المستهلك الفلسطيني مازال في انتظار الطاقة المتجددة في فلسطين

بقلم: صلاح هنية

صلاح هنية
  • بقلم صلاح هنية

    نظرياً نستطيع القول أن فلسطين وضعت مقوّمات لنشر ثقافة الطاقة المتجددة وتشجيعها، خصوصاً  أن فلسطين تتمتع بمصادر طبيعية يمكن استغلالها لاسيما الشمس والتي تنعم فلسطين بها على مدى أشهر وأيام طويلة من السنة، ويُعدّ من الأهمية أن يحتل تشجيع الطاقة المتجددة سلم أولوياتنا جميعاً لاسيما في ظل تحكم الاحتلال بمصادر الطاقة التقليدية، وما ينتج عنه من تذبذب في الأسعار وفي استمرارية الخدمة ذاتها.

    ومع امتلاك بلادنا لمقومات الطاقة الشمسية، خاصة وأن المواطن الفلسطيني عرف أنظمة تسخين المياه عبر الطاقة الشمسية منذ سبعينات القرن الماضي، فإن استغلال الطاقة الشمسية هو فرصة سانحة لنا كفلسطينيين لاستغلالها الاستغلال الأشمل والأمثل بما يحقق مصلحة المواطن والمجتمع وكافة القطاعات انتهاءً بتحقيق الأمن الطاقي بكل مكوناته، وبما يشمل ضمان السيادة والتحكم بالطاقة وتوفير طاقة اقتصادية مستقرة غير متذبذبة ستسهم في تخفيض أسعار الطاقة وتكلفتها على مختلف القطاعات والشرائح. ورغم ما تحمله الطاقة الشمسية من إمكانيات وفرص نحو تخفيض تكلفة الطاقة والانفكاك عن تحكم الجانب الإسرائيلي بالطاقة، إلا أننالم نتمكن من ترجمة استغلال الطاقة الشمسية بصورة فعلية لتكون مصدراً مُجدياً من مصادر الطاقة في المنازل والمنشآت الاقتصادية والخدماتية.

    وأقرّت فلسطين مجموعة من القوانين بهدف تشجيع التحول إلى الطاقة المتجددة، لاسيما قانون الطاقة المتجددة الذي صادق عليه سيادة الرئيس محمود عباس عام 2015، وما تبعه من قوانين وأنظمة لتنظيم هذا القطاع، ومبادرات لتشجيع المستهلكين من أفراد ومؤسسات ومشاريع ومصانع على التحول لنظام الطاقة الشمسية، إضافة إلى إقرار محفزات استثمارية وإعفاءات لتشجيع الاستثمار في هذا القطاع.

    ويتوازى هذا مع الجهد الدولي باتجاه تحقيق الهدف السابع من أهداف التنمية المستدامة 2030، والخاص بتوفير طاقة نظيفة بأسعار معقولة، وهو بند يرتبط بحقوق المستهلك الأساسية، لكننا عملياً لا زلنا نراوح مكاننا.

    وبالرغم من هذه الجهود الهادفة إلى تنويع مصادر الطاقة وتحقيق الأمن الطاقي، إلا أننا وحتى اليوم لا نزال نواجه أزمة الكهرباء والانقطاعات المتكررة في العديد من المناطق والمدن والقرى والمخيمات الفلسطينية، وجرت آخر هذه الأحداث خلال الأسبوع الماضي في طولكرم، فعلى الرغم من الحلول المتخذة كحلول مؤقتة لمعالجة أزمة الكهرباء في طولكرم، وإعلان سلطة الطاقة والموارد الطبيعية في منتصف الشهر الماضي عن بدء ضخ 5 ميغا واط إضافية من الكهرباء للمدينة عبر نقطة ربط كفر اللبد- بلعا؛ إلا أن أهالي طولكرم فوجئوا مع بدء دخول شهر آذار بانقطاع الكهرباء لساعات طويلة من قبل الشركة القُطرية للكهرباء بذريعة أعمال الصيانة، واستمر القطع حتى ساعات منتصف الليل، لنعود بذلك إلى المربع الأول وهو تحكم الشركة الإسرائيلية بقطع ووصل الكهرباء، ناهيك عن مماطلتها في السماح بمنحنا نقاط ربط إضافية ورفع كمية الكهرباء المخصصة لمدننا وبلداتنا.

