَ فقاتلا ، إنا ههنا قاعدون". الآية24 المائدة. ثم ظلوا على تحالفهم وخصومتهم  ضد موسى وهارون لعدم وجود الماء في البريَّة. " وخاصم الشعب موسى ، وكلَّموه قائلين : ليتنا فَنينا فناءَ إخوتنا أمام الرب، لماذا أتيتما بجماعة الرب إلى هذه البريَّة، لكي نموت فيها نحن ومواشينا؟ ولماذا أصعدتمانا-(أخرجتمانا، والخطاب لموسى وهارون)- من مصر لتأتيا بنا إلى هذا المكان الرديء؟ ليس هو مكان زرع وتين وكَرْم ورُمان، ولا فيه ماء للشرب!". عدد صح20: 3-5. وأتى موسى وهارون إلى باب خيمة الاجتماع وسألا الرب أن يرفع غضبه عن الشعب، فظهر لهما مجد الرب وشفع لهم. " وكلم الرب موسى قائلا : خذ العصا واجمعِ الجماعة أنت وهارون أخوك، وكَلِّما الصخرة أمام أعينهم أن تُعطي ماءها، فتُخرِج لهم ماء من الصخرة وتسقي الجماعة ومواشيهم. فأخذ موسى العصا من أمام الرب كما أمره، وجمع موسى وهارون الجمهور أمام الصخرة، فقال لهم: اسمَعوا أيها المَرَدَة، أَمِن هذه الصخرة نُخرِج لكم ماءً؟. ورفع موسى يده وضرب الصخرةَ بعصاه مرتين، فخرج ماء غزير، فشربت الجماعةُ ومواشيها ". عدد صح 20: 7-11. فوقعت المخالفة من موسى لأمر ربه، فقد ضرب الصخرة بعصاه ولم يُكَلِّمها باللسان، فأغضب موسى ربه، وكان غضب الرب عظيماً. 

(15) الرب يغضب من موسى وهارون لأنهما لم يُطيعا أمر الرب:

الرب يأمر موسى وهارون أن يُكلِّما الصخرة تكليماً باللسان، ولم يطلب منهما أن يضرباها بالعصا كما كان في المرة السابقة ( انظر سفر الخروج صح 17) ،  فخالفا أمر الرب بأن ضربا الصخرة بالعصا، فغضب الرب عليهما وعلى بني إسرائيل، وحرَّم عليهم دخول الأرض التي وعدهم بها. " فقال الرب لموسى وهارون من أجل أنكما لم تُؤْمِنا بي حتى تُقدِّساني أمام أعين بني إسرائيل، لذلك لا تُدخِلان هذه الجماعة إلى الأرض التي أعطيتُهم إياها.(أي: لن تدخُلا الأرض التي وعدكم بها الرب، كذلك لن يدخلها هذا الشعب العاصي المتمرد) هذه ماء مَريبة حيث خاصم بنو إسرائيل الرب فتقدَّس فيهم ".عدد20: 12-13.  وهكذا (دَلَّع الربُّ بني إسرائيل كما يُدَلِّع الأب أبناءه الأطفال)، فأجرى الماء بين أيديهم، فشربوا وارتووا، وأطفأوا غُلَّتهم، وما انطفأت خصومتهم لموسى ولا لرب موسى. هذا غيض من فيض، وما أكثر ما جاءت به توراتهم عن صور تمردهم وعصيانهم.

(16) الرب يعاقب بني إسرائيل بالحَيَّات، ويستشفعون بموسى:

حدث ذات مرة أن أغضب بنو إسرائيل فيها موسى، فعاقبهم الرب بالحيَّات . كان ذلك بعد موت هارون حين ارتحلوا من جبل هور في طريق بحر سوف، فضاقت نفس بني إسرائيل وهم في طرق التفافية ليدوروا بأرض الأدوميين. " وتكلم الشعب على الله وعلى موسى قائلين: لماذا أصعدتمانا من مصر لنموت في البريَّة؟ لأنه لا خبز ولا ماء، وقد كرهتْ أنفسُنا الطعام السخيف. فأرسل الرب على الشعب الحيَّات المُحرِقَة، فلدغت الشعب، فمات قوم كثيرون من إسرائيل، فأتى الشعب إلى موسى وقالوا: قد أخطأنا إذ تكلمنا على الرب وعليك، فصَلِّ إلى الرب ليرفع عنا الحَيَّات، فصلَّى موسى لأجل الشعب ". عدد صح21: 5-7. واستشفع لهم موسى ربهم فشفع لهم ورفع عنهم العقاب. ولكن هل يَصدُقُون في توبتهم؟!.أهـ*   

    للكاتب/عبدالحليم أبوحجاج   

 

 

 

 

 

 

المصدر: -

جميع المقالات تعبر عن وجهة نظر أصحابها وليس عن وجهة نظر وكالة قدس نت