غزة بين براثن الاقتصاد العليل وتصاريح "إسرائيل"

بقلم: رانية المدهون

عمال فلسطينيين.jpg
  • بقلم: رانية عبدالرحيم المدهون

تحت وطأة الحصار، وانعدام العمل، والبطالة، والظروف المذرية التي يعاني منها الشعب الفلسطيني في قطاعه الجنوبي الغربي من فلسطين المحتلة؛ قطاع غزة؛ يقبع الفلسطينيون أسرى ظروف اقتصادية واجتماعية وثقافية وسياسية بالغة الصعوبة.

وتأتي الأوضاع المعيشة بين قوسي الأوضاع الاجتماعية الصعبة للشعب الفلسطيني في القطاع؛ ما جعل أدنى وأقسى فرصة عمل لمواطن فلسطيني من سكان قطاع غزة المحاصر، يحصل عليها في مناطق الـ 48، فرصة نادرة بالنسبة له، رغم ما يعانيه العربي الذي يضطر للعمل في أراضي سيطرة العدو الكاملة.

ويتعرض المواطن الفلسطيني الذي يعمل في أراضي الـ 48، لا سيما سكان قطاع غزة، للابتزاز من سماسرة العمل ووسطائه، ويضطر للقبول بأي شروط مهما انعدمت فيها الإنسانية، ليسد حاجة أهل داره، ويستر متطلبات حياتهم إشباعًا، ومع ذلك فبالكاد يكون العائد لا يوازي حد الكفاف !

نبدأها من حيث الحاجة التي تُجبِر العامل الفلسطيني على تحمُّل المعاناة؛ نتحدث عن استعداد العامل الفلسطيني للذهاب لعملة في منتصف الليلة السابقة ليوم العمل، وقبل ازدلاف أشعة الشمس ذاتها إلى أرصفة الطرقات.

نتحدث عن إقامة العامل الأسبوع كاملاً داخل دولة الكيان "إسرائيل"، لتوفير تكاليف السفر والسكن والمأكل والمشرب .

نتحدث عن مرور العامل الحاصل على تصريح عمل، عبر 3 معابر تقع تحت ثلاث سلطات؛ أولها معبر (4,4) الذي يتبع حركة حماس، وثانيها كعبر ( 5,5) الذي يتبع للسلطة الفلسطينية ، وثالثها معبر بيت حنون "إيريز" الذي يتبع دولة الكيان "إسرائيل" .

ننتقل في حديثنا عن مشكلة أضخم حجمًا مما تحدثنا عنه بمدى واسع؛ وهي أن استصدار تصاريح العمل لعمال قطاع غزة لا يأتي تحت مسمى "عامل"، وهو ما يعني تمتع العامل الفلسطيني بكافة الحقوق التي يكفلها القانون في قوانين حكومة صاحب العمل - إسرائيل - وإنما بصفة "احتياجات اقتصادية "، وهو مصطلح ابتدعتهُ حكومة الاحتلال لعدم التزام صاحب العمل تبصرف حقوق العمال العرب، لاسيما في حال تعرض أي منهم لحادث عمل ولو حادث مريع!

الجدير بالسخط أن حكومة الاحتلال تستخدم ملف إصدار التصاريح لعمال قطاع غزة كورقة ابتزاز وضغط ، وتماطل في تنفيذ البند المتعلق بهذا الموضوع وتؤخر، بشكل متعمد، إصدار باقي التصاريح، وتُغلق من آن لآخر معبر إيرز المخصص لعبور العمال، وذلك كعقاب جماعي على الشعب الفلسطيني في قطاع غزة، ورد على أي أعمال تصفها "إسرائيل" بالعدائية تجاهها، لا سيما إطلاق المقاومة الفلسطينية بجميع فصائلها للقذائف الصاروخية.

ربما تكون "تصاريح الاحتياجات الاقتصادية" أسهمت في عملية تسهيل إستصدار تصاريح العمل في "إسرائيل"، لكنها لاحت بفرق نسبي غير مقبول أو مُحتَمَل بين العمال الغزيين وعمال الضفة الغربية.