    معيقات ومعاناة:

    تتواصل معاناة مئات آلاف المواطنين الفلسطينيين بسبب عدم استقرار خدمات الكهرباء والانقطاعات المتكررة ولساعات طويلة، وتتضاعف المعاناة لاسيما على صعيد تشغيل وسائل التدفئة مع انخفاض درجات الحرارة ليلاً أو تشغيل أجهزة التكييف صيفاً، وتأمين طاقة مستمرة لتشغيل أجهزة التنفس وغيرها من الأجهزة الطبية للمرضى والذين قد تتهدد حياتهم مع انقطاع الكهرباء. واليوم تزداد المعاناة مع هذه الانقطاعات بعد التحول إلى التعليم الإلكتروني إثر إغلاق المدارس للحد من انتشار الإصابات بفيروس كورونا.

    وعلى الرغم من هذه المعاناة، لا تزال سلطة الطاقة والموارد الطبيعية تعتمد على مصدر واحد تقليدي للطاقة وتسعى إلى رفع القدرة الكهربائية عبر مواصلة شراء الكهرباء من الجانب الإسرائيلي الذي يتحكم بدوره برفع القدرة أو خفضها، أو منع وصول الوقود كما حدث في قطاع غزة.

    هذا التوجه يضرب كل الأنظمة والاستراتيجيات التي أتينا على ذكرها سابقاً، ومقومات الأيام المشمسة في فلسطين، ومسعى عديد شركات القطاع الخاص ومبادرات استثمارية جدية، والتي تعهدت للحكومة بتزويد الآلاف بل الملايين من الكيلوواط ساعة بأسعار تنافسية ومنخفضة مقارنة مع المزوّد الإسرائيلي، مما يعود بالفائدة على المستفيد الرئيسي وهو المستهلك الفلسطيني، إلا أن هذه المبادرات الاستثمارية ما زالت تواجه العديد من المعوقات بسبب عدم وجود آليات لحل الإشكاليات وترتيب الضمانات وتوزيع الأدوار بين أصحاب العلاقة في هذا القطاع من الجهات الرقابية والبلديات والحكومة والمستثمرين.

    كما أن هذا التوجه يعكس الاعتماد على الحلول العاجلة من قبل الجهات القائمة على الطاقة وسلطة الطاقة وشركة نقل الكهرباء والبلديات وشركات التوزيع من أجل معالجة إشكالية الانقطاعات بشكل عاجل وتوزيع الطاقة التقليدية وتحصيل الفواتير، بينما لم يُبذل جهد موازي لدمج المجتمع بالطاقة الشمسية وتحقيق الفائدة لشركات التوزيع وللمواطن الذي يربط منزله أو منشأته بالطاقة الشمسية.

    وإن غياب الضمانات الحكومية لتعزيز دور الشركة الفلسطينية لنقل الكهرباء يؤدي إلى إضعاف استراتيجية الحكومة والمجتمع الدولي في إيجاد مشتري رئيسي للطاقة المتجددة ليقوم بدوره ببيعها إلى شركات التوزيع أو البلديات القائمة على التوزيع بأسعار متفق عليها، ما يعني استمرار المزوّد الإسرائيلي في اقتطاع قيمة الفاتورة الكهربائية وإضعاف وفرة السيولة وميزانية الحكومة وتركها عرضة أمام تحكّم الجانب الإسرائيلي بالكهرباء إلى جانب تحكمه في مخصصات السلطة الوطنية من عوائد الضرائب.

