ريمة تعود الى صفورية ومفتاح البيت معلق على الحائط

بقلم: مصطفى عبد الفتاح

مصطفى عبد الفتاح.jpg
  • بقلم: مصطفى عبد الفتاح 

رحلت ريمة وفي قلبها حنين، رحلت أخت الرِّجال، اليوم ترجَّلت عن صهوة الحياة، تاريخها كان مغمسًا بالصراع من أجل البقاء في الوطن، لقد مرَّت ريمة الصفورية في دروب الاشواك، تشّرد وشتات، ثم عودة وبقاء، تخلَّله حنين ووفاء لأهل تركتهم في الشَّتات، ذاقت كل صنوف القهر، وما لان لها جانب، بقيت مرفوعة الرأس شامخةً كالعنقاء لترسم طريق حياتها من جديد.

في الامس، سرت خلف نعشها، يلفّني الحزن بعباءته الدَّاكنة، كان سؤال مجنون يراودني، ولا يصلح السؤال الّا خلف نعش ريمة، الَّتي ماتت ويحرقها الشوق للقاء أهلها ولو بعد الموت: ايهما أصعب؛ ألم الموت أم ألم الفراق، والفاصل بينهما خيط رفيع من الألم والامل؟

 هل سيطيب لها الموت بسطوته وجبروته، وما خوفنا منه الا الجهل بأسراره، كما طابت لها الحياة رغم قساوتها ومرارتها؟

كان بقربي ابنها غسان، وكأنه يقرأ أفكاري، ليهمس في أذني، قد يكون في الموت حكمة، أظن أنَّ الموت سيطفئ نار الحنين في قلبها المتعطّش كل هذه السنين من عمر النكبة الى لقاء الاهل والاحباب.

 أتعرف كم هو حجم الحنين لفتاة في العاشرة من عمرها، تخرج من جنَّتها وعالمها، تحمل أختها، رسميَّة، الطفلة الصَّغيرة على خاصرتها، وتخرج من الجنَّة تحت وابل الرَّصاص، إلى اللجوء الى العدم، الى المجهول.  

هناك في جهنَّم الغربة، رفضت ريمة واقعها، رفضت مصيرها المجهول، قرّرت أن تأخذ مصيرها بيديها، وتتمرد على النكبة، ترفض الظّلم والقهر في الغربة، ترفض اللجوء والشتات، فتترك أمها وابيها، تترك اخوتها وأهلها، وتقرر حق العودة وإن كانت ناقصة، فكانت على مرمى حجر من صفورية التي هدمتها يد الغدر والعدوان.

صورة ريمة تعود إلى صفورية.jpg


وبدأت ريمة رحلة معاناة الغربة في الوطن، بين بطش الاحتلال وظلم ذوي القربى، كانت تبتلع في كل يوم نار الفراق، وألم الحنين الى حضن العائلة من ناحية، والى حضن صفورية من الناحية الأخرى، فكانت مع أمينها، رفيق دربها، وشريك حياتها تعض على نواجذها وتبني بدل بساتين صفورية المدمرة، ألف بستان صفوريّ حولها على أمل العودة.

لقد استطاعوا بآلات الحرب والدَّمار انتزاعها من قلب صفورية، ولكنهم ابدًا لم يستطيعوا انتزاع صفورية من قلبها حتى آخر رمق في حياتها، ألم تكن رفيقة دربها ستي مدلّلة؟ ألم تسلّمها مفتاح العودة، وما زال معلقًا على حائط بيتها، ينتظر؟

ألم تكن بوصلتها الأولى والأخيرة قلب امين حلومه الذي انفطر على حب صفورية، وحنين العودة إلى الوطن؟ ومن بساتين صفورية الجميلة برمَّانها وتفَّاحها وخُضارها زرعت على حدود الوطن مئات البساتين الفواحة بعبقها وجمالها، هؤلاء الابطال الأبناء والاحفاد بعلمهم وعملهم، بوعيهم وثقافتهم، يحملون الراية ويمضون، يقربون المسافات، لتبقى صفورية في قلبها ووجدانها الى الابد حتى بعد ان رحلت جسدا. فشعلة الامل لا تنطفئ، رحم الله ريمة، وكل من رحلوا وفي قلوبهم شوق للوطن.

26.05.2022

جميع المقالات تعبر عن وجهة نظر أصحابها وليس عن وجهة نظر وكالة قدس نت