يجب أن نشير هنا إلى إعلان حكومة الاحتلال في تشرين الأول/أكتوبر 2021، عن زيادة عدد تصاريح العمل داخلها لتجار وعمال من قطاع غزة، بحوالي 7 آلاف إلى 10 آلاف تصريح، كجزء من محاولة تهدئة الوضع الأمني في القطاع، ومنع مواجهة انفجار شعبي وعملية جديدة من عمليات المقاومة ضد مناطق الاحتلال.

وفي الحقيقة لم يحدث ما اشتهت السفن؛ فحتى منتصف كانون الثاني/يناير 2022، قامت "إسرائيل" بتوزيع "تصاريح تجارية" فحسب على عمال القطاع، وهي تصاريح لا تمنح أية حقوق اجتماعية للعامل. وبسبب احتياج العمال في قطاع غزة للعمل؛ فقد اضطر عمال القطاع من طلب هذه التصاريح دون أدنى مساحة من التفكير.

الأحرى أن الحصول على تصريح تجاري يحتاج تكاليف باهظة، والحصول على مصادقات كثيرة، وفي الغالب يقع العامل الفلسطيني لا سيما الغزي تحت عمليات النصب من قِبل سماسرة جلب التصريحات..

وشهد شاهد من أهلها حين أكدت المحامية ميخال لوفت، الموكَّلة عن الكثير من تجار غزة بأن "دولة إسرائيل ترتكب جريمة في وضح النهار عندما تعطي سكان غزة تصاريح عمل دون أن تعتبرها تصاريح عمل!"، وتعني المحامية الحقوقية أنه "في حالة حدوث حادثة عمل فإنه لا أحد سيعوض العمال. أيضا المشغلون سيكونون معرضين للدعاوى، في حين أن تشغيل سكان من غزة في إسرائيل هو أمر مرحب به، هناك فقط طريقة واحدة لفعل ذلك حسب القانون، وهي إعطاؤهم تصاريح عمل"، وأضافت لوفت أن، "كل شكل تشغيل آخر هو غير قانوني. يجب عدم قبول غض النظر من قبل دولة إسرائيل وقبول اختراعها الحالي الذي يتمثل بـ"تصاريح الاحتياجات الاقتصادية".
احتجاج التجار
ولقد احتج تجار من قطاع غزة، عبر جريدة "هآرتس"، على أن "إسرائيل" تبلغ عن عشرات آلاف تصاريح العمل، لكن فعليا هي تقلص جدا تصاريح التجارة للتجار، 1500 من بين 10 آلاف تصريح. كما تمنع دخول التجار المخضرمين الى إسرائيل وإلى الضفة فقط يزيد ويخلد اعتماد سكان غزة على إسرائيل، ويدل على أن إسرائيل غير معنية بإعادة الإعمار الاقتصادي للقطاع".

وحسب التقديرات، فإن العمال الفلسطينيين العاملين في "إسرائيل" وهم من قطاع غزة، يدخلون كل شهر أكثر من 60 مليون شيكل، ما أدى مؤخرا إلى تحسُّن في بيانات النمو الاقتصادي في القطاع بنسبة 3 %.

كما أظهرت وزارة الرفاه في غزة والبنك الدولي عبر بيانات لها، أن نسبة البطالة في القطاع وصلت ي العام 2022 إلى 46.6 % ، 62.5 % منهم من الشباب، وهي معدلات بطالة تعد ضمن الأعلى على مستوى العالم، وأيضا 68 % من فئة الفقراء و75 % بدون أمن غذائي.

ويؤكد البنك الدولي أن أكثر من نصف السكان يعيشون تحت خط الفقر، داخل القطاع الفقير الذي يأوي نحو 2.3 مليون فلسطيني، بكثافة فائقة حسب مساحته.