    ومن المؤسف أن الجهات الرسمية لا تتعامل مع استثمار القطاع الخاص في الطاقة المتجددة كمقوم رئيسي داعم لتوجه الحكومة بالانفكاك عن الاحتلال في مجال الطاقة، بل تواصل شراء الكهرباء من إسرائيل دون سعر تفضيلي مما يزيد الأعباء المادية والمديونية على الحكومة. كما لم تقدم على تذليل العقبات ومراجعة وتعديل التشريعات والقوانين لتحفيز القطاع الخاص نحو مزيد من الاستثمار في الطاقة المتجددة.

    كما أن ضعف قدرات شركات توزيع الكهرباء والبلديات على التعامل مع الطاقة الشمسية رغم إصدار العديد من القوانين والأنظمة، وترك الحكم الفصل بين يدي الشركات والبلديات سيؤدي إلى عزوف أو عدم تمكن المواطنين وأصحاب المشاريع الصناعية والزراعية وغيرها من المشاريع المدرة للدخل من الانتقال إلى شراء الطاقة الشمسية.

    رؤى وحلول:

    بات ملحاً أن تتكاتف جهود كافة الشركاء ومكونات قطاع الطاقة الفلسطيني من أجل العمل على تذليل العقبات وتجسيد هذه الرؤى والقوانين على الأرض، والعمل نحو تحفيز مشاريع الطاقة الشمسية باعتبارها إحدى المقومات الرئيسية للاستقلال الطاقي، لاسيما مع تأكيد الحكومة الفلسطينية في أكثر من مناسبة على التوجه نحو  الانفكاك الاقتصادي والطاقي عن الاحتلال.

    أما بخصوص توفر مساحات الأراضي المناسبة لتشييد محطات الطاقة الشمسية، فقد بات ذلك ممكناً على الأرض خصوصاً بعد أعمال تسوية الأراضي التي حددت ملكية الأراضي وإمكانية دخول أصحابها بشراكات مع المستثمرين لتعم الفائدة الاقتصادية والمالية على الجميع، هذا إلى جانب إمكانية استغلال مساحات أسطح المجمعات السكنية والمنشآت لتركيب الخلايا الشمسية.

    ما هي مصلحة المستهلك؟

    على صعيد الطاقة التقليدية، فالمستهلك هو مجرد زبون يحصل على الكهرباء من مصدرها التقليدي القابل للنقص، والقابل لارتفاع وتذبذب الأسعار، والقابل لاستخدامه كأداة سياسية للضغط وتقويض الإنجازات في مجال الطاقة، أما على صعيد الطاقة الشمسية، فإن المستهلك سيتمكن من الاعتماد على مصدر متجدد مستقل للطاقة، بما يحقق الأمن الطاقي ويساهم في انتقال فلسطين إلى عهد جديد أكثر حداثة وتطوراً على صعيد استغلال الطاقة النظيفة واستخداماتها ووفرتها للجميع.

    وباعتماد الطاقة المتجددة، لاسيما الشمسية، سيحصل المستهلك على حصة أعلى من كمية الكهرباء، مع مؤشرات نحو انخفاض تكلفتها نظراً لكونها أقل المصادر تكلفة مقارنة مع مصادر الطاقة الأخرى. كما أن من ميزات الطاقة المتجددة أن العمر الافتراضي لهذه الأنظمة والمعدات، والتي تستمر تكلفتها في الانخفاض، يصل إلى أكثر من 25 عاماً وهذا يعتبر استثماراً مجدياً.

    ولا تقتصر مصلحة المستهلك على تخفيض الفاتورة وتوفير طاقة مستقرة، وإنما تشمل مواجهة الأزمات الطارئة كجائحة كوفيد_19، حيث أفادت منظمة الصحة العالمية أن الضغط على الطاقة قد ازداد، الأمر الذي يستوجب التحول للطاقة المتجددة والحصول على خدمات الطاقة الحديثة والمستدامة بأسعار معقولة، خصوصا أن الكهرباء ركيزة أساسية لمواجهة حالات الطوارئ خاصة المتعلقة بالصحة العامة. كما تؤثر عمليات القطع المتكرر على استمرارية العديد من الخدمات والقطاعات الأخرى، كالمستشفيات ومراكز علاج مرضى كورونا، ومراكز فحص الفيروس. وإلى جانب ذلك تؤثر الانقطاعات المتكررة في خدمات الكهرباء على قطاعات الاتصالات والإنترنت، والقطاعات الصناعية والاقتصادية، وهذا ما يؤدي إلى نفور الأنشطة الاقتصادية والصناعية والزراعية في عدة مناطق، ما يؤثر على الوضع الاقتصادي في ظل ارتفاع نسب البطالة والفقر في فلسطين عموماً.

    أما على مستوى البيئة، فحسب الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني فإن قطاع الطاقة هو أكبر مولد لانبعاث الملوثات البيئية في فلسطين، وعلى مستوى القطاعات فقد استحوذ قطاع الطاقة على النصيب الأكبر من الانبعاثات، إذ بلغت المنبعثات الناتجة عن هذا القطاع 71% من مجموع المنبعثات الوطنية. وبالمقابل فإن الملفت للنظر ما أورده الجهاز أن هنالك انخفاضاً حاداً في حصة الطاقة المتجددة من مجموع الاستهلاك النهائي للطاقة.

    وعي المستهلك:

    يجب أن يدرك المستهلك أهمية هذا الملف ومدى تأثيره على نمط استهلاكه للكهرباء سواء على مستوى اشتراكه المنزلي أو التجاري، خصوصاً وأن تحوله لدعم الطاقة المتجددة سيضمن موقعه كشريك رابح إلى جانب باقي الشركاء، بالإضافة إلى إدراكه لأهمية دور الطاقة الشمسية كأحد المصادر الرئيسية لتحقيق استقلال الطاقة، وأن يعي أن ما يحدث من انقطاعات وتذبب بمصادر الكهرباء يضر بحقوقه، ما يتطلب الضغط على الشركات والبلديات للتأقلم مع استحقاقات الطاقة المتجددة، وتشجيع الاستثمار في الطاقة الشمسية لأن هذه الاستثمارات تصب باتجاه طاقة نظيفة بأسعار عادلة، إلى جانب إسهامها في حماية البيئة من الانبعاثات الصادرة عن الطاقة التقليدية، كما يجب أن يكتمل هذا التوجه بالتحول لاستخدام الطاقة المتجددة في قطاع النقل.

    كل هذه الجهود تتطلب المبادرة فوراً من قبل الحكومة وسلطة الطاقة لمعالجة أي قضايا أو ثغرات لتمكين المستثمرين والمطورين من توفير نظام الطاقة المتجددة، وتشجيع المواطنين وأصحاب المشاريع والمصانع إلى التحول لأنظمة الطاقة المتجددة والتي ستعود عليهم بالنفع، فإلى جانب تخفيض الاستهلاك المنزلي، تسهم الطاقة المتجددة في تخفيض التكاليف على المشاريع الصغيرة ومتناهية الصغر والمتوسطة وتمكينها من الاستمرار وتعزيز الاقتصاد المحلي وتوفير المزيد من فرص العمل. وتحقيقاً لمصلحة كافة الأطراف، وكما تضافرت الجهود لحل قضية الغاز من أجل تزويد محطة الكهرباء في غزة، نأمل أن ينال ملف الطاقة المتجددة نفس الاهتمام الذي حظي به ملف الغاز في بحر غزة.
 

المصدر: -

جميع المقالات تعبر عن وجهة نظر أصحابها وليس عن وجهة نظر وكالة قدس نت