وعلى الرغم من طلبات الزيادة في تصاريح العمل من الجانب الفلسطيني إلا أن رئيس حكومة الاحتلال الإسرائيلي يائير لابيد، اشترط في تصريحات له مؤخرا، زيادة تصاريح العمل المخصصة لقطاع غزة عن 20 ألفًا؛ بمساومته للفلسطينيين بإعادة الجنود الإسرائيليين الأسرى لدى كتائب المقاومة بالقطاع.

ولقد زاد عدد سماسرة التصاريح مؤخرا، وهم الذين يقومون ببيع تصاريح العمل بطرق غير قانونية، ما شدد عليه المحامي العمالي نادر سلمية، حيث قال إن "انتشار ظاهرة بيع التصاريح بمثابة بورصة، وسوق سوداء تنهب جيوب العمال وتنتقص من حقوقهم، وتم رصد الكثير من الدعاوى والقضايا المرفوعة أمام دوائر التنفيذ في المحاكم الفلسطينية من قبل السماسرة على العمال، ممن يوقعون على الكمبيالات كضمان ويتعثرون في الدفع الشهري لهم، مطالبين تحصيل قيمة المبالغ المتراكمة على العامل لشهرين أو ثلاثة، فيتم استصدار أمر حبس لاستحقاق هذه المبالغ، رغم أن السمسار يكون قد قام بوقف تصريح العامل كعقوبة فورية! ورغم عدم قانونية الأمر فإن ما يجري على أرض الواقع هو اضطرار العامل لدفع المبلغ وإجراء تسوية مع السمسار بسبب ارتفاع تكاليف أتعاب المحامين لرفع دعوى منع مطالبة أو إصدار قرار بوقف التنفيذ".

ولقد تركت حكومة الاحتلال صفة "تاجر" لما يقرب من ألف رجل أعمال، في الوقت الذي غيرت فيه الصفة لآلاف العمال الفلسطينيين إلى صفة "احتياجات اقتصادية!".

وصرح رئيس الاتحاد العام لنقابات عمال فلسطين في قطاع غزة، سامي العمصي، بأن الاحتلال الإسرائيلي يرفض إطلاق صفة "عامل" على تصاريح العمال الفلسطينيين وذلك للتهرب من حقوقهم القانونية.وأضاف العمصي، أن الاحتلال الإسرائيلي أقر مؤخرًا اجراءً جديدًا بإضفاء صفة "احتياجات اقتصادية" على التصاريح الممنوحة للعمال، بدلا من الصفة السابقة "تاجر"، معتبرًا ذلك تهربًا متعمدًا وتنصلاً من الحقوق القانونية المترتبة على إضفاء صفة "عامل" على التصاريح.
وأضاف العمصي أنه، "يحق للعمال الفلسطينيين العاملين في الداخل المحتل الحصول على نفس الحقوق التي يحصل عليها العمال الإسرائيليين حسب قانون عمل دولة الاحتلال. صفة عامل تمنح العامل جملة من الأمور، مثل الحصول على الحد الأدنى من الأجور، إجازة سنوية، مستحقات مرض، مستحقات التشغيل في يوم الراحة، بدل ساعات إضافية، نفقات السفر، تأمين تقاعدي، تعويض الإقالة، والحصول على تأمين صحي وخدما صحية مهنية".

وحسب منحنى متوسط ضحايا حوادث العمل، منذ بداية سنة 2000 وحتى 2021، فإن معدل حالات الوفاة السنوية في صفوف العمال العاملين بالداخل المحتل يبلغ قرابة 33-35 عاملا، فيما لا تحصل عائلاتهم لا تحصل على أية تعويضات من أرباب العمل.

وهكذا؛ وجدنا معضلة البطالة في قطاع غزة تقع من بين أهم الأمراض العضال التي يعاني منها مواطني القطاع، والتي عاث فيها المنتفعون والسماسرة فسادًا بين أشلاء مدينة العزة، فأمست فريسة، ومشروع شهيدة تنتظر لفظ أنفاسها خلف قضبان الحصار.

 

جميع المقالات تعبر عن وجهة نظر أصحابها وليس عن وجهة نظر وكالة قدس نت